احتجاجات "جيل زد" في المغرب.. تصاعد في مستوى العنف وسقوط أول قتيلين
2 أكتوبر 2025
تواصلت لليوم الخامس على التوالي في المغرب الاحتجاجات الشبابية التي تقودها حركة "جيل زد212"، مطالبة بإصلاحات في قطاعات التعليم والرعاية الصحية، ومنددة بانتشار الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وفي تطور خطير، أعلنت السلطات المحلية في أكادير عن مقتل شخصين وإصابة آخرين في مدينة القليعة، إثر استخدام قوات الأمن النيران الحية مساء الأربعاء ضد متظاهرين، قالت الرواية الرسمية إنهم حاولوا "اقتحام مقر تابع للدرك الملكي".
ووصفت وكالة "رويترز" الحادثة بأنها تمثل "تحولًا داميا في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، التي انطلقت في البداية للمطالبة بإصلاحات في مجال العدالة الاجتماعية".
وامتدت رقعة الاحتجاجات، التي اندلعت شرارتها يوم السبت الماضي، إلى عدة مدن من بينها الدار البيضاء وفاس وطنجة وتطوان ووجدة والقليعة.
أعلنت حركة "جيل زد 212" تمسّكها بالسلمية وبمطالبها المتعقلة بالتعليم والرعاية الصحية وانتشار الفساد
وشددت حركة "جيل زد212"، التي تقود الاحتجاجات، في دعوتها للتظاهر الأربعاء، على "المحافظة على السلمية"، مؤكدة أنها "لا تحمل أي نزاع مع قوات الأمن، بل مع الحكومة فقط"، ومجددة مطالبها الأساسية وعلى رأسها: "تعليم يليق بالإنسان وبدون تفاوتات"، و"صحة لكل مواطن بدون استثناء".
وكانت احتجاجات الثلاثاء قد شهدت اضطرابات واسعة، حيث أظهرت صور بثتها وسائل إعلام كبرى قوات الأمن وهي "تحاصر المتظاهرين وتقتادهم بالقوة إلى حافلات صغيرة". وأعلنت وزارة الداخلية في المقابل عن إصابة 263 عنصرًا من قواتها و23 مدنيًا خلال المواجهات.
وبحسب بيانات الوزارة، فقد احتجزت الشرطة 409 أشخاص منذ انطلاق الاحتجاجات يوم السبت، من بينهم 193 شخصًا من المقرر أن يمثلوا أمام المحاكمة، بينما أُفرج عن معظمهم بكفالة. وتوجه النيابة العامة للموقوفين تهمًا تشمل "الحرق العمد والنهب ومهاجمة قوات الأمن".
وسمحت السلطات المغربية للمرة الأولى لناشطي الحركة بتنظيم تجمع الأربعاء، بعد "أعمال عنف وصدامات" شهدتها بعض المدن، بينما كانت قد تعاملت في البداية مع الاحتجاجات بالمنع بدعوى أنها "غير مرخصة". لكن وزارة الداخلية أكدت في بيان جديد أنها "تضمن الحق في التظاهر السلمي ضمن الحدود القانونية"، متعهدة في الوقت نفسه بالتصدي "بتحفظ وضبط للنفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات".
ويعتمد المتظاهرون على منصات مثل ديسكورد وتيك توك وإنستغرام في تنسيق تحركاتهم وحشد الدعم، وسط غموض يكتنف هوية القائمين على الحركة.
وتُشبه هذه التحركات موجات احتجاجية شبابية شهدتها دول في آسيا وأميركا اللاتينية ضد الفساد وتردي الأوضاع الاجتماعية، إذ يرى مراقبون أن حركة "جيل زد212" استلهمت جزءًا من زخمها من تلك التجارب في النيبال والفلبين وإندونيسيا.
وفي مؤشر على سرعة انتشار الحركة، رصدت "رويترز" ارتفاع عدد أعضاء خادم "ديسكورد" التابع لها من نحو 3 آلاف الأسبوع الماضي إلى أكثر من 130 ألفًا حاليًا.
استخدام العنف والقوة المميتة
قالت السلطات في مدينة القليعة إن القوات الأمنية لجأت إلى استخدام الرصاص الحي "دفاعًا عن النفس"، بعد فشلها في منع مجموعة من الأشخاص من اقتحام مقر للدرك الملكي باستخدام الغاز المسيل للدموع. وادّعت أن المقتحمين كانوا "مسلحين بسكاكين بيضاء"، وأشعلوا النار في جزء من المركز وإحدى مركباته، مما اضطر القوات ـ حسب الرواية الرسمية ـ إلى استخدام الأسلحة النارية. ولم تفصح السلطات عن عدد القتلى أو الجرحى جراء استخدام القوة المميتة.
ونقلت وكالة "رويترز" عن شهود عيان أن أعمال العنف امتدت إلى مدينة سلا قرب العاصمة الرباط، حيث رشق شبان في الأحياء المكتظة الشرطة بالحجارة، فيما تعرّضت محلات تجارية للنهب، وأُضرمت النار في بنوك، وأُحرقت سيارات للشرطة.
وفي طنجة، اندلعت مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين الشباب، استخدمت فيها العصي والحجارة، دون ورود معلومات دقيقة عن حجم الإصابات.
أما منطقة سوس قرب أكادير، فقد شهدت لليلة الثانية على التوالي اضطرابات حادة، أسفرت عن حرق مبنى بلدي وإغلاق طريق رئيسي.
وقال عبد السلام الشكري، وهو ناشط محلي في المجتمع المدني، لرويترز: "كنت في المقهى أشاهد مباراة باريس سان جيرمان وريال مدريد عندما بدأ الشبان برشق المحلات التجارية بالحجارة. شاهدنا المباراة ونحن لا نزال داخل المقهى المغلق".
وامتدت الاضطرابات أيضًا إلى مدينة مراكش، عاصمة السياحة المغربية، حيث أفادت مواقع محلية بينها "لو ديسك" بوقوع اشتباكات عنيفة أحرق خلالها مركز للشرطة.
ولم تسلم مدينة تارودانت، الهادئة عادة شرقي أكادير، من موجة الأحداث، إذ شهدت هي الأخرى اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن، تعرّضت خلالها متاجر لهجمات، كما أُحرقت سيارات عدة.
وكانت أكادير قد شكّلت بؤرة لاحتجاجات غاضبة على خلفية "سوء أوضاع المستشفيات"، قبل أن تنتقل شرارة الغضب إلى مدن أخرى مجاورة.
مظاهرات أخرى سلمية
على النقيض من أعمال العنف والمواجهات التي اتسمت بها المظاهرات في أكادير وما جاورها، اتسمت المظاهرات التي شهدتها مدن الدار البيضاء ووجدة وتازة، شرقي البلاد، بالسلمية وخلوّها من أي اضطرابات.
وقد دعا المتظاهرون في تلك المدن رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش إلى الاستقالة، مردّدين شعارات أبرزها: "الشعب يريد القضاء على الفساد".
وبحسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، يعاني نحو 13% من المغاربة من البطالة، فيما ترتفع النسبة بين الشباب إلى حوالي 36%، وبين خريجي الجامعات إلى 19%.
ويُذكر أن هذه الموجة من الاحتجاجات ليست الأولى من نوعها خلال العقد الأخير، إذ سبق أن شهد المغرب احتجاجات سلمية واسعة في منطقة الريف خلال عامي 2016 و2017.





