اختناق الشحن البحري والجوي يهدد أسعار الأدوية والإلكترونيات
5 مارس 2026
تتسع تداعيات الحرب الدائرة في إيران لتتجاوز أسواق النفط، مع تصاعد المخاوف من موجة اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يعكس ارتفاعًا في أسعار الأدوية وأشباه الموصلات والأسمدة ومنتجات البلاستيك، إضافة إلى سلع استهلاكية واسعة الانتشار.
فمع توقف حركة ناقلات النفط فعليًا في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، تعاني حركة الشحن البحري والجوي في المنطقة من شلل جزئي، ما يهدد بإحداث اختناقات متتالية تمتد من آسيا إلى أوروبا وأميركا.
أثر "الدومينو"
وحسب ما نقلت وكالة "أسوشيتد برس"، تقدّر شركة "كلاركسونز للأبحاث" أن نحو 3200 سفينة، أي ما يقارب 4% من الحمولة العالمية، عالقة داخل الخليج، بينها أكثر من ألف سفينة تعمل غالبًا ضمن نطاقه الداخلي. كما تنتظر نحو 500 سفينة أخرى خارج الخليج، في موانئ قبالة سواحل الإمارات وسلطنة عمان.
مع توقف حركة ناقلات النفط فعليًا في مضيق هرمز، تعاني حركة الشحن البحري والجوي من شلل جزئي، ما يهدد بإحداث اختناقات متتالية تمتد من آسيا إلى أوروبا وأميركا
ورغم أن هذه النسب تبدو محدودة، فإن خبراء الشحن يحذرون من "تأثير الدومينو". فتعطل عدد قليل من الموانئ أو المسارات قد يؤدي إلى ازدحام وتأخير في موانئ أخرى حول العالم، نظرًا للطبيعة المترابطة لسلاسل الإمداد الدولية.
باتريك بينفيلد، أستاذ ممارسات سلاسل الإمداد في جامعة سيراكيوز، أكد أن استمرار النزاع سيؤدي تدريجيًا إلى نقص في بعض السلع وارتفاعات ملحوظة في الأسعار، مع انتقال تكاليف التأخير والتأمين والوقود إلى المستهلك النهائي.
خطة أميركية لإعادة الحركة
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة لإعادة تدفق النفط والتجارة عبر المضيق. وأعلن أنه وجّه المؤسسة الأميركية لتمويل التنمية الدولية لتوفير تأمين ضد المخاطر السياسية لناقلات النفط والبضائع العابرة للخليج بأسعار "معقولة".
كما لمّح إلى إمكانية مرافقة البحرية الأميركية للناقلات عبر المضيق عند الضرورة، في ظل امتلاكها مدمرات وسفن قتال ساحلي منتشرة في المنطقة، سبق أن استخدمت لمرافقة السفن التجارية في الخليج والبحر الأحمر.
سلع استراتيجية تحت الضغط
تمر عبر المنطقة نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب منتجات مشتقة من الغاز الطبيعي مثل اللقيم البتروكيميائي المستخدم في صناعة البلاستيك والمطاط، والأسمدة النيتروجينية.
ولا يقتصر التأثير على الطاقة، إذ تعتمد صادرات الأدوية من الهند وأشباه الموصلات والبطاريات من آسيا على هذه المسارات البحرية. أي تأخير طويل قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الإنتاج في دول بعيدة جغرافيًا عن ساحة الصراع.
طرق أطول وتكاليف أعلى
إلى جانب القيود في مضيق هرمز، أدى التصعيد إلى تقليص حركة العبور في البحر الأحمر وقناة السويس، التي كانت قد بدأت تستعيد نشاطها بعد سنوات من الاضطرابات المرتبطة بهجمات الحوثيين.
شركة الشحن الدنماركية Maersk أعلنت إعادة تحويل سفنها بعيدًا عن المنطقة، عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. هذه الرحلة البديلة تضيف ما بين 10 إلى 14 يومًا على زمن الشحن، وتكلف نحو مليون دولار إضافي وقودًا لكل سفينة، وفق تقديرات أكاديمية.
ومع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاطر، بدأ مشغلو السفن بإضافة رسوم إضافية تحت مسميات "مخاطر الحرب" و"رسوم الطوارئ"، ما يرفع كلفة النقل على الشركات المستوردة والمستهلكين.
الشحن الجوي تحت ضغط غير مسبوق
لم يسلم الشحن الجوي من الاضطرابات. فقد أدى إغلاق مجالات جوية ومطارات في دول عدة إلى تعطيل آلاف المسافرين وشحنات البضائع، في وقت تشكل فيه المنطقة محورًا أساسيًا لحركة الربط بين آسيا وأوروبا.
وتشغّل شركات الطيران الكبرى في الخليج، مثل طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران، أساطيل شحن جوي متخصصة، إضافة إلى نقل البضائع في بطون طائرات الركاب.
ورغم أن الشحن الجوي يمثل أقل من 1% من إجمالي حجم البضائع عالميًا، فإنه يشمل سلعًا عالية القيمة أو سريعة التلف مثل الأدوية والإلكترونيات والمنتجات الزراعية، والتي تمثل نحو 35% من قيمة التجارة العالمية.
ويحذر محللون من أن استمرار إغلاق المطارات في الشرق الأوسط سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الشحن الجوي نتيجة انخفاض السعة المتاحة وزيادة الطلب، فضلًا عن فرض رسوم إضافية مرتبطة بمخاطر الحرب وارتفاع أسعار وقود الطائرات.
صناعة "تعتاد الاضطراب"
رغم قتامة المشهد، يؤكد بعض العاملين في القطاع أن صناعة الشحن باتت أكثر مرونة بعد سنوات من الصدمات، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى النزاعات المتكررة في الشرق الأوسط.
لكنهم يقرون في الوقت ذاته بأن ما يجري حاليًا يحمل طابعًا غير مسبوق، نظرًا لحساسية المنطقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من الطاقة والتجارة العالمية.