احتجاجات لبنان والوعي المتجاوز لخطاب مجموعة الحكم

احتجاجات لبنان والوعي المتجاوز لخطاب مجموعة الحكم

من احتجاجات لبنان (أ.ب)

يجتاح الغضب شوارع لبنان على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة، والفشل في التعامل معها من قبل المجموعة الحاكمة. وقد شهد لبنان مشاركة غير مسبوقة لشرائح اجتماعية جديدة في المظاهرات، وفي طليعتها الطبقة الفقيرة التي كانت بالأمس في غالبيتها مؤيدة لإحدى رموز السلطة.

الشرط المبدئي للمتظاهر، أن ينسى طائفته، لأن أصل الصراع هو صراع طبقي ضد فئة تحتكر 99% من مقدرات البلاد

وعي جديد؟

يسارع البعض إلى توصيف المتظاهرين بأسوأ الأوصاف، منها على سبيل المثال: المخربون والزقاقية والمندسون، وغيرها من الأوصاف التي تهدف إلى إحباط الهمم، متناسين بأن الغضب هو رد فعل.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان ينتفض.. الشعب أراد الحياة

إن الشرط المبدئي للمتظاهر، أن ينسى طائفته، لأن أصل الصراع هو صراع طبقي ضد فئة تحتكر 99% من مقدرات البلاد، ولا تترك سوى الفتات للفقراء والمهمشين.

هذا الصراع الطبقي الذي وصل في لبنان عام 2019 إلى أوجه، أنتج احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر، ضد الزمرة الحاكمة التي تحاول التغطية على الصراع الطبقي بإحلال الغريزة الطائفية في نفوس الشعب.

فكيف يمكن الطلب من الغاضبين أن يحملوا الورود وهم غاضبون؟! الغضب هو دافع الاحتجاج، وهو رد فعل على تراكمات طويلة وعميقة، دفعت بهذه الجموع التي تعبر عن الاضطهاد العام، للخروج احتجاجًا، بعد أن حددوا هوية جامعة: المضطهدين.

إذًا، فنحن أمام تحويل الثورة من صيغتها النظرية كما طرحها جان بول سارتر، إلى وضعها موضع التطبيق: الثوري هو بالضرورة مضطهد، وعليه أن يعي أنه مضطهد، وعليه أن يحدد هوية من يضطهده، وعليه ألا يشارك المضطهد في الامتيازات التي يقدمها له ليقوم باضطهاده بعدها، وشل قدرته على الرفض.

والثورة الحقيقية هي التي تحدث تغييرًا في بنيان السلطة والنظام الحاكم، والمطالبة هنا تتمثل في إنهاء نظام المحاصصة المفروض على الشعب من قبل الجماعة الحاكمة، لذا لابد أن يوجه الغضب الاحتجاجي ضد ما تمثله الجماعة الحاكمة على مستوى النظام الطائفي وما تسمى بـ"كتلة المصارف" التي قال رئيس اتحادها يومًا: "نحن نطاع ولا نطيع".

أعتقد أن ما يحدث في لبنان يمثل وعيًا غير مسبوق منذ عام 1992، لجهة الكم والكيف، أي من حيث نوعية الهتافات والشعارات التي تمثل الخطاب، ومن حيث أعداد المتظاهرين على مساحة الوطن.

شعارات جديدة

نزع اللبنانيون عن قلوبهم التاريخ العاطفي تجاه زعمائهم، وصدحت حناجر الطبقات الأفقر لأول مرة: "كلن يعني كلن" (كلهم يعني كلهم)، وبدا واضحًا للبنانيين أن الغضب المجاوز للعاطفة الطائفية أو السياسية هو الدافع الأكثر موضوعية للاحتجاج ضد الاضطهاد، وأن التقديس لـ"الزعماء" يخلق حاجزًا أمام المطالبة بالحقوق فضلًا عن تحصيلها.

وتخطى المتظاهرون حواجز الخوف لأول مرة وصدحوا بشعار "كلن يعني كلن" في أغلب المناطق اللبنانية، التي تتشكل من لون طائفي وسياسي واحد، كما حدث في النبطية وصور وبنت جبيل، حيث اقتحموا مكاتب نواب الثنائي الشيعي أمل وحزب الله: محمد رعد وهاني قبيسي وياسين جابر، على الترتيب.

وتعرض المتظاهرون للضرب والسحل وإطلاق النيران بسبب هتافاتهم في وجه نبيه بري وزوجته رندة بري، وطالت الصيحات في بعض الأحيان حزب الله وأمينه العام، في سابقة نوعية. وقد سمى المتظاهرون جميع الرموز الحاكمة في صيحاتهم وهتافاتهم، ونتيجة لذلك نالوا حصتهم من التخويف والترهيب والعنف.

بدت السلطة عاجزة عن احتواء الاحتجاجات، ومصدومة كيف أن الشارع فلت من يدها! فخرج الزعماء الطائفيون للتهويل عليهم بالحرب الأهلية والإيهام بالدخول إلى نفق مجهول، كما عرض كل من جبران باسيل وسعد الحريري وحسن نصرالله في خطاباتهم.

وتبين للبنانيين أن الطبقة الحاكمة موحدة، وقد قالها نصرالله في خطابه: "عهد ميشال عون لن يسقط"، ولذلك يمكن القول إن حزب الله هو "حامي الحمى" والعامود الفقري لهذا النظام الطائفي.

بدا واضحًا للبنانيين أن الغضب المتجاوز للعاطفة الطائفية أو السياسية هو الدافع الأكثر موضوعية للاحتجاج ضد الاضطهاد

هدد نصرالله المتظاهرين بأن نزول حزب الله إلى الشارع لن يكون سلميًا كما هو حال المظاهرة الحالية، والنموذج المصغر لهذا الخطاب تجلى في نزول شباب حركة أمل مدججين بالسلاح إلى الطرقات، لمنع المتظاهرين من ممارسة حقهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النكتة السياسية في لبنان.. هامش الغضب

قدرة اللبنانيين الشرائية.. سبات اقتصادي عميق!