احتمالات الفقد.. أيا ليل الهجرة ما أطوَلَك!

احتمالات الفقد.. أيا ليل الهجرة ما أطوَلَك!

لاجئون عند الحدود الصربية المجرية (Getty)

ثمة احتمالات كثيرة للفقد ومنها الموت، ليس بالضرورة أن يكون أصعبها، كل فقدٍ هو غيابٌ، ذهاب في المجهول واللا جدوى، ربما اللا جدوى! كتبَ صديق لي: "تناص مع الموت" يرثي صديقًا آخرَ، ظننت لوهلة أنَّ النص كان لي وأني الميتَ، أو الغريبَ الذي سكن برزخهُ الأخير، بعد أن مشىَ على صراط طويلٍ وملتهب ولانهاية تلوح لهُ ومنه في الأفق. كيف يمكن أن يتناص المرء مع الموت؟!

كانت الأوطان تسمى باسم عين الماء التي نزلَ بها الرّكب من ناس وبهائم

درجّت عادتنا نحن البدو على الرحيل، وحيث تستقر دوابنا وتجد مأكلًا وماءً نستقر، هذه العادة قد تقربنا من هؤلاء الذين "يتشدقون" بحقوق الإنسان والحيوان، وننظر إليهم كما لو أنهم يبالغون ويفعلون فعلًا نافلًا ولا ضرورة له، خاصة مع الكلاب، في حين أيضًا كان كلبنا يأخذا قيمته من قيمة أهله، وقتل الكلب يعني قتل نفس وتعد على أصحابهِ، إذًا كان التنقل يتم بحكم الحاجة، والأمكنة التي نحلُّ بها قرب أعين الماء أو الأنهار أو البوادي التي تعشبُ بعد فصل الشتاء، هذا التنقل الدائم ما كانَ ليؤسس مقولةَ وطن، إنما كانت الأوطان تسمى باسم عين الماء التي نزلَ بها الرّكب من ناس وبهائم، أو تسمى بالتلة التي سميت على عجل لتكون نقطة علام "للربع" ومع هذا ارتبط الشوق للأماكن بوصفها مؤمنة للحياة وواهبة لها أكثر من كونها أراض شاسعة يمكن التقاتل عليها، وتشكيل إقطاعيات على أنقاضها فيما بعد، استوجب قتالًا شرسًا بين القبائل.

هكذا تعلمنا كيف نهاجر، ونقول اليوم كيف ننزح ونلجأ، بكل ما في الأخيرة من معنىً هاتك للأمل بالعودة، ولم يعد هذا النزوح الكبير بموسمه الطويل والثقيل جدًا من أرضٍ إلى أخرى غالبًا يكون لها نفس لون التربة ونفس المسارات، وغالبًا يكون طريق العودة معروفًا، فلا حزن يشكلهُ هذا الهجرِ المؤقت، لا سيما أن المكوث مرتبط بحال السماء والأرض وليس بأناس على الأرض يعبثون باحتمالاتها ويعيثون بها فسادًا.

تتضافر جهود عدة حثيثة وغير بريئة في بعضها لأن تفتح باب النزف، فيتقاطرُ الناس المكلومون من كل مكان تلعب به النار وتشكل خارطته الجديدة نحو ما يرونه مكانًا آمنًا ومحققًا لما يعتقدونه الظفر بالممكن الذي فاتهم وربهم يفوتهم أكثر كلما تأخّروا، المثالية التي يتحدث بها بعضهم صارت مكلفة ومخربة ولا تطعم خبزًا ولا تقي من حر وبرد، وصارت فكرة اللجوء بوقعها الثقيل مخففة، بل تبدو أهون الشرور وحلًا مؤقتًا لجملة المصاعب التي لا حيلة لمن اختار البقاء بوصفه غير مشارك في صنع القرار أو إدارة الحرب على إدارتها، فالحرب لم تتوقف على حدود المدن والثكنات العسكرية وتحصنات المقاتلين (الضد) إنما دخلت كلَّ بيت فإن لم تكن بالبرميل والصاروخ والاعتقال والتشويه والسكين وغيره، فقد دخلت البيت من باب المجاعة وفقدان أسباب الحياة الأولية. احتمالات الفقد كثيرة أهونها الموت بالأسلحة الظاهرة للعيان.

احتمالات الفقد كثيرة أهونها الموت بالأسلحة الظاهرة للعيان

أنظرُ في حال الكتابة اليوم بعد الهجرة الكبيرة مؤخرًا، فلا أرى إلا خطوطًا بيانية توضحُ أمر الكاتب وخلفيته، فتجد الموالي بلبوس المعارض وتجد المعارض الموالي، وتجد من يقول كلمته الحق، وإن كنت أرى خروج بعضهم لمشاغل وأهواء تخصه لا تنعكس على مجموع من خرجوا من تحت دلف الويل والتجويع والتهجير المتعمد من قبل من يعمل على ذلك بضراوة لا تقل عن ضراوته في القتال.

كذلك أميزُ صنفين: أحدهما يقول مقولته بمظلومية وذرف للدموع والآخر يقولها بسخرية، يرسم منها مادة خامًا كاريكاتيرية، وكلاهما بالضرورة متألمان، فقد يكونا ضمنَ الضحايا الجدد الذين دخلوا بئر البلاد الجديدة، حيث لا اللغة ولا الناس هم الناس الذين تعرفناهم وعانقناهم هناك، وقد لا أجانب الصواب إذا قلت أن صنع ذكريات جديدة أشبَه بصنع قنبلة من شخص لا يفقه من الكيمياء إلا معادلة (H+O2=H2O).

وهذا يعني أن الساكن الجديد في بيئة جديدة سيبقى في جزئه الأكبر حيث الأشخاص الذين شكلوا ذاكرته قبل أرض صارت أطلالًا "في برقة ثهمد" الشاعرِ، والقول الشهير "جنة بلا ناس ما تنداس" يمكن تعديله إلى جحيم بلا ناس، فلا مآثر في المكان سوىَ أنَّ النار الظاهرة هناك هي مضمرة هنا.

من احتمالات الفقد المؤلمة التنكر للآلام والتندر بها، والنظر إلى موت البشرية باعتباره ترفًا.