اتفاق لبنان مع صندوق النقد في مهبّ الشروط.. زيارة واشنطن بلا نتائج
25 أكتوبر 2025
يحاول لبنان الفصل بين الملفين الاقتصادي والمالي من جهة، والسياسي والأمني من جهة أخرى، لكن من دون جدوى. فقد تكررت الرسائل الدولية بأن لا مبادرة أو مساعدة مرتقبة قبل أن يُنجز المطلوب، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وربما أكثر من ذلك في ظلّ الضغوط المتزايدة على بيروت للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
وقد حضر لبنان الأسبوع الماضي اجتماعات الخريف في واشنطن مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بمشاركة وفد رسمي ضمّ وزير المال ياسين جابر، ووزير الاقتصاد عامر البساط، ورئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد.
وعقد الوفد سلسلة لقاءات مع الجهات الدولية المانحة، واضعاً على طاولتها رزمة الإصلاحات التي سبق أن طالب بها المجتمع الدولي كمدخل أساسي للحصول على المساعدات، والتي جرى العمل على إقرارها بقوانين في مجلس النواب.
مصير الودائع
فمنذ خمس سنوات، يواجه لبنان أزمة غير مسبوقة بعد خسارة اللبنانيين لودائعهم في المصارف، على وقع انهيار الليرة والقطاع المصرفي منذ عام 2019، ما جعل من إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف ضرورةً ملحّة، مع ضمان حقوق المودعين وعدم شطب الودائع.
وفي هذا السياق، فرض صندوق النقد الدولي سلسلة بنود في قانون إعادة هيكلة المصارف كما في قانون الفجوة المالية، بوصفها شرطًا أساسيًا لتوقيع أي اتفاق مع لبنان.
وبعد تنفيذ الحكومة اللبنانية جزءًا أساسيًا من هذه الإصلاحات، يبرز السؤال: كيف كانت ردود الفعل وأجواء لقاءات واشنطن؟
فرض صندوق النقد الدولي سلسلة بنود في قانون إعادة هيكلة المصارف كما في قانون الفجوة المالية، بوصفها شرطًا أساسيًا لتوقيع أي اتفاق مع لبنان
جردة حساب
أشار الكاتب غابريال مراد، الذي شارك في اجتماعات واشنطن، في حديثه إلى موقع "الترا صوت"، إلى أن "الناحية الإيجابية تتمثل في أن لبنان شارك في اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي، بعد مشاركته في اجتماعات الربيع في نيسان/أبريل الماضي. وبالتالي، فإن الحكومة اللبنانية مثّلت لبنان في هذا المحفل الدولي بعد غيابٍ دام سنوات، نتيجة كونها حكومة غير مكتملة أو حكومة تصريف أعمال".
وأضاف مراد أن "الوفد اللبناني حمل معه جردة حساب بما أنجزه حتى الآن، وكان مدركًا للملفات التي يناقشها مع الصندوق في المرحلة المقبلة، وعلى رأسها خطة التعافي والملاحظات عليها، إلى جانب السعي للحصول على دعم دولي واستثمارات وقروض ميسّرة من البنك الدولي لإعادة الإعمار وتلبية حاجات لبنانية أخرى".
شروط جديدة
لكن الأمور لم تكن مبشّرة على ما يبدو، إذ أشار مراد إلى أن "الشروط الدولية بدت وكأنها تتزايد"، موضحًا أن من أبرزها مسألة إعادة هيكلة المصارف، وهو قانون أُقرّ في الحكومة بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي وأُحيل إلى مجلس النواب، غير أن الصندوق أبدى ملاحظات جديدة عليه، إضافةً إلى ملاحظات أخرى على خطة التعافي وسواها.
وعن دلالات هذه الشروط الجديدة، قال مراد: "يبدو في الكواليس أن هذه المواقف المستجدة تُشكّل تغليفًا ماليًا إصلاحيًا لعدم وجود رغبة سياسية بتسهيل الحلول في الوقت الراهن. وكأن صندوق النقد لا يريد توقيع الاتفاق المرتقب مع لبنان، لتأخير هذه الخطوة المطلوبة بخلفيات سياسية تتصل ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصرية السلاح، وربما بما هو أبعد من ذلك في ضوء التطورات الإقليمية الجارية".
وأضاف: "هذا ما استشعره الوفد اللبناني في الولايات المتحدة، إذ لم يجد مبررات مقنعة لفرض شروط جديدة سوى غياب النية في تسهيل الحل الآن. وحتى في الفترة الماضية، نجح لبنان في الحصول على بعض المشاريع الإنمائية والقروض الميسّرة من البنك الدولي، أما هذه المرة فلم يحصل على مبادرات مماثلة. كما أن الاجتماعات مع الجهات المانحة كانت أقلّ من المعتاد، ما يدل على أن الأمور مرتبطة بالكامل بالملف السياسي المطلوب من لبنان إنجازه".
وختم مراد بالقول: "نحن اليوم أمام مفترق طرق: إما السير في الحلّ السياسي، أو مواجهة مزيد من الضغوط المالية والشروط الإصلاحية، ليس بهدف تحسين الأوضاع، بل بغية تجميد أي حلّ أو تعافٍ يمكن أن يقود لبنان إلى مرحلة جديدة".
عقوبات جديدة؟
بالتزامن، تداولت تسريبات في الأيام الأخيرة تفيد بتوجّه وزارة الخزانة الأميركية إلى فرض عقوبات جديدة قد تطال شخصيات لبنانية عدّة.
ورغم ذلك، ظلّ الوفد الرسمي اللبناني متحفّظًا حيال هذه المعلومات، ولم يؤكد أو ينفِ ما إذا كان هذا الملف قد طُرح خلال لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين.
غير أنّ بعض التصريحات توحي بوجود ضغوط متصاعدة على لبنان، خصوصًا ما قاله السفير الأميركي الجديد في بيروت، ميشال عيسى، قبيل توجهه إلى العاصمة اللبنانية، حين حذّر من أنّ "لصبر المجتمع الدولي حدودًا".
وتنذر الزيارة اللبنانية المحبِطة بإبقاء مسار النهوض الاقتصادي في حالة جمود في الوقت الراهن، ومعه عدد من الملفات الأساسية، وفي مقدمتها الاتفاق المرتقب مع صندوق النقد الدولي، ومؤتمر المانحين الذي تسعى فرنسا إلى عقده لدعم لبنان، إلى جانب إطلاق عملية إعادة إعمار جنوب البلاد بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
بل إنّ مصير المؤتمر الذي كان مقررًا قبل نهاية عام 2025 لدعم الجيش اللبناني يبدو هو الآخر معلّقًا، ما يطرح تساؤلات عمّا إذا كانت حالة المراوحة التي يعيشها لبنان ستطول إلى أجل غير مسمّى.