10-أغسطس-2016

(Getty) أطفال سوريون

ليلى ككل الفتيات، تحلم أن يرى العالم جمالها، بعد أن حرمت حتى نفسها من النظر إلى وجهها الطفولي. عامان ونصف ظل السواد ممتدًا على خريطة أحلامها، عامان ونصف وهي ترتل أبجدية الأمل وتحاول أن ترسم لأحلامها عبر الغبار شجرة تستظل بها بعد أن أوشكت على الموت عطشًا للحرية.

الأمل... هذا المصطلح الخالي من كل التعقيدات، وحده من يزيح عباءة الليل دون خوف من سكين القدر... وحده من يبتسم سرًا لطفولة أرهقتها قوانين جلادي العصافير في الحديقة الخلفية لأحلامنا. 

بدأت تجهز نفسها بحذر فالحقيقة تكمن دائمًا بعيون الطفولة والحقيقة توشك من الاقتراب. قبل أيام قليلة غردت رهف، صديقة ليلى المقربة، بأنغام الحرية، ألقت عن شبابها كهولة فرضت عليها دون ذنب. أيعقل أن يكون القدر بهذه الجفاوة من ليلى؟ لماذا كل هذا التأخير؟ ولماذا يأتي بلحظات غير متناسقة الترتيب؟

بدأت تذكر أخاها عمر، كانت تتمنى لو أنه يشاركها فرحها وقلقها، بدأت تبكي كما لو أنها غيمة ربيعية، وكأن دموعها مازالت تؤمن بوجوده قربها. هدأت قليلًا، أخفت دموعها، وتابعت في رحلة خيالها.

صوت قاتل عمر يتردد دائمًا في أحلامها، وكأن لعنة الموت ما زالت تلاحقها. تذكر كيف ألقى بيان إعدامه، وتذكر جيدًا لهجته الغريبة عن لغتنا وعن ديننا حتى، كانت تريد أن ترى وجهه حتى تحقق حلم عمر، لا يريد أن يختفي وجه قاتله خلف قناع ويتوارى وراء سكين أو بارود الرصاص. تريد أن ترى عينيه لتنفذ وصية والدها لعمر حين ثار على الطغاة قبل أربع سنوات وانضم إلى الثوار. قال له والده: "لاتهرب من وجه قاتلك، انظر إلى عينيه مباشرة، لا تدعه يشعر بخوفك أو ضعفك، دعه يموت معك بفوهة البندقية وصوت الرصاصة".

بعد أن ألقى خطابًا مطولًا وبيّن فيه أن الموت سيحاصر المكان دون أن يعبأ لجمهور المتفرجين "العفويين" والتقليدين. وبعد أن ضغط الزناد، ذبل الياسمين، وانتحر البنفسج، ولم يبق سوى الظلام يتابع عمله بصمت. أيمكن أن يكون الموت أكثر ألمًا حين تشاهد أحبتك حولك وأنت على بعد خطوة منهم؟ أيمكن أن تفقد رغبتك بالحياة وتتمنى الموت بسرعة؟ أيمكن أن يوجد هناك أشخاص يتلذذون بسرقة الأحلام أكثر من تلذذهم بسرقة الأرواح؟ 

حققوا حلم عمر الأخير.. فكل أحلامه تأجلت.
قتلوه رميًا بالرصاص.. كما أراد.

بدأت تبعد عن حاضرها ذلك الماضي، هي الآن تفكر فقط باقتراب صوت الرصاص من منزلها حتى يتسنى لها الهروب إلى حلمها.

في منبج، تلك المدينة الفاتنة، المدينة الخالية من كل شيء إلا الموت، المدينة المحاصرة من كل الجهات، يتمنى أهلها اقتراب صوت الرصاص من منازلهم، في إشارة وطريق للهروب من الموت بأشكاله الثلاث (جوعًا- قنصًا- قصفًا) إلى المجهول الذي يقبل القسمة على أكثر من احتمال، وأكثر الاحتمالات وضوحًا هو البقاء على قيد الأمل.

أيعقل أن تتحول معظم أحلامنا وتختزل في حلم غير عادي، لدرجة أننا نتمنى اقتراب الموت منا ليكون لنا فرصة في النجاة؟

هي منبج وأهلها يتمنون الموت للحفاظ على أكبر قدر من الحياة. 

ما زالت ليلى لليوم الثالث على التوالي تراقب من سطح منزلها اقتراب الموت، تصلي دائمًا، تدعو لكل المحاصرين، وتشعر بالغيرة أيضًا من صديقتها رهف، بل تكرهها أحيانًا، لماذ القدر اختارها هي للبقاء؟ في حين أنها تستحق أكثر من مساحة سوداء تغطي أحلامها وجسدها.

اقرأ/ي أيضًا:

عنا، نحن المساكين

حظٌّ سيئ أثناء الشوبنج