اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان.. فرص الصمود وهواجس الفشل
11 مايو 2025
توصلت الهند وباكستان، أمس السبت، إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار. وجاء الاتفاق عقب 4 أيام من تصعيد المواجهات العسكرية بين الجارين النوويين، في تطورٍ هو الأخطر من نوعه منذ 3 عقود من تاريخ اندلاع آخر حرب كبيرة بين البلدين. وقد راح ضحية المناوشات الأخيرة أكثر من 70 قتيلًا على الجانبين.
وأمام المخاوف من تطور الوضع إلى حربٍ شاملة بين نيودلهي وإسلام أباد، بادرت مجموعة كبيرة من الدول، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلى لعب دور الوساطة. وقد كللت تلك المساعي، أمس السبت، بالنجاح، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان باكستان الانتقال من الوضع الدفاعي إلى الوضع الهجومي في عملية أطلقت عليها اسم "البنيان المرصوص".
تولى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعلان شخصيًا عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، قائلًا في منشور على منصته الخاصة تروث سوشيال:"بعد محادثات بوساطة الولايات المتحدة، يسرني أن أعلن أن الهند وباكستان اتفقتا على وقف إطلاق نارٍ شامل وفوري"، مقدّمًا مجموعة من الإغراءات لحث نيودلهي وإسلام أباد على مواصلة الالتزام بالاتفاق، حيث قال ترامب: "على الرغم من عدم مناقشة هذا الأمر حتى الآن، سأزيد حجم التجارة بشكل كبير مع هاتين الدولتين العظيمتين. بالإضافة إلى ذلك، سأواصل العمل معهما لمعرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى حل بشأن كشمير".
لم يحسم اتفاق وقف إطلاق النار أي قضية من القضايا الخلافية الرئيسية بما في ذلك تعليق الهند العمل باتفاقية تقاسم مياه نهر السند
وبعد إعلان ترامب أكّدت السلطات الهندية والباكستانية توصلهما إلى اتفاقٍ فوري لوقف إطلاق النار، كما كشفتا عن محادثات مرتقبة يوم غدٍ الأحد بين القادة العسكريين، بعدما أعيد تفعيل القنوات العسكرية والخطوط الساخنة بين الجانبين.
وأشار وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى أنّ حوالي 30 دولة شاركت في الجهود الديبلوماسية الرامية إلى تحقيق وقف إطلاق النار، ذاكرًا في هذا الصدد دولًا بينها الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وتركيا.
اتفاق هش
يُنظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار الموقع يوم أمس السبت بين الهند وباكستان على أنه اتفاقٌ هش يمكن أن يسقط في أي لحظة، بالنظر إلى أنه لم يحسم أي قضية كبيرة من القضايا الخلافية، بما في ذلك قضية تقاسم المياه، فلا يزال قرار الهند بتعليق اتفاقية نهر السند ساريًا. وفضلًا عن ذلك سجّلت في غضون ساعات قليلة من توقيع الاتفاق عدة انتهاكات، فقد دوّت انفجارات عديدة في المدن الحدودية، ما أدى إلى انقطاع واسع النطاق للكهرباء، شبيهٍ بما حدث في الليالي السابقة من أيام التصعيد.
وفي وقت متأخر من يوم أمس السبت، صرّحت الهند بأن باكستان انتهكت التفاهم الذي تم التوصل إليه لوقف إطلاق النار، وأن القوات المسلحة الهندية تلقت تعليمات "بالتعامل بحزم" مع أي انتهاكٍ باكستاني لوقف إطلاق النار. وردًا على ذلك، أكدت باكستان التزامها بوقف إطلاق النار، وألقت باللوم على الهند في الانتهاكات.
وبحلول فجر اليوم الأحد، هدأت حدة القتال والانفجارات التي أُبلغ عنها خلال الليل على جانبي الحدود، وفقًا لما نقله شهود عيان لوكالة رويترز، كما عادت الكهرباء إلى معظم المناطق على طول المدن الحدودية الهندية بعد انقطاعها في الليلة السابقة.
اتفاقية تقاسم المياه لا تزال معلقة
لا تزال اتفاقية المياه بين الهند وباكستان معلّقة رغم توصل البلدين إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، أمس السبت. يشار إلى أن الاتفاقية، التي توسط فيها البنك الدولي عام 1960، تنظّم تقسيم مياه نهر السند وروافده بين الهند وباكستان.
وانسحبت الهند من المعاهدة الشهر الماضي بعد هجومٍ دموي استهدف سياحًا هندوسًا في كشمير، بدعوى أنّ الهجوم تمّ بدعمٍ من باكستان، وهو ما نفته إسلام أباد، معلنةً عن استعدادها للمشاركة في تحقيق دولي مستقل حول الهجوم الذي تبنته جماعة تطلق على نفسها "جبهة مقاومة كشمير".
وتعتمد المزارع الباكستانية بنسبة 80% على مياه نهر السند، ولذلك اعتبرت باكستان قرار تعليق الاتفاقية "عملًا حربيًا".
ونقلت رويترز عن مصدر في وزارة المياه الباكستانية قوله إنّ "معاهدة مياه نهر السند لم تكن جزءًا من مناقشات وقف إطلاق النار".
كما صرّح مصدر حكومي هندي لرويترز بأنه "لا يوجد تغيير في الموقف بشأن المعاهدة". ويُعد قرار تعليق العمل باتفاقية تقاسم مياه نهر السند واحدًا من بين تدابير متبادلة اتخذتها الهند وباكستان بعد هجوم كشمير، بما في ذلك إغلاق الحدود البرية، وتعليق التجارة، ووقف إصدار جميع فئات التأشيرات لمواطني كلا البلدين.
وفي هذا السياق نقلت رويترز عن مصدرين في الحكومة الهندية قولهما إنّ جميع الإجراءات المتخذة ضد باكستان، بما في ذلك تلك المرتبطة بالتجارة والتأشيرات، ستظل سارية رغم توقف وقف إطلاق النار بين البلدين.
كشمير: العقدة المستمرة
وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان بالبحث عن حلٍّ لقضية كشمير التي تمثل العقدة الرئيسية وفتيل كل توتر في العلاقات الهندية الباكستانية منذ انفصال البلدين عن بعضهما عام 1947.
تجدر الإشارة إلى أنّ كلًّا من الهند وباكستان تطالب بمنطقة كشمير الواقعة في جبال الهملايا وذات الأغلبية المسلمة.
بعد تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 عقب الاستقلال عن الحكم البريطاني، كان من المتوقع أن تصبح كشمير جزءًا من باكستان، كما هو الحال مع المناطق الأخرى ذات الأغلبية المسلمة، لكن حاكمها الهندوسي آنذاك أرادها أن تبقى مستقلة، وأمام تهديدات بعض القبائل المسلمة بغزوها ، قرر حاكم كشمير الانضمام إلى الهند تشرين الأول/أكتوبر 1947 مقابل تقديم المساعدة ضد الغزاة.
انقسمت كشمير في نهاية المطاف بين الهند ذات الأغلبية الهندوسية، التي تحكم وادي كشمير وجامو ولداخ؛ وباكستان الإسلامية، التي تسيطر على آزاد كشمير (كشمير الحرة) والمناطق الشمالية؛ والصين، التي تسيطر على أكساي تشين.
ويبلغ عدد سكان كشمير الخاضعة للإدارة الهندية حوالي 7 ملايين نسمة، منهم ما يقرب من 70% مسلمون. وتمتع الجزء الهندي من كشمير باستقلال جزئي بناءً على المادة 370 من الدستور التي صاغها رئيس وزراء الولاية آنذاك، الشيخ عبد الله، عام 1947، ووافق عليها أول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو.
كانت كشمير مسرحًا لمواجهات كبيرة بين باكستان والهند، فمنذ الاستقلال خاض البلدان 3 حروب، اثنتان منها بسبب كشمير، في عامي 1947 و1965. وأدت حرب ثالثة عام 1971 إلى تأسيس بنغلاديش. وفي عام 1999، اشتبكتا مجددًا في منطقة كارجيل فيما وُصف بأنه حرب غير معلنة. ويُقسّم الآن خط وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، المعروف باسم خط السيطرة، منطقة كشمير بين باكستان والهند.
ومثلما كانت كشمير مسرحًا للحروب كانت أيضًا مسرحًا لتمردات عديدة، ففي عام 1979 قاد الانفصاليون في كشمير الهندية تمردًا كبيرًا واجهته الهند بإرسال قواتها إلى المنطقة، الأمر الذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص.
ودأبت الهند من حينها على اتهام باكستان بتسليح وتدريب المتمردين والانفصاليين، وهو ما تنفيه إسلام آباد، قائلةً إنها لا تقدم سوى الدعم المعنوي والدبلوماسي للكشميريين.
في آب/أغسطس من عام 2019، ألغت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي الوضع شبه المستقل لكشمير، في خطوة قالت إنها ستُحسّن دمج المنطقة مع بقية البلاد. كانت هذه الخطوة محل اعتراض كبير من باكستان التي استدعت سفيرها من الهند وخفّضت مستوى العلاقات الديبلوماسية مع إسلام أباد.
وفي عام 2024 أجرت جامو وكشمير أول انتخابات محلية لها منذ إلغاء الحكم الذاتي عام 2019، وسط دعوات من المشرعين المنتخبين حديثًا بإعادة العمل، ولو جزئيًا بالمادة 370، فيما قاطعت أحزاب رئيسية التصويت، قائلةً إن الفائزين لن يحصلوا على أي سلطة سياسية حقيقية.
وأمام هذا الوضع جاء هجوم باهلغام في الثاني والعشرين من نيسان/إبريل المنصرم ليفجّر الأوضاع، حيث اتهم المهاجمون السلطات الهندية بالعمل على تغيير التركيبة الديمغرافية لكشمير عبر جلب سكان هندوس إليها بغرض التوطين، مستغلةً في ذلك الرحلات والأنشطة السياحية، وفق زعمهم.