ابن سلمان يقود

ابن سلمان يقود "الانفتاح" في السعودية بسوط القمع والتخويف

لا يحتمل ابن سلمان أي انتقاد أو نقاش في سياساته (رمضان تورغوت/ الأناضول)

يُدرك ابن سلمان جيدًا أن استمرار ملكه العضود مرهون بالرضا الخارجي عنه، ويستدعي هذا جملة من التغييرات التي تبدو جذرية وتعطي انبطاعًا بأنها "ثورة انفتاح وتقدم"، لكنها في أصلها تغييرات لا علاقة لها بالحقوق والحريات ولا بالتقدم والتطور، وإنما لأغراض سياسية واقتصادية. ونشرت وكالة بلومبيرغ تقريرًا عما أسمته بـ"ثورة الانفتاح"، وكيف يقودها ابن سلمان بسوط القمع والتخويف، ننقله لكم بدورنا مترجمًا بتصرف في السطور التالية. 


من المؤكد أن الكثيرين يعرفون الداعية الإسلامي السعودي محمد العريفي، لكن القليلين من سيرونه مدافعًا عن حقوق المرأة. ومن لم يكن يتابع العريفي بكثب، فلربما شاهد مقطع الفيديو الشهير الذي يشرح فيه كيف يجب أن يضرب الرجل زوجته. لكن الغريب في الأمر، هو ما حدث عندما أصدر الملك السعودي قرارًا يسمح للنساء بقيادة السيارات، عندها خرج محمد العريفي على تلفزيون الدولة، ليتحدث عن مدى عظمة هذا القرار، وليقول: "المرأة المحتشمة ستبقى محتشمة سواءً كانت تقود أم لا".

يسعى ابن سلمان إلى تقديم السعودية للخارج على أنها أكثر انفتاحًا، لكن مع مزيدٍ من التضييق والقمع الداخلي لأي محاولات نقد أو نقاش

لم يكن العريفي فقط هو الذي فاجأ الجمهور بتحوله، فقد شاركه الكثير من الدعاة والعلماء في الركض من معسكر المعادين لأي خروج عن عادات السعودية وتقاليدها، ضاربين بسوط التحريم والدين، إلى معسكر النفاق والموافقة، مستسلمين لتيار القيادة السعودية الجديدة، خاصًة بعد أن شاهدوا ما حدث قبلها ببضعة أسابيع لأولئك الذين رفضوا السباحة مع تيار الدولة، حيث تم اعتقال أكثر من 12 شخصًا من رجال الدين البارزين والناشطين ورجال الأعمال، الذين واجهوا الاتهام بـ"الترويج لأجندات متطرفة"!

اقرأ/ي أيضًا: الأوامر الملكية في السعودية.. خطوات نحو الشمولية تحت دعوى التحديث!

وفي ظل ولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، تسعى المملكة العربية السعودية إلى إعادة تقديم نفسها إلى العالم على أنها أكثر انفتاحًا على الأعمال التجارية والاقتصادية، وأن مجتمعها أكثر تقبلًا من غيره لممارسات تعتبر خارج العادات الإسلامية. لكنه في الوقت نفسه، يعمل على تضييق الفضاء المحدود بالمملكة للنقد أو النقاش، والذي كان قائمًا بدرجة ما على هذه الملكية المطلقة.

سلمانان لا يقبلان النقد

يرى جيمس دورسي، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة "نانيانغ" التكنولوجية في سنغافورة، أن السعودية "أصبحت أكثر قمعًا مما كانت عليه في الماضي"، مضيفًا أنها "انفصلت عن عهد الملك عبدالله الذي سعى في كثير من الأحيان إلى التوصل إلى توافق في الآراء"، ولذا فهو يُؤكد على أنّ (السلمانيْن (الملك سلمان ونجله محمد) لا يتسامحان مع أي انتقاد على الإطلاق".

والملفت أن ما كان يشهده البلاط الملكي من خلافات ومحاولات حول فرض النفوذ، والتي طالما حصل التيار المحافظ على الحصة الأكبر فيها، سواءً في التأثير على السياسات الاجتماعية أو السيطرة على التعليم؛ بدأ يتغير منذ استطاع سلمان الوصول إلى عرش المملكة، ومن وقتها تسارع التحوّل.

ومع صعود ابن سلمان إلى مركز مهيمن في السلطة، ضاقت دائرة صنع القرار، خاصةً مع محاولات محمد بن سلمان لتحقيق رؤيته للمجتمع السعودي، فزاد من أعداد النساء العاملات، ووسع خيارات الترفيه، واعتمد خطة اقتصادية للتحول من القطاع العام إلى الخاص وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، وصحيح أنها خطة تحظى بالفشل حتى الآن، لكنها في كل الأحوال تعبر عن تغيير جذري في بنية الاقتصاد السعودي.

القمع والتخويف والترهيب، أدوات ابن سلمان لإحداث التغيير الذي يريده في السعودية، لأغراض سياسية واقتصادية

ومن منطلق صورة الانفتاح التي يحاول ابن سلمان الترويج لها، بدأ في إظهار نفسه على أنه متساهل مع العديد من المنتقدين المحتملين، إذ وقف في إحدى المرات لأخذ صورة مع العريفي وذراعه على كتف الداعية المبتسم. كما عقد اجتماعًا شخصيًا مع رسام كاريكاتير كان يعتبر حينها مع المعارضة، وبرغم كل هذا ففي نهاية المطاف، يأتي التغيير من أعلى إلى أسفل، وفق آراء مراقبين.

محمد بن سلمان مع الداعية السعودي محمد العريفي
محمد بن سلمان مع الداعية السعودي محمد العريفي

عن ذلك يقول علي الشهابي المدير التنفيذي لمؤسسة الجزيرة العربية بواشنطن، والمقرب من القصر الملكي: "أنت بحاجة إلى يد قوة لتنفيذ التغيير دون إثارة الفوضى". الشهابي يرى أن البحث عن توافق في الرأي لإحداث التغيير في السعودية "لن يكون مجديًا"، وذلك بسبب أنّ "الفجوة السياسية بين المحافظين والليبراليين كبيرة جدًا، بحيث يتعذر التوافق بينهما". وإذا انطلقنا من صحة ذلك، فإن قمع ابن سلمان وعدم قبوله لأي نقد وإن كان لا يزال في طور الاحتمال، هو أداته لإحداث التغيير في وجه السعودية!

اقرأ/ي أيضًا: تأسيس مملكة محمد بن سلمان "المتهوّرة".. الحكاية من أولها

انفتاح بطعم التخويف والترهيب

المثير للاهتمام هو أن الانفتاح الذي يريده ابن سلمان، يُحاوطه بسور شائك من التخويف والترهيب. يُضرب على ذلك مثال لافت، وهو أنه في ليلة صدور قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، اتصلت السلطات السعودية بالمدافعين الأبر عن حقوق المرأة، وحذرتهم من الاحتفال علنًا بالقرار الملكي، وإلا عليهم مواجهة عواقب احتفالهم، وذلك وفقًا لما قاله أربعة أشخاص على اتصال بدوائر الليبراليين في السعودية، لـ"بلومبيرغ".

أحد هؤلاء الأربعة يتوقع أن السبب هو عدم رغبة السلطات السعودية نسب الفضل في صدور قرار قيادة المرأة للسيارة، للناشطين الحقوقيين، أو حتى أن يُشار إلى أنه كان نتيجة لتراكمات محاولاتهم، وذلك لسبب بسيط وهو تسليط الضوء على دور القصر الملكي والقيادة الجديدة فيه، ممثلةً بالطبع في ابن سلمان.

جدير بالذكر أن السعودية قد أبرمت عدة اتفاقًا مع شركات علاقات عامة جديدة للترويج لنفسها في الولايات المتحدة، كما أنها عقب قرار السماح للمرأة بالقيادة، عيّنت امرأة متحدثة رسمية باسم سفارتها في واشنطن للمرة الأولى في تاريخ المملكة. إنه بمثابة سلسلة متصلة من الإجراءات غير المعنية كثيرًا بالحقوق والحريات، وإنما لهدف محدد: الترويج لسعودية أكثر انفتاحًا لأغراض سياسية واقتصادية.

حكم صارم.. متهوّر

أما عن المنتقدين "المحتملين"، فقد استمرت حملة الاعتقالات من قبل السلطات السعودية، خلال الأسبوع الماضي، إذ تم اعتقال 22 شخصًا، بتهمة "إثارة الرأي العام" على مواقع التواصل الاجتماعية، حسب زعم الحكومة. 

من جهة أُخرى بدأ بعض ممن يمكن وصفهم بـ"النخبة السعودية" في وضع خطط لمغادرة البلاد. وخلال محادثة أجرتها بلومبيرغ مُؤخرًا مع أحدهم، تحدث الرجل بصوت منخفض ليقول إنه يبحث عن مخرج لمغادرة البلاد، مُؤكدًا أنه يحب بلاده، ويريد أن تنجح خطة التغيير فيها، لكنه مع ذلك قلق من أن مع الوضع الحالي في البلاد، غير مرحب سوى "برجال الموافقة"، يقصد الذين يقولون "نعم" وفقط على كل ما يقوم به القصر الملكي.

صرامة ابن سلمان في الحكم، هي في حقيقتها تهور خطير على مستقبل السعودية، ويوضح لما التصق به وصف الأمير الطائش

ما يبدو أنها صرامة في الحكم، هي في حقيقتها تهوّر يُنذر بالخطر، ويوضح لما التصق لقب الأمير الطائش بابن سلمان. وينعكس هذا التهور ليس فقط داخليًا، وإنما أيضًا في السياسة الخارجية للسعودية، تحديدًا في ملفي الحرب اليمنية وحصار قطر. وفي الأولى فشل ابن سلمان فشلًا ذريعًا حتى تردد رغبته في رفع الراية البيضاء على استحياء هناك. وفي الثانية، أي حصار قطر، قلّب العالم ضده ليعاد فتح الحديث عن ملفات كادت تغلق، على رأسها تورط السعودية في دعم وتمويل الإرهاب العالمي.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"التدخل السافر".. سياسة بن سلمان لجر السعودية نحو الهاوية

دفاعًا عن حقوق المرأة أم تطلعات ابن سلمان؟!