احتجاب نوبل للأدب..  المتحرش جون كلود أرنو في الزنزانة

احتجاب نوبل للأدب.. المتحرش جون كلود أرنو في الزنزانة

في مفارقة نادرة، حجب نوبل للأدب بسبب سوء الأدب (جوناثان ناكستراند/ أ.ف.ب)

كأنه فصل من رواية مشحونة بخيبات الأمل، هكذا جرت وقائع جائزة نوبل للأدب هذا العام 2018، إذ إنه لأول مرة في التاريخ يتم تغيبها نتيجةً لفضيحة جنسية مدوية، لاحقت زوج أحد أعضاء الأكاديمية السويدية. وتفاقمت المأساة بشدة مع ارتفاع صوت حملة "#MeToo" المناهضة للتحرش، ما تسبب مؤقتًا، وفي مفارقة نادرة، في حجب نول للأدب بسبب سوء الأدب.

في مفارقة نادرة، حُجبت مؤقتًا جائزة نوبل للأدب بسبب سوء الأدب أو فضيحة التحرش الجنسي المتهم فيها زوج عضوة في الأكاديمية السويدية

يحين هذه الأيام الموعد السنوي للإعلان عن الجائزة الرفيعة، والتي هي غاية تطلع المشتغلين في مجال الكتابة الأدبية، لا سيّما وأن صاحبها ألفريد نوبل حرص في وصيته على وضع أهم معيار أدبي، يضمن به تتويج أعمال بالغة الرّوعة، ذات نزعةٍ مثاليّة، أو كما تمنى.

حفل تحرش جماعي

تعود جذور الأزمة قبل أشهر، حين اتهمت 18 سيدة، المصور الفرنسي، جان كلود أرنو، بالتحرش والاعتداء الجنسي بهن. ومع ذلك صوتت الأكاديمية ضد اقتراح إلغاء عضوية زوجته فيها، وهي الشاعرة والكاتبة كاترينا فروستينسون. 

اقرأ/ي أيضًا: "حمى" التحرش تضرب في الأكاديمية السويدية.. نوبل للأدب عرضة للتأجيل

وأشعل هذا القرار موجة انتقاد لأعضاء الأكاديمية، باتهامهم عدم أخذ قضايا التحرش بالحساسية المطلوبة، إلى جانب اتهامات سابقة بتعارض المصالح، وتسرب أسماء الفائزين، كلها أنكرها أرنو، ومع ذلك أدت تلك الفضائح إلى انقسامات حادة بين الأعضاء، تلتها عدة استقالات من بينها زوجة جان كلود، واستقالة رئيسة الأكاديمية، بروفيسور سارا دانيوس، حتى أنه لم يبق في اللجنة سوى 11 عضوًا. ولا تمنح قوانين الأكاديمية حق الاستقالة لأعضائها، أو تعين بديلًا لهم، ما يعني عمليًا تجميد نشاطهم إلى حين.

نشرت صحف سويدية محلية، شهادات عن تعرض ولية العهد الأميرة فيكتوريا للتحرش من قبل جان كلود أرنو
نشرت صحف سويدية محلية، شهادات عن تعرض ولية العهد الأميرة فيكتوريا للتحرش من قبل جان كلود أرنو

المصور الفرنسي جون كلود أرنو، البالغ من العمر 71 عامًا، خطف الأضواء بعيدًا عن دائرة الحدث الأهم الذي يترقبه العالم سنويًا، في هذا التوقيت، أي بعد الإعلان عن الفائزين تباعًا في مجالات الجائزة: الطب والفيزياء والكيمياء والسلام، ومن ثم العرس الثقافي العالمي، المُغيب قسريًا عن حفل هذا العام، بسبب نزق جون كلود، والمغامرة بسمعة الجائزة، أو بتعبير بيتر إنغلوند أحد أعضاء الأكاديمية المستقيلين: "إن صدعًا قد نما في الجسد، يفوق التحقيق والتدابير التي اتخذها السكرتير الدائم للأكاديمية في القضية".

جائزتين في 2019

الفضيحة التي التمعت خيوطها للمرة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، لم يكن مقدرًا أن تحجب نوبل للأدب بالمرة، وإنما تم تأجيلها للعام المقبل، وفقًا لقوانين الأكاديمية، حيث ستمنح جائزة هذه العام بأثر رجعي في 2019.

ولربما كان أكثر ما أزعج الحكومة السويدية ما نشرته الصحف المحلية من شهادات أخرى بتعرض وريثة عرش السويد نفسها، الأميرة فيكتوريا، للتحرش جنسي من قبل المصور الفرنسي، عندما حاول لمس مؤخرتها أثناء حفل الأكاديمية عام 2006، ما دفع أحد المسؤولين لاتخاذ تدابير تمنع تواجد المصور الفرنسي مع وريثة عرش السويد منفردين أبدًا.

ويأتي حجب الجائزة هذا العام على وقع الفضيحة الجنسية الداوية، ليصبح بمثابة الحجب الثامن لها منذ مطلع القرن الماضي، أغلبها بسبب الحروب العالمية، وعدم توفر أعمال ترقى للفوز. وفي مثل هذه الأوضاع كما حدث من قبل، لا تُمنح الجائزة لأحد، فيما يتم التحفظ على القيمة المادية والتي تبلغ أكثر من مليون دولار كأموال مقيدة.

سمعة الأكاديمية السويدية 

المصور الفرنسي ظل يستميت في النفي، مؤكدًا لعدة صحف غربية براءته من التهم الموجهة إليه، وهو ما ظل يردده أيضًا محاميه بيورن هورتيغ، قائلًا: "موكلي ينفى هذه المزاعم برمتها"، إلا أن ذلك لم يمنع الأكاديمية من إجراء تحقيقات داخلية وإنهاء علاقته بها. 

وجاءت رسالة إسبمارك، أحد الأعضاء المستقيلين، لتصوب الأنظار نحو حجم الكارثة التي أجلتها الفضيحة وحاول البعض التغطية عليها: "إن النزاهة هي شريان الحياة للأكاديمية السويدية. عندما تضع الأصوات الرائدة الصداقة وغيرها من الاعتبارات غير ذات الصلة قبل هذه النزاهة، لا يمكنني المشاركة في العمل".

وكما ذكرنا، ليست هذه المرة الأولى التي تحجب فيها نوبل للأدب، فقد حُجبت بالفعل قبل ذلك، مثلما حدث عام 1936، ومنحت في العام التالي للكاتب المسرحي الأمريكي يوجين أونيل. ويبدو أنه كان على الأكاديمية السويدية حجب الجائزة هذا العام، وإلا وضعت نفسها في موقف شديد الحرج فوق حرجها، مع حملات مناهضة التحرش، لأن الاحتفاء بأي كاتب في ظل هذه الظروف، كفيل بتأليب الراي العام ضده، وسيرسل إشارة سلبية بتأييده للعنف ضد المرأة.

حبس المصور الفرنسي

يذكر أن محكمة سويدية، وبالتزامن مع احتفالات جوائز نوبل لهذا العام، قد أدانت بالفعل جان كلود أرنو، الذي كان محور الأزمة داخل الأكاديمية، في قضية اغتصاب، وقضت بحبسه لعامين. وواجه أرنو منتصف هذا الأسبوع اتهامين بالاغتصاب في ستوكهولم، وبرأته المحكمة من واحد منهما. 

أدين جام كلود أرنو في قضية اغتصاب وحكم عليه بالحبس لعامين
أدين جام كلود أرنو في قضية اغتصاب وحكم عليه بالحبس لعامين

وأدين أرنو بتهمتين تتعلقان باغتصاب كريستينا فويغت، تعودان إلى عام 2011، وقالت محكمة مقاطعة ستوكهولم، في أثناء إعلانها عن حكمها، إنّ "المدّعى عليه مذنب بجريمة اغتصاب ارتكبت خلال الليل بين الخامس والسادس من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2011"، مضيفةً أنّ الضحية "مُنحت تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها".

حكم على المصور الفرنسي جان كلود أرنو، محور أزمة نوبل للأدب هذا العام، بالحبس عامين في قضية اغتصاب

وأكدت المحكمة على أنّ الحكم جاء بـ"الإجماع"، بينما نفى أرنو الاتهامات التي هزت الأكاديمية المرموقة، وأجبرت سبعة من أعضائها إما على المغادرة، أو الانسحاب، منذ نيسان/أبريل الماضي.

ومن تداعيات حجب نوبل للأدب هذا العام، إعلان 100 كاتب وفنان سويدي عن تشكيل أكاديمة بديلة، لتقوم بمهمة تسليم الجائزة في مواعيدها، ولكن يبدو أن عقبات عملية حالت دون ذلك. 

وورد في بيان عن الشخصيات التي أسست الأكاديمية البديلة: "لقد أنشأنا الأكاديمية لنذكر الناس بأنه على الأدب والثقافة عمومًا، مسؤولية تعزيز الديمقراطية والشفافية والتفاهم والاحترام، دون امتيازات ولا تحيز ولا تكبّر ولا تمييز جنسي".

ووجهت الأكاديمية الجديدة دعوة لكافة المعنيين في قطاع الكتب والنشر لترشيح المؤلفين للجائزة، إلا أن الاستجابة كانت ضعيفة، وقد اعتذر الروائي الياباني، هاروكي موراكامي عن ترشيحه لنوبل البديلة في الأدب، ما يعني أن الأضواء عن قد تنحسر قليلًا عن نوبل الحقيقية لكنها لا تنطفئ بالمرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مقترح لجائزة بديلة لنوبل للآداب يجد أصداء واسعة في السويد

انسحاب هاروكي موراكامي من جائزة نوبل البديلة.. دعوني أكتب