اجتياح تركيا لشمال سوريا بمعايير العلاقات الدولية

اجتياح تركيا لشمال سوريا بمعايير العلاقات الدولية

قوات أمريكية تركية مشتركة في سوريا (أ.ف.ب)

لا يزيد المشهد السياسي الذي فرضه الاجتياح التركي للشمال السوري سوى مزيد من الكوميديا السوداء، ففي غمرة تصاعد التهديدات التركية للقيام بهذا العمل العسكري الذي تقول تركيا إنه يستهدف محاربة ما تسميها "الجماعات الإرهابية"، وفي ذات الوقت التأسيس لـ"منطقة آمنة"؛ أقدم ترامب على الإعلان عن سحب قواته المتواجدة على طول الحدود السورية التركية.

لا يزيد المشهد السياسي الذي فرضه الاجتياح التركي للشمال السوري سوى مزيدًا من الكوميديا السوداء

وصرح ترامب في ذات الوقت عن سأمه من المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأمريكيون في منطقة الشرق الأوسط، وبأن الإجراء لا يعدو أن يكون تنفيذًا لنية سبق وأن صرح بها الجانب الأمريكي منذ بداية العام الحالي، وفي ذات الوقت مسلمًا الجانب التركي عهدة كانت بيده وبيد الحليف الكردي ألا وهي "معتقلي داعش".

اقرأ/ي أيضًا: موسكو وواشنطن ترفضان إدانة عملية "نبع السلام" التركية والأسد يتهم قسد بالخيانة

يثير الموضوع التساؤلات، خاصةً إذا أخذنا بالاعتبار تلك التحذيرات التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تحمل صيغة التهديد لمرات عديدة، كان آخرها تغريدة على تويتر، يوم الإثنين الماضي، أبدت فيها خشيتها من أن يسمح هذا الهجوم لخلايا تنظيم داعش بتحرير مقاتليه المعتقلين وأفراد عائلاتهم المحتجزين، وهو ما "سيشكل تهديدًا للأمن المحلي والدولي". 

وترافق ذلك مع تصريحات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ضرورة تحمل الدول الأوروبية مسؤوليتها تجاه مواطنيها المنتسبين إلى داعش، الذين يشغلون معتقلات تضم، حسب أغلب التقارير، ما يزيد عن 10 آلاف من المقاتلين، يضاف إليهم عدد يزيد وينقص من النساء والأطفال بحسب شدة التوترات التي تعصف بالمنطقة.

وفي هذا السياق حذرت سلطات الدول الأوروبية من خشيتها حول قدرة أو حرص قوات سوريا الديمقراطية على الاستمرار بحجز الجهاديين الأجانب، في نفس الوقت الذي يعلن فيه البيت الأبيض، أن تركيا ستكون "مسؤولة" الآن عن مصيرهم. إذًا فالمجهول الرئيسي هو مصير الآلاف من مقاتلي داعش المحتجزين، الذين يمكنهم اغتنام الفرصة للفرار.

في الحقيقة، لا يبدو أن ترك الجانب الأمريكي لقضية معتقلي داعش عرضة للتجذابات السياسية والاحتمالات المفتوحة، يمثل مفاجاةً بالنسبة لأحد، خاصة وأن الاستثمار السياسي والابتزاز الدولي المتبادل من خلال تلك الفزاعة التي تسمى داعش، قد أصبح طقسًا دبلوماسيًا أصيلًا، مارسته جميع القوى الفاعلة على امتداد الخارطة السورية، من النظام السوري حتى الجانب الأمريكي، مرورًا بلا شك بالروس والإيرانيين والأوروبيين.

ماذا يعني مدى العمليات التركية في العمق السوري؟

بعد مفاوضات أمريكية تركية حول المنطقة التي ينوي الجيش التركي التوغل فيها كان الجانب الأمريكي، يُصر على أن عمق المنطقة لا يجب أن يتجاوز خمسة كيلومترات، بينما يصر الجانب التركي على أن عمق المنطقة التي ينوي التوغل بها سيتراوح ما بين 30 إلى 40 كيلومترًا.

ولعل الخريطتين التاليتين تستطيعان توضيح السبب الذي يدفع الجانب التركي للإصرار على هذه المسافة:

كما يظهر من خلال مناطق تشكل كيانات كردية في كل من العراق وسوريا، يسعى الجانب التركي إلى قطع الاتصال ما بين هذه المناطق، كهدف إستراتيجي للتوغل، ليصبح الكلام عن "المنطقة الآمنة" مجرد ميزة إضافية ينوي الجانب التركي تقديمها كإغراء، سواءً للجانب الأوروبي الذي أعرب في مناسبات عدة عن خشيته من موجة نزوح جديدة شبيهة بتلك التي حدثت في عام 2015. 

وفي الوقت نفسه، يحصل الجانب التركي على منطقته العازلة التي تتيح له الطمأنينة، بحيث أنه سوف يستطيع وضع كتلة من السوريين، والبالغ عددهم وفق المصادر التركية مليوني شخص، ممن ينوي النظام التركي إعادة توطينهم في هذه المنطقة، مدعومين بقوة عسكرية مؤلفة من 100 ألف مقاتل، نتجوا عن عملية إدماج تمت في الفترة الأخيرة، وتحت الرعاية التركية، ما بين مجموعة من الفصائل العسكرية، تحت مسمى "الجيش الوطني السوري".

ردود أفعال ونتائج دولية

إن التدخل العسكري التركي في شمال سوريا، والذي بدأ يوم الأربعاء الماضي التاسع من تشرين الأول/أكتوبر، يمثل كارثة لمصالح الغربيين، وهدية لخصومهم وأعدائهم الرئيسيين في المنطقة أي داعش ونظام بشار الأسد وروسيا وإيران. 

ومن خلال هذه العملية التي سُمّيت بـ"نبع السلام" بلا خجل، يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشكل أساسي إلى ضمان بقائه السياسي في ظل الأزمات السياسية التي تعصف بحزبه وشعبيته في الآونة الأخيرة. والأكثر إثارة للاستغراب هو أنه شرع في المغامرة مع الضوء الأخضر السابق الذي قدمه الرئيس دونالد ترامب يوم الأحد الماضي.

وعلى وقع هذا الحدث، تداعت مجموعة من الدول الأعضاء في ما بات من الأجدى تسميته "مجلس الفيتو الدولي"، لعقد قمة سريعة ومغلقة حول الشأن السوري، كما قامت كل من مصر والسعودية بالدعوة إلى قمة طارئة للجامعة العربية. 

وهذه القمة المدعو لها مؤخرًا، يبدو أنها سوف تكون مناسبة وفرصة لإعادة النظام السوري إلى النادي العربي، وبالتالي إعادة تعويم النظام السوري على هذا المستوى، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار التطابق ما بين الموقف الرسمي السعودي وتصريحات رأس النظام السوري، بالاضافة إلى التفهم الروسي للمخاوف التركية، ودعوة روسيا للتواصل ما بين دمشق وأنقرة من جهة، وما بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى.

يبدو أن الكلام المتداول عن الأهداف المصرح بها لمجمل التحركات الدولية التي تجتاح الخارطة السورية، يأخذ أبعادًا أكثر وضوحًا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المدرسة الواقعية في تفسير العلاقات الدولية، ترى أن الحرب أمر طبيعي وصحي وضروري، وأن معيار مصالح الدول هو العامل الحاسم في جميع الإجراءات التي تتخذها جميع الأطراف الفاعلة في الشأن السوري.

يمثل التدخل العسكري التركي في سوريا، كارثة لمصالح الغربيين، وهدية لخصومهم من داعش والأسد وروسيا وإيران

لكن الصورة الأكثر عبثية، تظهر لدى الجانب السوري بشقيه، سواء النظام أو المعارضة، بأخذه وضعية المفعول به، والتساؤل الأبله عن كيفية الاستثمار السياسي لهذا الحدث. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا دخلت تركيا إلى الحرب السورية؟

4 سنوات على التدخل العسكري.. كيف ستنتهي مقامرة موسكو في سوريا؟