11-مايو-2017

حبيب العادلي بعد حصوله على حكم بالبراءة في إحدى القضايا (أحمد المالكي/ الأناضول)

بين مشهدين يصعب على كتاب القصص والسيناريو الربط بينهما، الأول لرجل يتقدم بكل ثقة ممسكًا بورقة صغير مدون عليها قَسَم، ويلقي التحية على رئيس الجمهورية، مُعلنًا له الولاء. المشهد الثاني لنفس الرجل، بعد 20 عامًا، هاربًا من العدالة، تبحث عنه الشرطة لتنفيذ أحكامٍ ضده بالسجن سبع سنوات. بين هذين المشهدين سنين من الصعود والقوة والنفوذ السلطة، ثم السقوط على يد ثورة 25 يناير، وبطلهما هو حبيب العادلي، أهم زير داخلية في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وربما في تاريخ الجمهورية. 

العادلي الذي ظن الجميع يوم تعيينه أن عمره في الوزارة لن يتجاوز سنوات قليلة، كون صعوده للمنصب كان سدًا للحاجة، بعد إقالة اللواء حسن الألفي الذي فشلت الداخلية في عهده، في صد الهجوم الإرهابي الذي عرف إعلاميًا بـ"مذبحة الأقصر". وحصل العادلي على المنصب على خلاف المعتاد من تولي لواء على المعاش وليس في الخدمة، لكنه أثبت كفاءة في حدود المطلوب منه في خدمة النظام ورأسه، ليصبح الوزير الأطول عمرًا في تاريخ وزارة الداخلية.

العادلي هاربًا

في تشرين الأول/نوفمبر الماضي، أصدرت محكمة جنايات القاهرة، قرارًا بالتحفظ على حبيب العادلي رهن الإقامة الجبرية في منزله، وكذا باقي المتهمين في قضية "الاستيلاء على أموال الداخلية"، طبقًا لنص المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية، ووفقًا لمصادر أمنية، فقد نقل المتهم إلى منزله الذي تحرسه مجموعات شرطية.

لم تنجح جهود الشرطة في العثور على حبيب العادلي لأكثر من 10 أيام، بعد أن هرب من منزله رغم الحراسة الأمنية المشددة!

ظلّ الوضع على ما هو عليه، إلى أن صدر في منتصف نيسان/أبريل الماضي حكم ضد حبيب العادلي وآخرين بالسجن المشدد سبع سنوات، وتغريمهم حوالي 196 مليون جنيه. لكن حبيب العادلي لم يسلم نفسه كما فعل غيره من المتهمين في القضية، فتوجهت النيابة العامة بطلب لوزارة الداخلية بتنفيذ الحكم والذي سيتم فقط، وفقًا للقانون، بنقل المتهم من منزله -مقر الإقامة الجبرية- إلى السجن، ولكن المفاجأة كانت في أن حبيب العادلي غير موجود في منزله، ولا تعلم مجموعات الحراسة الشرطية أين هو، ولأكثر من عشرة أيام لم تنجح جهود الشرطة في الكشف عن مكان حبيب العادلي!

المصادر الأمنية قالت، إن وزارة الداخلية شكلت أربع فرق من إدارات مختلفة هي الأمن العام ومباحث تنفيذ الأحكام والإدارة العامة للسجون ومديرية أمن الجيزة، بغرض البحث عن العادلي. وهو البحث الجاري بلا نتيجة حتى الآن,

اقرأ/ي أيضًا: الشرطة المصرية.. عقيدة الفشل

إلى جانب النفوذ، لم يكن هروب حبيب العادلي الأول من نوعه، إذ تكررت حالات الهروب لشخصيات معروفة لها علاقات نافذة داخل الدولة، من بين تلك الحالات، هروب مجدي راسخ رجل الأعمال المصري، ووالد هايدي راسخ زوجة علاء مبارك. واستمر اختفاؤه داخل مصر لنحو سبع سنوات، هروبًا من تهم الكسب غير المشروع واستغلال النفوذ في التربح من الأموال العام. ولم يخرج مجدي راسخ من البلاد بطريقة رسمية، كما لم يعلن عن وجوده في دولة أُخرى. 

وفي محاولة لتوقع الكشف عن مكان هروب العادلي الذي لم يعلن حتى اللحظة، وانطلاقًا من علاقاته ونفوذه الذي يبدو أنه لا يزال حاضرًا، وأيضًا من المعتاد في حالات الهرب المشابهة، فإن العادلي ربما يكون مختبئًا في مكان من أربع أماكن محتملة، هي:

1. منزل قيادي بوزارة الداخلية

يعتبر العديد من قيادات الداخلية عصر حبيب العادلي في الوزارة، العصر الذهبي لهم، بداية من زيادة المرتبات والمعاشات، وصولًا للنفوذ الكبير التي تمتع به ضباط الداخلية في عهده، بعد سنوات من تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وبخاصة في منطقة الصعيد، وانخفاض شعبية ضباط الداخلية، بالإضافة إلى تدني مرتباتهم مقارنة بالارتفاع الذي حدث في عهد العادلي. كما يتذكر العديد من القيادات فضل العادلي في إعادة نفوذهم للشارع من جديد، وحمايته للعشرات من الضباط مهما كانت التجاوزات الحقوقية التي ارتكبوها، والتي وصلت للقتل أحيانًا.

نفوذ العادلي وصل لحد التطوع من بعض القيادات عقب ثورة 25 يناير، لإتلاف أدلة الإدانة، على سبيل المثال في قضية القرن، التي كان يحاكم فيها حسني مبارك وحبيب العادلي، وعدد من مساعديه.

اللواء حسين سعيد محمد، مدير جهاز الاتصالات في قطاع الأمن المركزي، والذي أتلف عمدُا إسطوانة مدمجة (سي دي) تحتوي محادثات هاتفية لغرفة عمليات قطاع الأمن المركزي خلال أحداث الثورة، وقد نال حكمًا قضائيًا على خلفية تعمده إتلاف الاسطوانة. 

هذا بالإضافة لقيادات الوزارة الأخرى التي عمدت لنفي وجود قناصة في الداخلية، وإخفاء أسماء الضباط الذين قيل إنهم اعتلوا وزارة الداخلية والجامعة الأمريكية وبعض العقارات المجاورة لميدان التحرير، لإطلاق النار على المتظاهرين وقنصهم.

اقرأ/ي أيضًا: الدم خيار الداخلية المصرية

كان يمكنك أن تشاهد القيادات البارزة في وزارة الداخلية وهي تلقي التحية العسكرية للعادلي أمام كاميرات التلفاز، في جلسات محاكمته في "قتل المتظاهرين"، ولا يعرف أحدًا ماذا يحدث خلف أبواب الغرف المغلقة، ومع وجود شعور قوي لدى قيادات الداخلية بأنهم لن يحاسبوا، بخاصة الآن بعد الثالث من تموز/يوليو 2013، فمن المتوقع أن يلجأ العادلي للاختباء في منزل أحد قيادات الوزارة.

2. أحد زعماء البلطجية

علاقة حبيب العادلي بدولة البلطجة علاقة معروفة للعامة والخاصة، فالبلطجة كانت أحد أهم أدوات دولة مبارك لتنفيذ الأعمال "القذرة" تمكينًا للحزب الحاكم، بعيدًا عن تلوث الأجهزة الرسمية.

وفي دراسة له، أرجع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وهو مركز رسمي؛ السبب في تحول البلطجة من نشاط فردي إلى ظاهرة، إلى جهاز مباحث أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا) في عهد وزير الداخلية حبيب العادلي، خلال أول انتخابات رئاسية في مصر، في عام 2005. 

خلال عهد حبيب العادلي أسست الداخلية مليشيات منا لبلطجية تجاوزت أعدادها 60 ألف بلطجي

وتشير الدراسة إلى أن أمن الدولة، كوّن مليشيات من البلطجية، تجاوزت أعدادها 60 الف بلطجي، يعملون لصالح الداخلية، حيث يدير أمن الدولة تحركاتهم، في مقابل استفادة البلطجية وزعمائهم ماديًا، ومن تغاضي الداخلية عن أنشطتهم وممارساتهم الإجرامية. وكان من أبرز هؤلاء الزعماء، صبري نخنوخ بلطجي الإسكندرية. وعلى هذا يُحتمل أن يكون حبيب العادلي مختبئًا في منزل أحد هؤلاء البلطجية الكبار. 

3. قاضي قريب الصلة بالعادلي

فعلها من قبل مرتضي منصور، حين كان لا يزال متهمًا في قضية موقعة الجمل قبل أن يحصل على البراءة. وكانت خطة ناجحة، أن يختبئ في منزل قاضي، إذ لا يسمح القانون بتفتيش منزل القضاة إلا بإذن قضائي وبحضور وكيل عن النيابة العامة، واستطاع مرتضى منصور بذلك حمياة نفسه من القبض عليه، رغم صدور أمر بضبطه وإحضاره.

العلاقة بين القضاء والداخلية متشابكة، ويعود جزء كبير من السبب في ذلك، إلى أن أعدادًا كبيرة من ضباط الشرطة يُحولون عملهم إلى سلك القضاء من مدخل النيابة العامة، وذلك لأسباب تتعلق بمكاسب الحصانة ومزيد النفوذ، وأيضًا للفارق المادي لصالح وكلاء النيابة والعاملين في السلك القضائي عامة. 

تتضح قوة شخصية حبيب العادلي في مرافعته عن نفسه خلال المحاكمة الثانية له

يحتمل إذًا أن يكون حبيب العادلي قد استخدم نفس خطة مرتضى منصور، معتمدًا على نفوذه وعلاقاته، ليختبئ في منزل أو ملكية أحد القضاة، وربما كان هذا القاضي ضابطًا سابقًا في وزارة الداخلية. 

4. هربَ خارج الحدود

يبدو هذا الاحتمال الأخير هو الأكثر صعوبة، من جهة الواقع، ومن جهة شخصية العادلي التي يتضح حبها للمواجهة في ترافعه عن نفسه خلال المحاكمة الثانية له. فضلًا عن ذلك يتضح إصرار العادلي على البقاء في مصر حيث نفوذه، في أن إجمالي الأحكام ضده التي وصلت إلى 45 سنة، انتهت معظمها بالبراءة، ولم يتبقى منها إلا ثلاث سنوات في قضية "تسخير الجنود"، وكان قد قضاها بالفعل في الحبس الاحتياطي، بالإضافة إلى القضية الأخيرة التي حكم عليه فيها بسبع سنوات.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. هل سيتخلص الجنرال من وزير داخليته؟

وربما يكون هروب حبيب العادلي حل للجميع، للعادلي نفسه، ولنظام السيسي الذي يبدو أنه لا يزال لا يأمن رجال مبارك، وعلى رأسهم العادلي صاحب النفوذ الأقوى داخل نظام المخلوع.

على كل، تلك الأماكن الأربعة، هي المحتملة لأن يكون العادلي مختبئًا فيها، وقد يكتمل السيناريو السينمائي بأن يكون العادلي مختبئًا في منزل أحد من ظلمهم سابقًا! في كل الأحوال الانتظار وحده ما سيكشف ما خُفي، وقد لا يكشف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هدية للداخلية المصرية في عيدها

مصر.. "الحوادث الفردية" لأمناء الشرطة مستمرة