اتفاق "الأنفاس الأخيرة".. كيف تهدد التعقيدات الهدنة بين واشنطن وطهران؟
10 ابريل 2026
في الوقت الذي كان العالم يترقب فيه انقشاع غبار الحرب وطيّ صفحتها الأخيرة مع الهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الثلاثاء 7 نيسان/أبريل، قبل ساعتين فقط من انتهاء المهلة التي لوّح خلالها بتدمير "الحضارة الإيرانية" وإعادتها إلى "العصور الحجرية"، جاء المشهد اللبناني ليبدد سريعًا تلك الآمال ويعيد الأزمة إلى واجهة التصعيد.
فبدلًا من التمهيد لساعات أقل توترًا، تعزز فرص التهدئة وتنعكس استقرارًا على أسواق الطاقة، ولا سيما بعد الإعلان عن فتح مضيق هرمز باعتباره أحد أبرز بنود الاتفاق، جاءت الضربات الإسرائيلية العنيفة على الأراضي اللبنانية لتنسف مناخ الانفراج المرتقب وتخلط حسابات الإقليم من جديد.
وقد أسفرت العمليات التي شنتها إسرائيل على الأراضي اللبنانية، الأربعاء 8 نيسان/أبريل، والتي وصفت بأنها واحدة من أعنف عملياتها العسكرية في سياق مواجهتها مع حزب الله، عن مقتل أكثر من 250 لبنانيًا وإصابة ما يزيد على 1160 آخرين، بحسب إحصاءات رسمية صادرة عن المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني.
وبين تمسك طهران، مدعومة بموقف باكستاني، بأن الجبهة اللبنانية تندرج ضمن نطاق اتفاق التهدئة، وإصرار واشنطن وتل أبيب على نفي ذلك، تحولت الساحة اللبنانية سريعًا إلى العقدة الأكثر خطورة في مسار هذا الاتفاق، كاشفة منذ اللحظة الأولى حجم الغموض والارتباك اللذين ما زالا يكتنفان بنوده وحدود سريانه.
يبدو أن الطرفين لا يتعاملان مع الهدنة من المنطلق نفسه؛ فترامب يطرحها بوصفها اختبارًا عاجلًا للنوايا يمكن من خلاله قياس استعداد طهران لتقديم تنازلات سريعة، في حين تتعامل معها إيران باعتبارها بوابة تفاوضية نحو صفقة أكبر وأكثر شمولًا
مأزق طهران
في خضم هذا الارتباك واختلاط الأوراق، تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، بين خيار تقليص إسنادها لحزب الله حفاظًا على استمرار التفاهم مع الولايات المتحدة بعد ما تكبدته من خسائر وضغوط قاسية، وخيار آخر لا يقل كلفة، يتمثل في ما قد يجرّه هذا التراجع من ضرر على صورتها بوصفها رأس محور المقاومة، وعلى مصداقيتها أمام حلفائها في لبنان واليمن والعراق.
فخفض مستوى الدعم قد يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وتفادي جولة جديدة من الاستنزاف، لكنه في الوقت ذاته قد يفتح الباب أمام تآكل نفوذها الإقليمي وإضعاف إحدى أبرز أوراق الردع التي بنتها عبر سنوات.
وفي المقابل، فإن المضي في دعم حزب الله والتمسك بربط الاتفاق بتهدئة الجبهة اللبنانية يُبقي احتمالات التصعيد قائمة، كما يرفع كلفة التفاوض مع واشنطن ويهدد بنسف مسار التفاهم من أساسه، خصوصًا في ظل النبرة الأميركية المتشددة.
بذلك تقف إيران عند مفترق بالغ الدقة، إما الحفاظ على الاتفاق مقابل دفع ثمن استراتيجي يمس موقعها الإقليمي، وإما التشبث بحليفها اللبناني مع المجازفة بإسقاط التفاهم وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر، ومن هنا تبدو اللحظة الراهنة اختبارًا حقيقيًا لقدرة طهران على إدارة التوازن الصعب بين متطلبات النفوذ وحسابات البقاء.
توصيف الهدنة.. نقطة خلاف واضحة
لم تكن الجبهة اللبنانية وحدها هي الفخ الذي يهدد بنسف هذا الاتفاق وإفراغه من مضمونه، إذ لا تزال هناك جملة من النقاط والمسائل العالقة التي تجعل استدامة هذه الهدنة، ناهيك عن تحولها إلى اتفاق كامل ينهي الحرب، أمرًا غير محسوم حتى الآن.
وفي مقدمة هذه التعقيدات يبرز التباين الواضح بين واشنطن وطهران في توصيف الهدنة نفسها، بما يعكس اختلافًا أعمق في فهم حدودها، ودلالاتها، وما يمكن أن تؤول إليه في المرحلة المقبلة.
صحيح أن ترامب أعلن التوصل إلى هدنة، كما أعلنت طهران قبولها من حيث المبدأ ولكن بشروط، غير أن جوهر الخلاف لا يكمن في الهدنة ذاتها بقدر ما يكمن في معناها السياسي وحدودها الفعلية.
فواشنطن تنظر إليها باعتبارها مدخلًا سريعًا وعمليًا لفتح مضيق هرمز ووقف النزيف الذي أصاب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة خلال الأسابيع الماضية بفعل إغلاقه، بينما تسعى إيران إلى تحميلها ما هو أبعد من ذلك، عبر ربطها بمسار أشمل يقود إلى تهدئة مستدامة، ووقف كامل لإطلاق النار، وإنهاء الحرب بصورة نهائية.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الطرفين لا يتعاملان مع الهدنة من المنطلق نفسه؛ فترامب يطرحها بوصفها اختبارًا عاجلًا للنوايا يمكن من خلاله قياس استعداد طهران لتقديم تنازلات سريعة، في حين تتعامل معها إيران باعتبارها بوابة تفاوضية نحو صفقة أكبر وأكثر شمولًا، تتجاوز مجرد التهدئة المؤقتة إلى محاولة إعادة صياغة شروط الاشتباك السياسي والأمني في المنطقة.
إدارة مضيق هرمز.. فخ محتمل
لم يتطرق الاتفاق، بصيغته المتداولة حتى الآن، إلى التفاصيل الدقيقة الخاصة بآلية إدارة مضيق هرمز، إذ لا تتوقف المعضلة هنا عند مجرد مسألة فتحه أو إبقائه مغلقًا، بل تمتد إلى السؤال الأكثر حساسية: من يدير هذا الممر الحيوي، وبأي قواعد، وتحت أي مظلة سياسية وقانونية؟ فهذه القضية لا تزال غامضة، رغم أنها تمثل واحدة من أكثر النقاط جوهرية في أي تفاهم محتمل.
وبحسب ما يتردد، تسعى طهران إلى بلورة تصور يكرّس لها دورًا مباشرًا في تنظيم حركة العبور عبر المضيق، على نحو يحوله من مجرد ممر استراتيجي إلى ورقة نفوذ اقتصادي تتيح لها تحقيق عوائد مالية، عبر رسوم عبور محتملة أو ترتيبات مشتركة مع مسقط.
غير أن مثل هذا الطرح يصطدم مباشرة بالإطار القانوني الحاكم للمضيق، الذي لا يجيز التعامل معه وفق نموذج شبيه بقناة السويس المصرية مثلًا، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال بالغ الأهمية: إلى أي مدى يمكن لواشنطن، ومعها القوى الدولية الكبرى، أن تقبل بتحويل الرؤية الإيرانية بشأن هرمز إلى صيغة عملية قابلة للتنفيذ؟
الضبابية تفتح باب التأويلات المختلفة
في مثل هذه الاتفاقات الحساسة، لا تكون الضبابية مجرد تفصيل ثانوي، بل قد تتحول إلى أخطر نقاط الضعف فيها، إذ إن أي تفاهم لا يقوم على نص واضح يحتمل قراءة واحدة أو حدًا أدنى من التفسير المنضبط، يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات المتعددة، وبعضها قد يكون متناقضًا إلى حد تقويض الاتفاق من داخله، ومن هنا، تبدو الضبابية أشبه بالخنجر الأكثر حدة في ظهر أي اتفاق، لأنها قادرة على إفراغه من مضمونه حتى قبل أن يدخل حيّز الاختبار العملي.
وبالنظر إلى الصيغة المعلنة حتى الآن، فإن الاتفاق يعاني بالفعل من قدر واضح من الغموض في عدد من البنود الجوهرية، وفي مقدمتها ما يتصل بمستقبل التخصيب والملف النووي الإيراني برمته، فضلًا عن مسألة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، وحجم المقابل السياسي والاستراتيجي المطلوب منها في المقابل.
صحيح أن ترامب وصف المقترح الإيراني بأنه "أساس عملي" يمكن البناء عليه، غير أن الإدارة الأميركية لم تكشف بعد عن موقفها الرسمي والنهائي من تفاصيل هذا الطرح، وهو ما يبقي الباب مفتوحًا أمام خلافات مؤجلة قد تنفجر لاحقًا على طاولة التفاوض، وربما تنعكس مباشرة على مصير الاتفاق نفسه.
أزمة ثقة بين الطرفين
منذ اليوم الأول لهذه الحرب، بدت أزمة الثقة بين الطرفين حاضرة بوصفها الخلفية الأثقل لأي حديث عن التهدئة أو التفاهم، وهي أزمة لم تولد فجأة، بل تآكلت على امتداد عقود من الصراع والاشتباك، قبل أن تهبط إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة.
ففي التقدير الإيراني، لم تعد المشكلة مجرد خصومة سياسية مع واشنطن، بل شعور متجذر بأن طهران تعرضت للخديعة مرتين في توقيتين بالغَي الحساسية: الأولى خلال حرب حزيران/ يونيو الماضية، والثانية في شباط/ فبراير، حين جاء القصف في خضم مسار تفاوضي كان لا يزال قائمًا مع الأميركيين.
ومن هذا المنطلق، تبدو أزمة الثقة المفقودة واحدة من أعقد العقبات التي قد تعترض استكمال الاتفاق بصورة مستقرة، فالتجارب السابقة رسخت لدى كل طرف قناعة بأن الآخر قد يتعامل مع الهدنة لا باعتبارها التزامًا صادقًا بخفض التصعيد، بل باعتبارها فرصة لإعادة التموضع، أو كسب الوقت، أو تحسين شروط التفاوض.
وهذا المستوى العميق من الشك المتبادل لا يجعل تنفيذ أي تفاهم مهمة شاقة فحسب، بل يدفع أيضًا إلى التشكيك في جدواه منذ اللحظة الأولى، بحيث يصبح تطبيقه على الأرض أصعب بكثير من مجرد التوافق عليه سياسيًا أو الإعلان عنه إعلاميًا.
رد الفعل الإسرائيلي.. التخوف الأكبر
لم يحظَ الاتفاق المفاجئ الذي أعلن عنه ترامب بقبول داخل الشارع الإسرائيلي، وهو ما عكسته بوضوح نبرة التغطيات في وسائل الإعلام العبرية، التي تعاملت معه باعتباره اتفاقًا مهينًا ينطوي على صورة من صور التراجع، بل والهزيمة السياسية لإسرائيل.
وهذه الأجواء لا تضع بنيامين نتنياهو وحده تحت ضغط متصاعد، بل تدفع حكومة اليمين المتطرف بأكملها إلى مأزق داخلي بالغ الحساسية، في لحظة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع حسابات البقاء السياسي.
وفي ظل هذه الوضعية الحرجة، التي قد تهدد مستقبل نتنياهو إذا ما مرّ الاتفاق بصيغته الحالية، تتزايد المخاوف من أن تلجأ إسرائيل إلى سلوك يعيد خلط الأوراق ويربك مجمل الحسابات القائمة، وهو ما يفسر التصعيد الجنوني على الجبهة اللبنانية، فضلًا عن احتمالات توسيع نطاق الضربات إلى ساحات إقليمية أخرى على نحو ينسف الاتفاق من جذوره ويعيد المنطقة إلى المربع نفسه من السخونة والانفجار والتوتر المفتوح.
غياب الضمانات
مثل هذه الاتفاقات الحساسة، التي تتشابك مع مصالح العالم والاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة، لا يكفي فيها الإعلان السياسي وحده، ولا تكفلها النوايا المعلنة مهما بدت إيجابية، بل تحتاج إلى ضمانات صلبة وآليات إلزام واضحة، وإلى شبكة من الأطراف القادرة على فرض احترام النصوص ومنع الانقلاب عليها عند أول اختبار جدي، فكلما اتسعت تداعيات الاتفاق وتجاوزت حدوده الجغرافية إلى الأمن الاقتصادي العالمي، ازدادت الحاجة إلى منظومة ضامنة تملك النفوذ والقدرة على إلزام جميع الأطراف بالتقيد الكامل ببنوده.
غير أن هذا الاتفاق، بصيغته الراهنة، يفتقر إلى مثل هذه الضمانات القوية، وهو ما يثير قلقًا مشروعًا بشأن مدى قدرته على الصمود أمام التعقيدات التي تحيط به.
صحيح أن إسلام آباد نجحت، بدعم من تحركات موازية من إسطنبول والقاهرة، في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران وفتح نافذة تهدئة بدت مستحيلة قبل ساعات قليلة فقط، لكن باكستان، بحكم موقعها وإمكاناتها وحدود تأثيرها، لا تبدو قادرة بمفردها على الاضطلاع بدور الضامن لاتفاق بهذا الحجم والتعقيد.
ومن ثم، تبقى الهدنة الراهنة معلقة بين احتمال أن تتحول إلى فرصة سياسية قابلة للبناء والتطوير، واحتمال آخر لا يقل حضورًا، يتمثل في انتكاسة سريعة قد تعيد المنطقة بأكملها إلى مربع الانفجار من جديد.
في ضوء ما سبق، يبدو من المبكر جدًا الذهاب إلى تقييم نهائي لهذا الاتفاق أو التعامل معه بوصفه تحولًا حاسمًا في اتجاه إنهاء الحرب، أو الركون إليه كأرضية صلبة يمكن البناء عليها للوصول إلى تسوية نهائية مكتملة، فما تحقق حتى الآن لا يتجاوز، في جوهره، محاولة اضطرارية لالتقاط الأنفاس بعد أن أنهكت الكلفة الباهظة جميع الأطراف، ودَفعتهم إلى البحث عن مخرج سريع يتيح النزول من حافة التصعيد.
ومن ثم، فإن هذه الهدنة، رغم ما تنطوي عليه من أهمية، تبدو أقرب إلى بادرة حسن نوايا هشة منها إلى صيغة راسخة قابلة للاستمرار، وعلى هذا الأساس، لا يقتصر التحدي الحقيقي على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره المبكر فحسب، بل يمتد إلى القدرة على نقل هذه التهدئة المؤقتة من منطق الضرورة العسكرية إلى أفق اتفاق سياسي مستدام.
غير أن هذا الانتقال يبدو بالغ الصعوبة في ظل مناخ مثقل بالشكوك، وانعدام الثقة، وتباين الحسابات بين الطرفين، بما يجعل مستقبل الاتفاق معلقًا بين فرصة محدودة للاحتواء، واحتمال دائم للانتكاس عند أول اختبار جدي.