ارفع رأسك يا شادي

ارفع رأسك يا شادي

من البرنامج الكوميدي

أصدرت "أسرة برنامج أبلة فاهيتا" بيانًا رسميًّا تتبرّأ فيه من فعلة شاب يعمل لديها، بسبب إنتاجه لفيديو خاص نشره على صفحته الشخصيّة على فايسبوك، يسخر فيه من رجال الشرطة، ويقدّم لهم واقيات ذكريّة بعد أن نفخها لتصبح كالبالون، وتصوّر معهم بكامل إرادتهم وهم يبتسمون للكاميرا. ويلتقي أيضًا بمجموعة أخرى في ميدان التحرير "تهيّص" بمناسبة عيد الشرطة، فيهيّص معهم ويقبّلهم ويتسامرون. هذا البيان الرسمي، للبرنامج الكوميدي المشهور، قد يكون الأول لما يضمره من عداء للإبداع. لكن على أيّ حال من ما زال يعد العصي؟!

نحن نفعل.

هناك من يريد أن يأدب شابًا مصريًا لأنه سخر من أفراد واحدة من أكثر المؤسسات الحكومية سيئة السمعة في الكوكب فيما سميّ واقعة الكوندومز

شادي وأصدقاؤه ممتعضون من عدم قدرتهم على تنظيم المظاهرات في نفس التاريخ الذي يصادف أيضًا، إلى جانب كونه عيدًا للشرطة، ذكرى انطلاقة الثورة المصرية في 25 كانون الثاني/يناير. وقد تكون عبارة "يصادف" غير دقيقة. وربما فعل شادي فعلته الكوميدية لأنه حانق على أفراد الشرطة الذين لم يمنعوا الإخوان من إطلاق رصاص الخرطوش عليه، قبل أن تصبح كلمة "انت أخوان" تهمة. هناك أسباب لا تنتهِ تدفع أي مواطن مصري عاقل أن يحنق على المؤسسة التي ضربت، قتلت، شوهت، أعمت، سحلت، وأجرت فحوص فض العذرية لشباب الثورة المصرية.  وبعد أحكام القضاء الأخيرة التي برّأت عائلة مبارك من تهم شتّى موجهة إليها، في الوقت الذي استبدّ القمع من حرية الرأي والتعبير والإبداع، وسيق الكثير الكثير من شباب الثورة إلى السجون، وبعد ظاهرة الإختفاء القصري، وبعد أن نزلت دبابات الجيش عشية ذكرى الثورة إلى ميدان التحرير لبث الرعب في النفوس الثائرة وربما لمحاربة إرهاب السخرية. بعد كل ذلك وأكثر، هناك من يريد أن يأدب شابًا مصريًا لأنه سخر من أفراد واحدة من أكثر المؤسسات الحكومية سيئة السمعة في الكوكب، في ما سميّ واقعة الكوندومز.

حسنًا، إليكم من هو الشجاع ومن هو الخسيس.

لمن تعجّب من موقف البرنامج التلفزيونيّ الساخر، ولكي يفهم عقلية هؤلاء البشر، أنصحه بمشاهدة الحلقة الثانية من الموسم الأول للمسلسل البريطاني "Black Mirror" بعنوان "Fifteen Million Merits". هذه الحلقة التي ذيع سيطها في وسط متابعي المسلسلات الغربية، تتحدث عن قصة شاب ضاق ذرعًا بالفقاعة الافتراضية التي وجد نفسه محبوسًا فيها، وهي فضاء افتراضي ضيق عبارة عن غرفة نوم أُعدَّ من شاشات الكترونيّة تظهر عليها حالتك، ويتمثل شخصك بأفاتار Avatar، تصممه غالبًا كي يشبهك ومقابل عدد محدد من النقاط. أما المادة المعروضة على الشاشات لا يمكنك التحكم بها إلا إذا امتلكت ما يكفي من نقاط، تحصّلها من عملك على دراجة في إحدى المراكز المخصصة لذلك. فمثلًا لا يمكنك توقيف عرض إعلان لمشاهدة الأفلام الإباحيّة إلّا مقابل نقاط. وكذلك الأمر في ما خصّ إعلانات البرامج الترفيهية الصاخبة. وفي مشهد اخر يتضح إنه لا يمكنك فصل الكهرباء عن الغرفة الذكية في حال كانت تبث أي نوع من أنواع الإعلانات. الشخصية الرئيسة هي شاب من أصول إفريقية، تبرّع بثروته من النقاط التي ورثها عن أخيه لصديقة أحبّ صوتها وأراد لها المشاركة في برنامج ترفيهي لأصحاب المواهب. ينتهي الأمر بها ممثلة أفلام إباحية. وحين يقرر البطل العودة الي استوديوهات البرنامج لينتقم، يدخل بنفسه إلى كواليس البرامج التلفزيونيّة المرعبة، التي تملك سلطة لا تقل خطورة عن تلك التي تملكها الأجهزة الإستخبارتية والعسكرية.

الحلقة  لها نهاية "مميتة" كما علّق أحد المراجعين عليها، وذلك لأنها بعد أن تعطيك أملًا صارخًا من إمكانية الخروج من الفقاعة الافتراضية نحو عالم فيه صوت عذب حقيقي، وإحساس بالغبطة والفرح للقاء شابة جميلة، وبإمكانك فيه أن تغضب وتعترض وتنتفض، ينتهي الحال بالبطل المتمرد ليصبح مجرد مقدّم لبرنامج يعرض مرتين في الأسبوع، لثلاثين دقيقة، من خلال محطة راعية، يتحدث فيه عن تفاهات الإنتفاض على الأنظمة السائدة، ويهدد بالإنتحار أو يُمثّل. البرنامج لا يمانع من عرض أي شيء لرفع نسبة المشاهدين، التي ترتفع معها نسبة الأرباح. والأشخاص الذين يقفون وراء هذه البرامج، يعرفون جيدًا كيف يتصرفون حين يصبح التمرد خطر، لقد درسوا ذلك في الجامعات، وهذا جزء من عملهم اليوميّ: كيف تروض المشاهدين، وكيف تسلّع كل شيء، وتجعله قابلًا للبيع والشراء، ثم ترميه هكذا كمادة للتسلية على الهواء مقابل بدل مادي.

أن ينتهي بك الحال كمتمرد في فقاعة أكبر من تلك التي كنت محجوزًا فيها لكنها في نهاية الأمر مزيفة وتشبه السجن، فهذه مأساة. يفعل بنا هكذا الخسيس.

البطل هو واحد منّا، نعرفه افتراضيًا جيدًا

ولكن، أن نرفض هذا الواقع الصعب، أن لا نسمح للمؤسسات القائمة على الربح والتسليع بجذبنا للعمل لديها بشروطها كي نجلب لخزائنها مزيدًا من المال، أو كي نساهم في صياغة المشهد السطحي الإستهلاكي الذي بات يطغى على شاشات التلفزة الذكية، فهذا جزء من المقاومة. وإن وجدت نفسك تعمل عندهم وتقدم لهم أغلى ما تملك، موهبتك، ليرفعوا هم نسبة الترافيك على مواقعهم، وأن لا تتخلى في المقابل عن صنعتك الأولى في أن تقول ما تريد في اللحظة التي تراها مناسبة، بالطريقة التي تعتبرها ملائمة، أن ترفض الإنجرار لصف السائد السطحي، فهذه يفعلها الشجاع، وهم بالمناسبة ليسوا قلّة قليلة.

وهكذا فإن البطل هو واحد منّا، نعرفه إفتراضيًا جيدًا. نعرفه في فيديوهات الغيتار والأغاني المرتجلة، نعرفه في حملة التحرش بالمتحرشين، ونعرفه يوم العيد على الكورنيش، نعرف كيف يمتعض وكيف يسخر، ونعرف إخلاصه للثورة التي شارك في صناعتها هو وأصدقاؤه. بعد أن خطفه التلفاز منّا إلى حيث الحدود والرقابة، عاد شادي لعالمنا الإفتراضي من تحت الأرض، وسدّد ضربة مبرحة لواحدة من أفسد مؤسسات الكوكب. وقد لا يخرج من هذه المعركة سليمًا، هو مقتنع بذلك، لكن يا شادي، إدخل وراسك فوق، وإضحك عشان الصورة تطلع أحلى.

إقرأ/ي أيضًا:
موقعة "الكاندومز".. الموجة الثانية لثورة يناير؟
25 يناير.. عيد الثورة الذي لم تنسَه الشرطة