اخلعي النقاب ارتدي الكمامة: ديمقراطية وإسلاموفوبيا

اخلعي النقاب ارتدي الكمامة: ديمقراطية وإسلاموفوبيا

تعكس الحملة تصاعد الخطاب المعادي للإسلام في سويسرا (الترا صوت)

في السابع من شهر آذار/مارس القادم، سيصوت السويسريون على مبادرة أطلقها حزب الشعب السويسري اليميني تهدف إلى حظر ارتداء النقاب. مشهد يبدو ساخرًا تعرفه الدولة الأوروبية "المحايدة" والهادئة، بالنظر إلى السياسات الصحية الحالية التي تفرض على المواطنين ارتداء الكمامة وتغطية معظم وجوههم. سخرية سوداء زادتها التقارير التي تتحدث عن أن عدد النساء اللواتي يرتدين النقاب في جميع أنحاء سويسرا يترواح بين 20 و100 امرأة فقط.

في السابع من شهر آذار/ مارس القادم، سيصوت السويسريون على مبادرة أطلقها حزب الشعب السويسري اليميني تهدف إلى حظر ارتداء النقاب

جدل كبير أحدثته المبادرة. رفضتها أحزاب وقبلت بها أخرى، وطالبت الحكومة كما فعل البرلمان المواطنين بالتصويت ضدها. مشهد مكتظ بالصور والمناظرات عن حرية المرأة والإرهاب ومستقبل السياحة والحفاظ على القيم الغربية.. إلخ، لكنه ينطوي في نهاية المطاف على صورة أوضح من كل ذلك: ملايين المصوتين السويسريين سيقررون حق أقل من 100 امرأة في ارتداء نوع معين من الملابس. أو بصورة أخرى: ملايين السويسريين سيتناظرون علنًا حول أجساد عشرات النساء المسلمات.

اقرأ/ي أيضًا: هل تحكم الشعبوية المجتمع الغربي؟

رغم رفض الحكومة ومعظم الأحزاب السويسرية لهذه المبادرة، فإن هناك عددًا كبيرًا من المؤيدين. تشير التقارير إلى انضمام بعض الحركات والمؤسسات النسوية لهذه الدعوة، تحت مبرر مسؤولية الدولة في محاربة أشكال التمييز ضد المرأة في "المجتمعات الأبوية". وزراء وزعماء أحزاب يدعون لرفض المبادرة لأسباب منها القلق على مستقبل قطاع السياحة، خاصة السياح القادمين من دول "إسلامية". أما الاستطلاعات فتشير إلى أن الحظر قد يتم بالفعل.

موقف يمثل أحد التحديات الكلاسيكية في الديمقراطيات المباشرة، حيث إن رأي المصوتين يختلف مع آراء الممثلين لهم في البرلمان، وهو ما سيكرر  في حال حدث، سيناريو قانون حظر بناء المآذن الجديدة الذي تم إقراره في عام 2009. مع ذلك، فإن ما تكشفه هذه المبادرة بشكل أوضح، هو تناقض آخر، وهو أن غالبية المصوتين السويسريين لا يريدون العيش تحت حكم أحزاب يمينية مثل حزب الشعب، صاحب المبادرة، لكنهم في نفس الوقت متحمسون لبعض مبادراته. وهو نوع من المرونة التي تتيح للناخبين التعبير عن تصوراتهم العرقية من خلال مبادرات متفرقة، بدون اختيار أصحاب هذه المواقف كممثلين لهم في البرلمان بالضرورة.

تعكس هذه الحماسة في تحديد ما تستطيع أو لا تستطيع عشرات النساء ارتداءه، حدةَ خطاب التهديد من الإسلام في الغرب في هذه الأيام، لكنها تكشف أيضًا تاريخًا طويلًا من تمثيل المرأة المسلمة كخاضعة، ضعيفة، وبحاجة إلى إنقاذ حسب الوصف الشهير لليلى أبو لغد. مساحة من التصورات النمطية التي تلتقي عندها بعض الحركات النسوية، مع تصورات عنصرية عن القيم الغربية لليمين المتطرف.

أما طبيعة النقاش حول الأمر، فتبرهن على أن المناظرات حول الإسلام في الغرب ليست محلية، وغالبًا ما تتورط بنوع من سجالات الهوية العابرة للشأن المحلي. على سبيل المثال، يستشهد المؤيدون لحظر النقاب بالوضع الحقوقي للمنقبات في أفغانستان أو السعودية ودول إسلامية أخرى. ويتم استخدام صور لمنقبات من أماكن بعيدة في الملصقات الدعائية في الشوارع وعبر السوشال ميديا.

يتيح نظام الديمقراطية المباشرة في سويسرا طرح مبادرات للتصويت الشعبي، حتى على مشاريع قوانين تم رفضها في البرلمان، كما حدث في مبادرة حظر تغطية الوجه أو حظر النقاب. نمط يمثل ميدانًا لما يسميه عزمي بشارة تناقضًا داخل الديمقراطية الليبرالية، حيث يتناقض الحق في المشاركة باتخاذ القرار مع قيم الحرية الليبرالية نفسها، إذ إن حرية التعبير المتمثلة في المشاركة في التصويت، قد تؤدي إلى انتهاك لحرية التعبير ذاتها، المتمثلة بحرية اللباس أو العبادة.

ملايين المصوتين السويسريين سيقررون حق أقل من 100 امرأة في ارتداء نوع معين من الملابس

قد لا يكون هذا التناقض واضحًا كثيرًا بسبب "حالة الاستثناء" التي يوضع فيها المسلم في الغرب اليوم، وتحديدًا المرأة المسلمة، حيث غالبًا ما لا يتم اعتبار التدخل في شؤونهم انتهاكًا، وإنما نوعًا من المسؤولية. لكن ماذا لو تم التصويت بنفس الطريقة على حق أقليات دينية أخرى، أو حق المرأة في التصويت؟ ماذا عن الحريات الجنسية، أو عن حقوق المثليين؟ أسئلة تبقى مفتوحة أمام هذا النظام المركب، وتضيف تعقيدات جديدة لقضايا الشعبوية والإسلاموفوبيا في الغرب اليوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 أين ينتصر الشعبويون في العالم؟..ولماذا؟