احتراق الملاك الطائر

احتراق الملاك الطائر

صورة تعبيرية لحظيرة طائرات (Getty)

​إليكم ما حدث بالضبط، أو ما سيحدُث قطعًا،  في أي رحلة آخرى مُنتظرة، لقد ماتت المضيفة، بالفعل، وكانت باردة لحظة انعدام الأوكسجين في قلب الطائرة، وجهها يغص بنضارة الإنخطاف، وكان السقوط، ذلك السقوط الحتمي، لجسدٍ ممشوق فارع، يمشي في الممر الضيق ببراعة، بينما الصعود، هذا الصعود يحتاج إلى طاقة مُثلى، أو معجزة أشبه بمعجزة خفتها عند التوازن، وثباتها لدى المطبات الجوية، المضيفة بالطبع.

لمائة وثمانون رحلة، على ارتفاع 35 ألف قدم فوق سطح البحر، أي ما يعادل ألف إبتسامة طرية تهبها للناس في مملكتها الشاهقة، كونها معلقة بين الأرض والسماء. إذ كيف تسنى لها وقد جاوزت العشرين عامًا بعدة سنوات أن تقاوم رغبة الإلتصاق بالأرض، أو بجسد رجل حنون يحبها، يدفئها بكلماته، فهى تتقاضى راتبها فقط أثناء التحليق، بينما كل لحظات الانتظار الآخرى محض فضول أوقات، زمن ميت، لا تدرك قيمته إلا معك، وحتى لا يصبح الجو عليلاً.

تبدو أنيقة على الدوام، مثل موديل عرض جاذب، هى بالفعل أنيقة، تسرح شعرها بحيث لا يزعج المسافرين، مع أذواقهم المتنافرة، وتزرع في منتصف وجهها الخجول، ابتسامة دائمة تبدد رهق التحليق الطويل، حتى وهى غاضبة، لا يمكن مطلقًا أن يغلب عليها شعور يجلي سعادتها المصطنعة لتبدو مصطنعة، عندما ترشدك إلى مقعدك، وهى بلا مقعد، رغم أنها سيدة المكان بلا منازع، سوف تدرك ذلك عندما ترفض أوامرها بفتح ستارة النافذة واطفاء الهاتف، أو إحكام أحزمة الأمان.

إنها جاهزة الأن، أكثر من أي وقتٍ مضى، لتلبي بسخاء ممعن في اللطف جميع رغبات الركاب الفوضويين، حتى تلك التي يستحون منها، مثل أن يشتهيها أحدهم بالعري الفاضح، واجبها أن تبقيهم سعداء، وتضع الأكواب الساخنة والطعام الشهيء فوق طاولاتهم القصيرة بمنتهى الرضاء، ولا تضن عليهم أيضاً بكل ما هو متاح.

إنها إذ تدرك كيف هى صائرة إلى مكانٍ مواتٍ بالقاع، تؤثر البقاء في الجوار، عادة، ومطلوب منها أن تخبيء عنهم كل ما يجعلهم منزعجين، حتى حقيقة أن الطائرة ستسقط، وهو ما سيحدث، قطعاً في لطمة جنونية. تشيح بوجهها كابوس الموت المرعب، وتبقيهم هادئين أكثر، وتهبهم بسخاء عمرها المختزل في الرحلة، الرحلة الأخيرة لها.

 أه ثم أه.. لو تعود طفلة، وتجتر أمنيتها بأن تصبح مضيفة عندما تكبر، ليس لمثل هذا، ومما هو مُقبل، حين تموت بعيدًا عن فراشها الحنون، وإن كان لابد من إظهار القلق لفتاة أدمنت ركوب المخاطر، والغربة عن بيتها البعيد المنسي، فليس قبل أن يشعر به الركاب، القلق طبعًا، ويضطربون، كأن تتهاوى مثلاً الأطباق والمعالق، ويصدر ارتطامها بالحافة صوت موسيقى، أشبه بموسيقى الجنائز، أو تسقط سترة النجاة المخيفة، على نحوٍ مفاجئ، لا كمعجزة نيوتن، وإنما في الطائرة هنا عليها أن تخضع مكرهة لقانون الجاذبية اللعين، السترة مقابل السقوط المجلجل، ولا يمكن في رحلة العدم هذه أن تصرخ ذات المضيفة، فهى مثل عازف التشيلو القابع بفيلم التايتنك، تكافح بشراسة لصرف فكرة الموت المحتمل بعيدًا، بعيدًا جدًا.

حتمًا سوف تصرخ المضيفة في صمت قاسٍ، بعيد أن تتأكد أن النيران التهمت الجميع، ولن يلحظ ذلك أحد، حتى لا يشاع في العالم، وبإفتتضاح كامل أن المضيفات يثرن هلع الركاب المساكين، وبالغاً ما بلغ الأمر، معهود على فطنتها كإمراة بالغة النضج والعذوبة أن تمنح الأطفال، أطفال الطائرة، نومة أخيرة وهانئة، إذ لا يعقل أن يحترقوا على الهواء مباشرة، بعيون مفتوحة، وفي فيلم رعب حقيقي، لم يكن يُسمح لهم بمشاهدته على التلفاز. واجبها، المضيفة، أن تعدهم لموت مباغت، لا يتهيأون له بصورة معقولة.

 وكان عليها أن تتظاهر برباطة جأش، كونها شجاعة، تنحني برفق وتلتقط ذكرياتها لتخبيها، لا أن تتصفحها بحنين جارف، وأن تهش على صور العائلة والأصدقاء كما تهش على الذباب، حتى لا ينهمر دمعها المكبوت، أو تدفن وجهها بذلك الأسى الكثيف في حضن أمها، وما أمها سوى محض ذكرى تكتسي بحقيقة متجددة، وهى أن تتناسى، بمعاظلة كونها أنثى محبوبة، وأم لطفل جميل قدر له أن لا يولد بعد، وربما لا يولد ما لم تتخلى عن مهنة التحليق، إذ لا يسمح بالضرورة لإمرأة حُبلى أن تبدو كمضيفة، مثقلة بالتعب والغثيان كبقية النساء، أو تضرب وعد لعاشقٍ بالخارج في ميقات رحلتها المواتية.

 لا مفر إذًا من فحص الطائرة والتأكد، أن ثمة شخص يحتضر، ويرغب في شرب النبيذ ليموت مخدراً، وبمقدورها أن تترك ذلك الإنطباع الجيد، في ما تبقى من عمرها، أنها لم تغادر ردهة الركاب، مطلقاً، وتنتهز فضل معرفتها بمخارج الطوارئ، وتنشد لنفسها الأمان المطلوب بإلحاح، لا يتوفر بالضرورة حتى لأثرياء الرحلة، تلتفت بخفة لرجل مُسن يبحث عن حقيبة الدواء، تنقذ حالته الحرجة قبل الإرتطام، وبمهارة توزع الطعام على من تأجل موتهم لحين، دون أن يخطر على بالها أن تنتهز حالة الفوضى وتتناول بعض المهدئات، إذ أنه لم يفلح راكب أبداً في مداهمة مضيفة تلبي رغبات معدتها داخل الطائرة، مثل أن تشرب القهوة أو تتناول الطعام.

 كانت تدرك لوهلة طويلة، أطول من فزع اللحظة القاتلة، أنها ستموت في أحد الأيام، عن قريب ربما، وغالباً كل رحلة تنذر بخطر جاثم، كسحابة سوداء، تعبر فوقها بخفة لا متناهية، ربما نتيجة لإرهاق الطائرات بالعمل المضني، وعدم فحصها، أو لسوء الأحوال الجوية، إن لم يكن ثمة انفجارٍ عارض، أو شخص يائس متطرف راغب في الإنتحار، ستموت حتماً، المضيفة، وسيهرع الجميع، بولع مطاردة الحقائق، لفض سرها الغامض، أو صندوقها الأسود، الذي قررت أن تموت عليه، هادئة جميلة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أبناء العزلة

عرش الخسارات