اتحاد أوروبي بلا أوروبيين.. كورونا والقوميّة المتخيّلة

اتحاد أوروبي بلا أوروبيين.. كورونا والقوميّة المتخيّلة

عناصر شرطة على الحدود الفرنسية الإسبانية (رويترز)

ما زالت فكرة بندكت أندرسن عن "الجماعة المتخيّلة" مبهرة. بل إنها، وفي ظل تفشي فيروس كورونا الجديد 2019، تحضر إلى الواجهة وتهشمها بحضور عنيف. انتشر الوباء، فأغلقت البلاد (الأوروبية) حدودها. انكفأت باحثة عن الانتماء إلى الأمة. في مواجهة الخطر، بدت "الأمة" هي القيمة الأكثر مشروعية كأداة للسياسة وللمواجهة. قبل ذلك، وبنظر المنتفعين منها لم تكن العولمة سوى عملية "تقارب" بين بلدان العالم. لكن، إذا كنا نتحدث عن بلدان لديها ما يجمعها، ولديها ما يجعلها مختلفة، هل أخذ هذا "التقارب" الذي يتحدث عنه أنصار العولمة شكلًا أوضح مما أخذه في أوروبا؟  في الشكل فإن الإجابة الأسهل ستكون لا.  لدينا "منطقة اليورو" و"منطقة الشنغن". مساحتان مشتركتان ــ تقريبًا أكبر تجمع لاتحاد من بلدان مختلفة في العالم ــ تخضعان حتى قبل تفشي فيروس كورونا إلى نقد كثيف. ليس هناك ما يجعل المنطقتين منطقة واحدة، إلا أن الالتباس متوقع، لأن الاتحاد الأوروبي لطالما بدت كلمة "فضفاضة"، حتى للساكنين فيه.

 انتشر الوباء، فأغلقت البلاد (الأوروبية) حدودها. انكفأت باحثة عن الانتماء إلى الأمة. في مواجهة الخطر، بدت "الأمة" هي القيمة الأكثر مشروعية كأداة للسياسة وللمواجهة

رغم أن التكامل يجعل العالم مكانًا أفضل، ويقلّص حدود النزاعات، إلا أن عدم اكتمال شروطه يجعل الأمر معقدًا، وقد يأتي بمفاعيل عكسية. يمكن استعادة محاولات الإذلال التي تعرض لها اليونانيون، وإصرار البريطانيين على الخروج من الاتحاد بأي طريقة حتى لو كلّف الأمر التصويت مرتين وثلاثة على القرار، كدليل على تفشي الشعبوية. لكن الاستدلال بهذه الطريقة، سيكون شعبويًا على نفس الدرجة.  يبدو أن ثمة مشكلة/ مشكلات في الاتحاد الأوروبي نفسه. العجز عن التصرف كوحدة سياسية، من بين جوانب أخرى كثيرة أكثر أهمية، انفجر أخيرًا مع كورونا، ولكن ليس الوباء فقط هو الذي يتفشي.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا من منظور أوروبي.. أسئلة الوحدة والتفكك

الخسائر الاقتصادية

في الرابع وعشرين من شباط/فبراير عام 1848، نُشِر كتيب صغير في لندن على عجل. لوقتٍ طويل، وحتى تشرين الأول/أكتوبر 1917، بقي هذا الكتيب مهملًا. أعلن الكتيب أن الثورة الصناعية حدثت فعلًا، وأن الحضارات التي كانت قبلها، باتت قبلها فعلًا. لقد انتهى الفراعنة بآثارهم العبقرية، وانتهت الأسوار والحدائق المعلّقة. انتهت سمعة تاجر البندقية. كل هذا صار من تمثيلات الماضي. الثورة الصناعية غيّرت مفهوم الإنتاج وعلاقاته، وأعلنت عهد الأسواق المفتوحة، متسلحة بالتقدم التقني في بداياته. بفضل السكك الحديدية، وبسبب وسائل الاتصال الناشئة، صار الكوكب صغيرًا، صار الكوكب يمشي لمصلحة هذه الأسواق، وصارت السلع والأفكار تنتج بوتيرة أسرع، ويتم تداولها على نطاق أوسع. منذ "البيان الشيوعي"، والعالم يشهد سرعة في هذه الوتيرة، لأن النقاش السياسي والأيديولوجي، من الحرب الباردة وصولًا إلى يومنا هذا، كان دائمًا أبطأ بكثير من أن يستطيع مسايرة تطور الأسواق وجموحها.

ثم فجأة، جاء الوباء. فيروس كورونا وحده أسرع من الأسواق. حتى "سارس" الفتاك، كان بطيئًا. لماذا؟

منذ اللحظات الأولى لانتشار الجائحة، سأل الأوروبيون أنفسهم عن الاقتصاد. في النهاية، رضخوا لأولوية الحياة. لكن القلق، حسب معظم التحليلات الاقتصادية، سببه الصين نفسها، التي أغلقت الكثير من المصانع على أراضيها. في الأيام الأولى لانتشار الوباء في ووهان، انخفض المؤشر الرئيسي في هونغ كونغ بنسبة 5 بالمئة، كما تراجع مؤشر تايوان بنسبة قريبة، بلغت 7 بالمئة. الفارق بين "سارس" و"كورونا الجديد 2019"، هو أن الأول كان أكثر فتكًا، وأن الثاني يحدث اليوم في بلاد صارت أكثر فتكًا مما كانت عليه في 2002 بكثير. يومذاك، كانت حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي في العالم تبلغ 8 بالمئة. صارت حصتها 19 بالمئة اليوم. هذه المصانع التي أغلقت في الأيام الأولى، ليست مجرد مصانع في "الشرق البعيد"، حيث يمكن أن يموت الناس بالفيروس، من دون أن يهتم أحد لأمرهم. هذه المصانع، تعد جزءًا أساسيًا من سلاسل التوريد في العالم. أما السياح الصينيين، الذين يتهمهم جزء من الغربيين بنقل الفيروس، فليسوا سوى النسبة الأعلى من المتدفقين إلى الغرب الذي يتكل على زياراتهم.

خطابان اليوم ضدّ العولمة في أوروبا التي سمعت عن الأسواق المفتوحة قبل الجميع. خطابان كلاهما متطرف. لكن، ماذا عن الخطاب المؤيد؟ لطالما سأل الأوروبيون أنفسهم، ما الذي سيفعلونه في حال عدم نجاح العولمة. وكاد أن يصير هذا السؤال مقدسًا في أدبيات الدفاع عن الاتحاد الأوروبي، بدلًا من انتقاء الطبيعة التبعية لهذا الاتحاد في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية. كان سؤالًا يقصد به تأجيل الإجابة على أسئلة أخرى. فقد نظم هذا الاتحاد تاريخه الاستعماري في صورة جديدة اعتقد أنها ستناسب الغزو النيوليبرالي للعالم، كما نظم تبعيته لأمريكا في سياق الخوف من الاتحاد السوفياتي أولًا، والخضوع لهيمنة أمريكا لاحقًا. بالمبدأ، افتقدت هذه التصورات الأيديولوجية حول الاتحاد لنتائج مباشرة يمكن الإشارة إليها بالإصبع. بقيت صورة الاتحاد الأوروبي أجمل منه. فإن كان الحدثين اليوناني والبريطاني سببا اهتزازًا، إلا أنهما لم يسببا انهيارًا واضحًا. ونظرًا لضيق المساحة، يجب القفز مباشرة عند الحديث عن الحدود، للحديث عن التكاليف المتوجب على الأوروبيين دفعها، بعد إزالة الحدود. حتى وإن كان هذا مؤقتًا، لقد بدأ بالحدوث فعلًا. كورونا استفتاء خاص.

توقع الاقتصاديون انهيار الجنيه الإسترليني، في حال كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مفاجئًا وصادمًا. الآن، وخلف حدود مغلقة، يبدو الاتحاد الأوروبي حالة اسمية فقط. وبينما يمنع الألمان تصدير شحنة من المعدات الطبية لإيطاليا الغارقة في أزمة "كورونا" من دون أن تحتاج إلى إثبات ذلك، سيعني الخروج لاحقًا من الاتحاد بصورة مفاجئة، من بين أشياء كثيرة، بالنسبة لإيطاليا وبالنسبة لمن في مثل حالتها، القصور في شراء السلع من الدولة الأخرى. وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى التضخم، وإلى الضرر بسلع المواد المصدرة. الكلفة هائلة. فرنسا تتحدث عن التأميم. الكلفة "الثقافية" للعودة إلى خيارات لطالما اعتبرت من الماضي، لا تقل ثقلًا عن الكلفة الاقتصادية.

لن يكفي تقديم مساعدة بقيم 50 مليار يورو للشركات المتضررة، لحماية الوظائف في الظاهر، وطبعًا خلف ذلك لحماية نظام اللامساواة القائم. قد تضطر فرنسا إلى تأميم "اير باص" و"رينو". حسب منظمة السياحة العالمية، ستتراوح نسبة خسائر العالم من توقف السياح بين 30 و50 مليار يورو. الدوري الإسباني سيخسر 650 مليون يورو في حال توقف، الدوري الألماني سيخسر بنسبة مشابهة. أما في إنكلترا، الجنة الرأسمالية لكرة القدم الحديثة، في وضع مواز لموقعها المتقدم كمصدر للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، فستخسر أنديته ما يقارب 850 مليون يورو، فقط بسبب عائدات البث التلفزيوني. نادي برشلونة سيخسر 6 ملايين يورو، فقط بسبب لعب مباراته ضد نابولي بدون جمهور. هذا المبلغ كان هو إجمالي ميزانية الفريق في 1978، وكانت كرة القدم أكثر متعة، ويوهان كرويف كان أكثر ميلًا للعب، بينما أنتج ليونيل ميسي من الإعلانات أكثر مما أنتجه من بطولات.

تراجع الهوية الأوروبية

يعرف الاقتصاديون جيدًا، حتى الخبراء الذين وظفوا خبرتهم لخدمة البنك الدولي، أن التكامل الاقتصادي سيفشل عندما يتفوق التكامل السياسي. قبل كورونا، كان تفسير الأمر سهلًا، ولكنه غير مرئي لعدة أسباب. يمكن الحديث عن اتكال الدول على بعضها البعض، وستحدث هناك تأثيرات سياسية واضحة، كنتيجة طبيعية لهذه العلاقة. وستكون هناك ضرورة، على العمل لما تعتبره الدول الأخرى عملًا يعود بمصلحة على المجموعة، وتاليًا على الاتحاد. أو على الأقل، ألا تتسبب بالضرر للدول الأخرى. هذه النقاط كانت متداولة قبل تفشي كورونا. لكن بعد تفشي المرض أصبحت دليلًا حاسمًا على سوء التفاهم. لا يحتاج البحث إلى جهد "جينالوجي"، ليكتشف أننا نعيش اليوم وفق آليات متعددة لإنتاج المعرفة، تخضع دائمًا لأنظمة هيمنة متعددة وتجمعها علاقات ميكانيزمية. بناء الهوية الأوروبية خضع لهذه المعايير، وكان متسرعًا على نحو استفادت منه حركات اليمين لتحقيق مكاسب. إغلاق الحدود الأوروبية اليوم، لا يعني سوى الاستجابة التامة للخطاب، في ظرف ضروري، ولكن في توقيت غير مناسب.

لطالما كان العامل الرئيسي في هذه المعرفة/المعارف، هو استسلامها لمنهجية جديدة. ما عادت تنتقد المناهج الأصل، مثل انتقاد الأوضاع الحقيقية في الزمن الحالي للمناطق التي تقع على هامش الاقتصاد العالمي، بل صارت تنتقد فروعًا اخترعها هذا النظام وروّج لها، مثل اللعب حول الطرق التي كتب بها العالم تاريخه، مع التسليم بتهميش المهمشين، والانصراف إلى البحث عن إجابات عن المراحل التي تلي تهميشهم. كورونا، أعاد النقاش إلى البداية، إلى دولة الرعاية، وإلى نصيب المواطن من خدمات القطاع العام، مقابل ما يدفعه من ضرائب.

بذات الطريقة التي انصرف فيها الماينستريم في البحث العلمي من نقد المنهجيات التي هيمنت على تاريخ العلوم الاجتماعية، ولا سيما الكولونيالية منها، إلى التركيز على وسائل بناء المؤسسات المعرفية، لحماية النتائج وتحصينها، ينصرف العالم اليوم للحديث عن كورونا ليس بوصفه من "عوارض" النظام العالمي، بل يميل إلى تصنيفه إلى وباء عادي. التدقيق في سرعة انتشاره وتعولمه، يتضمن محاولة لتحويله إلى حدث بلا أي أهمية، لكي تكتسب "عوارضه" الاقتصادية موقعه على رأس هرم أولويات العالم. مباني الهوية التي اهتزت بإغلاق الحدود، لن تتراجع بسهولة في سلم النقاشات المقبلة. وعندها، قد تصير الهجرة مسألة أوروبية داخلية معلنة.

نهاية الحدود

الموضوع لا يتعلق بالحدود دائمًا، بل في الترسيم "الجيوسياسي" للحدود. قبل إغلاق الحدود بفعل الوباء، كان صعبًا على الكثيرين الانتباه إلى بعض الحقائق. ليس شائعًا في الحديث عن الهجرة أن يُحسب المهاجرون الشرقيون إلى الغرب مهاجرين، إذا كانوا من الأوروبيين. في بداية التسعينات، كان البولنديون مهاجرين في ألمانيا، التي تجمعهم بها حدود مشتركة، ولكن، بعد الاتحاد الأوروبي، ونهاية الحرب الباردة، صار للمهاجرين نوع من وصمة خاصة (stigmatization). الآن، وفي لحظة الحدود المغلقة، هل يمكن التفكير بأشكال أخرى للهجرة من أوروبا وداخلها؟ البريكست افتتح هذا النقاش بخجل. انتشار فيروس كورونا، كان حاسمًا.

اقرأ/ي أيضًا: "فيروس كورونا".. لهذه الأسباب انتشر الوباء في إيطاليا

من نافل القول الإشارة إلى أنه ليست هناك أي علاقة بين كورونا وبين الهجرة بالشكل الذي تتناوله الحركات اليمينية في أوروبا، إلا من داخل التصورات القديمة للهجرة نفسها. فالناس تذهب إلى الشعبوية، بالمعنى الذي يتحدث عنه شارلز تايلور، عندما تترك وحيدة في مواجهة المصير المجهول. كان الاقتصاد وسوء أحواله دافعًا أساسيًا لتعزيز النزعات الشعبوية، بين من شعروا بالعجز عن إيجاد أي دور في التغيير. الآن، وبعد عتبة "كورونا" فإن مواجهة "المصير" صارت مسألة أكر وضوحًا، وصار الحذر من التطرف أكثر إلحاحًا. العالم اليوم ليس أمام جائحة قد تنتهي باكتشاف اللقاح، بل ربما يكون أمام إعلان بدايات التغير الثقافي. وإذا كان هناك تغيّر في البعد الثقافي، بالمعنى الواسع للكلمة، فهذا لن يكون منفصلًا بأي شكل من الأشكال عن التحولات في الاقتصاد العالمي. وصل هذا النظام، بالفعل إلى "أزمة"، ولكنها أزمة تحتاج إلى تعريف، على نحو يعيد التذكير بالفكرة العبقرية لادغار موران عن الأزمة في تعريف الأزمة.

الساحات المغلقة في لومبارديا تبعث على الحزن، مثلها مثل الفراغ في التايم سكوير، أو على ضفاف السين. لكنه حزن متعولم أيضًا وخاضع لشروط العولمة

الساحات المغلقة في لومبارديا تبعث على الحزن، مثلها مثل الفراغ في التايم سكوير، أو على ضفاف السين. لكنه حزن متعولم أيضًا وخاضع لشروط العولمة. انتبه العالم إلى سيئات نزع الطابع الريفي عنه بسبب المديح المتكرر للمدينة، وإلى إنكار الخراب البيئي والتغير المناخي من بين جملة كوارث بيئية. انتبه إلى الأزمات المالية الكبيرة بسبب تفلت الأسواق، وانهيار أي شكل من أشكال العدالة الاجتماعية، خاصة في مستوى الحصول على الرعاية، بعد تحول الخدمات، ومن بينها الصحية، إلى ضحية أولى لاختفاء أنظمة الرعاية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فيروس كورونا.. من "مهزلة" الدولة المركزية إلى بروبغاندا اليمين الشعبوي

أزمة الخطاب الإعلامي المرئي في زمن الكورونا