احتدام الجدل جزائريًا حول مشروع قانون لسحب الجنسية.. مضامين التعديل القانوني ودلالات توقيته
26 ديسمبر 2025
تشهد الجزائر جدلًا محتدمًا أثاره مقترحٌ تشريعي قُدّم إلى البرلمان، يقضي بتعديل قانون الجنسية بما يسمح بسحبها من الجزائريين المقيمين خارج البلاد في حال ارتكابهم جرائم محددة خارج التراب الوطني، من شأنها إلحاق ضرر "جسيم بمصالح الدولة الجزائرية".
ورأت أصوات جزائرية معارِضة في هذا المقترح مخاطر متعددة، بعضها ذو طابع حقوقي ودستوري، وأخرى تتعلق بالتماسك الوطني. وانطلاقًا من ذلك، شككت هذه الأصوات في مشروعية التعديل، وطرحت تساؤلات بشأن توقيته ودوافعه السياسية، مطالبةً بأن يبقى هذا الملف ضمن الاختصاص القضائي، وألّا يُستخدم كورقة ضغط سياسي.
وكان النائب عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، هشام صفر، قد تقدّم بمقترح تعديل قانون الجنسية، ما فتح باب نقاش واسع داخل البرلمان وفي الأوساط السياسية والإعلامية في البلاد.
أثار مقترح تعديل قانون الجنسية جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي بين رافض له ومؤيد، حيث اعتبر معارضوه أنه "وسيلة في يد سلطة ديكتاتورية تقمع به معارضيها"، بينما اعتبر موالوه أنه "أداة مهمة لتأديب الخونة والمتلونين الذين يضرون بمصالح البلاد"
يُشار إلى أنّ حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تأسس في شباط/فبراير 1997، يُعدّ القوة السياسية الثانية في الجزائر بعد الحزب الحاكم، المتمثّل في حزب جبهة التحرير الوطني.
مضامين مشروع تعديل قانون الجنسية
نصّ مشروع القانون الذي تقدّم به النائب عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي على إمكانية سحب الجنسية الجزائرية من أي جزائري مقيم خارج البلاد، "إذا قام بأفعال خارج التراب الوطني تضر بمصالح الدولة، أو أبدى نية واضحة للإضرار بها، أو تلقّى أموالًا أو مزايا من دولة أجنبية بهدف الإضرار بالمصالح الوطنية"، وذلك في حال استمرار هذه الأفعال رغم توجيه إنذار رسمي من السلطات الجزائرية.
كما تضمّن نص مشروع القانون حالات أخرى موجِبة للتجريد من الجنسية، من بينها "العمل لصالح جهات عسكرية أو أمنية أجنبية، وتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لها بما يضر بمصالح الدولة، أو التعامل مع كيان أو دولة معادية للجزائر، أو الانخراط في جماعات إرهابية أو تخريبية، أو تمويلها أو الترويج لها أو الانضمام إليها بأي شكل كان".
ويتيح المشروع استرجاع الجنسية الأصلية للأشخاص الذين جُرّدوا منها، بناءً على طلب يُقدّم بعد مرور 24 شهرًا على الأقل من تاريخ التجريد، على أن يُفصل فيه بموجب مرسوم رئاسي.
وفي هذا السياق، قال النائب هشام صفر، الذي يقف خلف طرح المشروع، إن مقترح تعديل قانون الجنسية "جاء انسجامًا مع المادة 36 من الدستور، مع ضبط أحكام واضحة لا تتعارض مع القانون الدولي"، مشددًا على أن التعديلات المدرجة "تؤكد الطابع الاستثنائي جدًا لإجراء سحب الجنسية، وتُرفق بضمانات قانونية إضافية لم تكن موجودة في النص الساري المفعول". وأكّد أن هذا الإجراء "يُطبّق فقط على كل جزائري تثبت في حقه دلائل قوية ومتماسكة على ارتكابه، خارج التراب الوطني، أفعالًا خطيرة ومحددة قانونًا، لم يتوقف عنها رغم إنذار رسمي من الحكومة الجزائرية".
من جهته، دافع وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة عن المشروع، معتبرًا أنه "يتضمن ضمانات قانونية كفيلة بضبط إجراء سحب الجنسية وتحديد الحالات المؤدية إليه بدقة"، موضحًا أن النص يشترط "توفر أدلة وقرائن ثابتة"، إضافة إلى "إنشاء لجنة متخصصة تُكلّف بدراسة هذه الحالات دون حكم مسبق".
خلفيات مشروع قانون سحب الجنسية:
بالرغم من أنّ مشروع هذا القانون لم يصدر عن الحكومة الجزائرية، وأثار تحفّظات علنية من بعض أعضائها، إلا أنّ توقيت طرحه لا يمكن فصله، بحسب معارضين، عن قضايا راهنة وظرفية تُشكّل خلفيات مباشرة له، على غرار قضيتي بوعلام صنصال وفرحات مهني.
وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي الجزائري السابق عبد العزيز رحابي أنّ مشروع القانون المقترح "لا ينسجم مع الضمانات الدستورية التي يكفلها النظام القانوني الجزائري للمواطنين"، معتبرًا أن القضايا الوطنية الأساسية يجب أن "تنبع من معالجة هادئة ومسؤولة"، لا من "إرادة انتقامية أو إقصائية".
وأضاف رحابي أنّ منح مثل هذه المبادرات، التي وصفها بغير المدروسة، اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا مفرطًا "من شأنه أن يخدم أطرافًا خارجية معادية للجزائر"، ولا سيما في ظل توتر العلاقات الجزائرية–الفرنسية. كما لفت إلى أنّ "الآباء المؤسسين للدولة الجزائرية الحديثة لم يلجؤوا إلى عقوبة التجريد من الجنسية، حتى بحق عشرات الآلاف من الحركيين، رغم ما واجهوه من خيانات جسيمة خلال فترة الاستعمار".
يؤكد عبد العزيز رحابي أن مشروع تعديل قانون الجنسية "يتناقض بشكل صارخ مع الأحكام القانونية الدولية المتعلقة بتجريد المواطن من جنسيته الأصلية"، وهي مسألة تُصنّف عالميًا ضمن الحقوق الطبيعية التي لا يجوز المساس بها إلا في حالات استثنائية ومحددة بدقة.
جدل قانوني واجتماعي
أثار المقترح جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي بين رافضين ومؤيدين؛ إذ اعتبره معارضوه "وسيلة بيد سلطة ديكتاتورية لقمع معارضيها"، في حين رأى مؤيدوه أنه "أداة ضرورية لتأديب الخونة والمتلونين الذين يضرون بمصالح البلاد".
وفي هذا الإطار، كتب أحد المدوّنين على موقع فيسبوك: "هل سيتم سحب الجنسية من الذين سنّوا وصادقوا على قانون المناجم الذي يمنح 80 % للمستثمر الأجنبي و20 % للدولة الجزائرية؟ ألا يُعدّ هذا القانون من الممارسات الضارة بمصالح الدولة والجالبة للاستعمار الجديد؟ أم أن سحب الجنسية موجّه أساسًا لإسكات الأصوات المعارضة وتوسيع رقعة التعسف والاستبداد؟".
وكتب مدوّن آخر: "قانون استبدادي جديد لغلق الأفواه وتقويض الحريات وترهيب المواطنين. لا يحق لأي سلطة أن تنزع من المواطن جنسيته".
في المقابل، اعتبر مدوّن ثالث أنّ "التجريد من الجنسية قد يُشكّل هدية من ذهب للمعنيين، إذ يتيح لهم تسوية أوضاعهم القانونية والإدارية في البلدان التي يقيمون فيها، باعتبارهم عديمي الجنسية، وفقًا لاتفاقية 1954 بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية".
في المقابل، كتب حساب باسم "كوكب الجزائر": "مع سحب الجنسية وتغيير القانون، بما في ذلك إلغاء المادتين 9 و10، لحفظ الأمن القومي الجزائري"، فيما قدّم آخرون "التحية" لوزير العدل لطفي بوجمعة، واصفين الخطوة بأنها "كانت منتظرة بفارغ الصبر من الشعب الجزائري".