ارتفاع أسعار الدواء في المغرب يهدد الحق في العلاج
29 نوفمبر 2025
يستمر ملف ارتفاع أسعار الدواء في المغرب في إثارة قلق المواطنين والفاعلين، الذين حذروا من ضغط إضافي على القدرة الشرائية، ولاسيما المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، وهو ما يهدد مباشرة مبدأ الحق في الولوج إلى العلاج.
ورغم اعتراف الحكومة في مناسبات سابقة بأن أسعار عدد من الأدوية في المغرب أعلى بـ"ثلاث إلى خمس مرات" مقارنة بدول الجوار، إلا أن تدابيرها لتخفيض الأسعار ما زالت محلّ انتقاد من الصيادلة والهيئات المدافعة عن حقوق المستهلك والحق في الصحة. فقد سبق أن أشار الصيادلة إلى أن التخفيضات المعلنة غالبًا ما تهم أدوية منخفضة الثمن، ولا تشمل الأدوية المكلفة، خصوصًا تلك الموجهة لعلاج الأمراض المزمنة والخطيرة، التي تشكل العبء الأكبر على الأسر والمنظومة الصحية.
ويعد هامش الربح في سوق الأدوية بالمغرب من بين الأعلى في شمال أفريقيا ودول البحر الأبيض المتوسط، ما جعل البلاد "جنة الأسعار الباهظة للدواء" التي تستفيد منها الشركات متعددة الجنسيات.
ارتفاع تكاليف العلاج
يؤكد رئيس "المرصد المغربي لحقوق المستهلك"، حسن أيت علي، أن تتبع المعطيات المتوفرة من وزارة الصحة وشهادات الصيادلة وشكايات المستهلكين يكشف عن زيادات شملت بين 400 و450 دواء خلال السنة الأخيرة، سواء عبر ارتفاع رسمي أو عبر اختفاء البدائل الرخيصة.
ويرى أيت علي في تصريح لـ"الترا صوت"، أن "هذه التطورات تعكس وضعًا مقلقًا يتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف العلاج"، خصوصًا أن ارتفاع أسعار الدواء يشمل "أدوية فئات حساسة مثل السرطان، والسكري، والضغط الدموي، وأمراض القلب، والغدة الدرقية، علاوة على مضادات حيوية للأطفال".
يعد هامش الربح في سوق الأدوية بالمغرب من بين الأعلى في شمال أفريقيا ودول البحر الأبيض المتوسط، ما جعل البلاد "جنة الأسعار الباهظة للدواء" التي تستفيد منها الشركات متعددة الجنسيات
ويرجع الفاعل في حماية المستهلك هذه الأزمة إلى أسباب بنيوية؛ أبرزها "ارتفاع أسعار المواد الأولية عالميًا، وزيادة تكاليف النقل، وتراجع تصنيع الأدوية الرخيصة بسبب ضعف هامش الربح، ما تسبب في ندرة مصطنعة رفعت الأسعار"، مشيرًا إلى "غياب سياسة فعالة لتشجيع الدواء الجنيس وتأخر إدماجه في التغطية الصحية، إضافة إلى بطء مراجعة الأسعار مقارنة بدول الجوار".
وأضاف رئيس "المرصد المغربي لحقوق المستهلك" أن "هذه العوامل كلها جعلت المغرب ضمن البلدان الأعلى كلفة في المنطقة، وسط ضعف المنافسة وغياب رؤية واضحة لحماية المستهلك"، مقترحًا حزمة إجراءات عاجلة تشمل أساسًا "مراجعة هوامش الربح، وتشجيع التصنيع المحلي، علاوة على إصلاح منظومة التعويض داخل التغطية الصحية".
اختلالات حكامة الصحة
ليست الهيئات المدافعة عن حقوق المستهلكين وحدها من أثارت مسألة الاختلالات المرتبطة بسوق الدواء وأثمنته، بل انخرطت في ذلك مؤسسات وطنية رسمية، على غرار مؤسسة وسيط المملكة التي نبهت إلى أن الدواء جزء من إشكالية حكامة الصحة في المغرب، وخصوصًا على مستوى فعالية منظومة التغطية الصحية.
وسجلت مؤسسة "وسيط المملكة"، في تقريرها الأخير "حكامة القطاع الصحي بالمغرب"، أن الحرمان من التعويض عن بعض الأدوية يعد أحد أبرز الإشكاليات؛ لأنه "في جوهره حرمان من الحق في التطبيب والصحة، ويقوض مبدأ المساواة في الانتفاع من الخدمات العمومية"، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى تحقيق مبدأ الفعالية والعدالة الاجتماعية في الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
وتتسع هذه الإشكالية لتشمل أدوية ذات كلفة مرتفعة، إذ رصد التقرير ذاته اختلالًا خطيرًا يتمثل في "رفض تعويض أدوية باهظة الثمن توصف لعلاج أمراض مزمنة"، الأمر الذي يزيد من الأعباء المالية بالنسبة للأسر، ويهدد بشكل مباشر "العلاج لدى الفئات الهشة"، ويضعف من الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية.
لوبيات متحكمة في الدواء
شدد رئيس "الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحياة"، علي لطفي، على أن "الحق في الحياة رهين بحق الحصول على الخدمات الصحية والأدوية، وضمان الأمن الدوائي، ولا يمكن إخضاع الأدوية والمستلزمات الطبية لحرية الأسعار والمنافسة".
واعتبر لطفي في حديثه لـ"الترا صوت" أن الاعتراف الحكومي بكون أسعار الأدوية في المغرب أغلى بثلاث إلى خمس مرات من دول أخرى، يكشف "حجم الاختراق الذي تمارسه لوبيات قوية تتحكم في الاستيراد والتسعير".
وأبرز المتحدث ذاته أن "تقارير مؤسسات دستورية عديدة رصدت وضعية احتكار تشمل ربع سوق الدواء في المغرب، مع ضعف الرقابة على الجودة والتسعير، إضافة إلى الاعتماد شبه كلي على الاستيراد رغم قدرة الصناعة المحلية على تغطية نسبة مهمة من الحاجيات الوطنية".
ويدعو رئيس "الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة" إلى ضبط سوق الدواء أولًا ومحاربة الاحتكار، وتشجيع التصنيع المحلي للدواء، ورفع حصة الدواء الجنيس إلى المستويات الدولية، وبرمجة مراجعات دورية للأسعار، وربطها بتغيرات السوق والتضخم.







