احتجاجات في الساحل السوري: مطالب سياسية وتوترات أمنية متفرقة
29 ديسمبر 2025
شهدت مدن ومناطق في الساحل السوري، بعد ظهر أمس، مظاهرات جاءت على خلفية التفجير الذي استهدف جامع الإمام علي في حي وادي الذهب بريف حمص أثناء صلاة الجمعة في 26 من الشهر الجاري، والذي أسفر عن مقتل 8 أشخاص من أبناء الطائفة العلوية وإصابة نحو 20 آخرين.
المظاهرات حملت طابعًا احتجاجيًا وسياسيًا، وترافقت مع توترات أمنية متفرقة، خصوصًا في مدينة اللاذقية، وسط روايات متباينة حول المسؤولية عن سقوط الضحايا.
دعوة للتظاهر ومطالب سياسية متداخلة
خرجت المظاهرات بدعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الشيخ غزال غزال، ردًا على التفجير الذي استهدف الجامع. ولم تقتصر الدعوة على الاحتجاج على التفجير، بل شملت مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، واعتماد الفيدرالية واللامركزية السياسية، وهي مطالب رددها المتظاهرون في شعاراتهم خلال الاحتجاجات.
وقبيل انطلاق المظاهرات بساعات، كُتبت عبارات طائفية على أحد الجدران في الساحل السوري تضمنت تأييدًا لرئيس النظام السابق بشار الأسد. وخلال المظاهرات، ظهر شخص ينتمي إلى فصيل مسلح يُدعى "سرايا الجواد – رجال النور". وردًا على ذلك، أقدم متظاهرون على حرق صور لبشار الأسد، وهي خطوة تبناها المجلس العلوي ونشرها عبر معرفاته الرسمية، مؤكدًا رفضه أي ارتباط أو تأييد للنظام السابق.
المظاهرات حملت طابعًا احتجاجيًا وسياسيًا، وترافقت مع توترات أمنية متفرقة، خصوصًا في مدينة اللاذقية، وسط روايات متباينة حول المسؤولية عن سقوط الضحايا
تضييق أمني واشتباكات في اللاذقية
سُجّل تضييق على المتظاهرين في بعض المناطق، تمثّل بإقامة حواجز ومنع مشاركين من الوصول إلى أماكن التظاهر، في حين تولّت قوى الأمن الداخلي حماية المظاهرات في مناطق أخرى. غير أن الأوضاع توترت في مدينة اللاذقية، حيث أُطلق الرصاص في أحد أماكن تجمع المتظاهرين، وتحديدًا عند دوار الأزهري.
وبحسب المعطيات الأولية، لم تُعرف الجهة التي أطلقت النار في البداية، قبل أن يتطور الوضع إلى اشتباك بين قوى الأمن الداخلي وطرف آخر. وقالت وزارة الداخلية إن الاشتباك وقع مع "أشخاص من فلول النظام السابق". من جهتها، أفادت وزارة الصحة في محافظة اللاذقية بوقوع 4 وفيات، أحدهم من عناصر قوى الأمن، إضافة إلى 108 إصابات في صفوف المدنيين، بينهم عناصر أمن، جراء اعتداء نفذته مجموعات من فلول النظام البائد بحسب وزارة الصحة.
في المقابل، قالت مصادر محلية إن قوات الأمن الداخلي أطلقت النار أيضًا على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، أن بعض عناصر قوى الأمن تعرضوا للاعتداء من "عناصر إرهابية تابعة لفلول النظام البائد" في مدينتي اللاذقية وجبلة، ما أدى إلى إصابة عدد من العناصر وتكسير سيارات تابعة للمهام الخاصة والشرطة.
ضحايا واعتقالات وتحركات سياسية موازية
بحسب ما علم موقع "الترا صوت"، فإن من بين من قُتلوا خلال المظاهرات الشاب حيدر معلا (17 عامًا)، ونور النقي (18 عامًا)، إضافة إلى الشاب زين العابدين عزام حسين الذي توفي صباح اليوم متأثرًا بجراحه.
وأفادت مصادر محلية بحدوث حملات اعتقال واسعة طالت متظاهرين في اللاذقية وطرطوس وحماة، وبشكل خاص في حمص. ومن بين المعتقلين رئيس المجلس العلوي في طرطوس، الشيخ علي محمد هلهل، على خلفية دعمه للتظاهر، عقب نشره تسجيلًا مصورًا دعا فيه إلى الاحتجاج مساء أمس. ويُعد هلهل من الشخصيات العلوية المؤثرة في المنطقة.
وفي بعض مناطق التظاهر التي تضم سكانًا من مكونات مختلفة، خرجت مسيرات مؤيدة للسلطة ومضادة للمظاهرات، ما أدى إلى اشتباكات بالأيدي واستخدام أسلحة بيضاء بين الطرفين، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي لفض الاشتباكات.
في المقابل، لم تشهد القرى الساحلية التي يقطنها المكوّن العلوي فقط أي أعمال عنف، إذ بدأت المظاهرات فيها وانتهت دون تسجيل إصابات أو قتلى.
وعقب التظاهرات، قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لوكالة "سانا" إن "مجموعات من الجيش العربي السوري، مدعومة بآليات مصفحة ومدرعات، دخلت مراكز مدينتي اللاذقية وطرطوس بعد تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة عن القانون باتجاه الأهالي وقوى الأمن".
تحركات عسكرية واجتماعات سياسية
في موازاة التطورات الميدانية، علم موقع "الترا صوت" أن إدارة الشؤون السياسية في اللاذقية وطرطوس عقدت اجتماعات مع عدد من وجهاء الطائفة العلوية أثناء المظاهرات وما بعدها، للاستماع إلى مطالبهم. وأكد الوجهاء أن هذه المطالب سبق عرضها في أكثر من مناسبة، من بينها لقاء جمعهم بالرئيس أحمد الشرع في 13 كانون الأول/ديسمبرالماضي. وبحسب ما نُقل عن المجتمعين، فقد تعهّد المسؤولون بإعادة رفع هذه المطالب إلى رئاسة المرحلة الانتقالية، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الأمنية والاجتماعية في الساحل السوري مرشحة لمزيد من التوتر.
احتجاجات الساحل السوري تختبر مسار الاستقرار
تعكس التطورات التي رافقت احتجاجات الساحل السوري حالة توتر مركّبة، تجمع بين الغضب الشعبي على خلفية حدث أمني دموي، وتداخل مطالب سياسية، في سياق انتقالي هش ما تزال فيه العلاقة بين بعض الطوائف والسلطات الأمنية والسياسية قيد الاختبار. وبين روايات رسمية تتحدث عن اعتداءات من "فلول النظام السابق"، وأخرى محلية تشير إلى استخدام القوة ضد متظاهرين، تبقى الصورة غير مكتملة، في انتظار نتائج تحقيقات واضحة وشفافة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قدرة السلطات على احتواء الاحتقان، والاستجابة لمطالب المكوّنات المختلفة دون انزلاق نحو مزيد من العنف، عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الاستقرار في الساحل السوري خلال المرحلة المقبلة.