12-مارس-2021

إخلاء الصليب الأحمر لمخيم تل الزعتر من الجرحى (IMS)

آب/أغسطس أقسى الشهور، ليست رواية إنما واقع تساوت فيه قطرة ماء بسيل من الدماء، قصة الوجع الفلسطيني المليء بالآلام والتضحيات، حين يمتزج دم الفقراء الفلسطينيين بدم الفقراء اللبنانيين، كانت إيفا هناك لتقدم شهادتها عن المذبحة، لم تكن فتاة فلسطينية ولا عربية، بل هي التعبير الصادق عن التضامن الأممي وعن عدالة قضية اسمها فلسطين، هي القادمة من الشمال نحو تل الزعتر عاصمة الفقراء لتروي الحكاية.

كان مشهد مخيم تل الزعتر يحمل الكثير من التناقض، مناطق فيها بنايات فاخرة وعمارات حديثة تحيط بمساحة صغيرة توجد بها كثافة سكانية عالية

"عندما بلغت السادسة عشر لم تكن السياسة والمجتمع ومشاكل الناس تثير اهتمامي ولم تكن لي آراء سياسية خاصة، خلال تلك الفترة بل لم أكن أدرك شيئًا عن السياسة البتة".

اقرأ/ي أيضًا: زكي هللو.. رجل الظل

في المدرسة الثانوية تعرفت إيفا على مجموعة من الطلاب كانوا يشكلون "لجنة الدفاع عن الشعب الفيتنامي"، أصبح الموضوع الرئيس بجلسات النقاش واللقاءات التي تجمعهم، راح الموضوع الفيتنامي يأخذ اهتمامها وتولدت لديها مشاعر التعاطف مع الشعب الفيتنامي، لكن لم يأخذ الأمر شكل التنظيم والمشاركة بالتظاهرات التي كانت تدين العدوان الأمريكي وحرب فيتنام.

بعد انتقالها للعمل كممرضة بمدينة غوتنبرغ بدأ الاهتمام يتعمق بالمواضيع السياسية عند إيفا جراء احتكاكها بنشطاء الحركة اليسارية السويدية، فقرأت في أديباتها عن المقاومة الفلسطينية، وأصبحت تشارك في التظاهرات السياسية والأنشطة التي تنظمها المنظمة اليسارية السويدية قبل أن تنظم إلى صفوفها بحلول عام 1972.

تتحدث إيفا عن خيار انتسابها للحركة: "لعل من الأسباب الرئيسية التي دفعتني للانضمام للحركة هو اهتمامها بشؤون العالم الثالث. وكان هذا قد قربني كنقطة بداية لأن أتصل بادئ الأمر بالفلسطينيين".

في تلك الفترة كان نجم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يلوح عاليًا كأحد أبرز مكونات حركة المقاومة الفلسطينية، ولهذا أصبحت قبلة الكثير من الحركات والمتضامنين والمتطوعين الأمميين من أجل لانضمام إليها أو العمل بجانبها، عرضت الحركة اليسارية السويدية على الجبهة تزويد عياداتها بالأطباء والممرضين طوعيًا ومن دون أي شروط.

قررت إيفا أن تغتنم الفرصة للقيام بعمل ما يدعم الفلسطينيين بالرغم من أنها لم تكن تعرف إلا القليل عن طبيعة المهمة الموكلة اليها، تم التنسيق للرحلة مع لجنة كنفاني التي تديرها آني كنفاني زوجة الشهيد غسان على تكون نفقات الرحلة على حسابها، وأن تعمل في مستوصف داخل المخيم لا يدفع أجورًا حيث كان العمل تطوعيًا وأن تعيش مع عائلة فلسطينية.

جاءت إيفا شتال من السويد وعاشت في مخيم تل الزعتر حيث عملت كممرضة في أحلك فترات الحصار والقصف

تتحدث إيفا عن قرارها بالذهاب: "درست الأمر مع نفسي واتخذت القرار النهائي بالتطوع في هذه المهمة. وبدأت أعمل ساعات إضافية في المساء وأيام العطل لكي أأوفر المال الكافي للرحلة... وقرأت كل شيء استطعت أن أحصل عليه حول فلسطين والفلسطينيين والشرق الأوسط، وحان موعد الرحلة فحملت حقائبي وغادرت الوطن".

اقرأ/ي أيضًا: مصباح الصوري.. شرارة الانتفاضة الأولى

كان المشهد في مخيم تل الزعتر يحمل في طياته الكثير من التناقض الرهيب، مناطق فيها بنايات فاخرة وعمارات حديثة ومعامل للأثاث المنزلي الفاخر والألبسة الجاهزة، تحيط بمساحة صغيرة توجد بها كثافة سكانية عالية هي عبارة عن أكواخ وبيوت من الصفيح تفصل بينها ممرات ضيقة تكسوها الرمال والحصى يسكنها أناس معدمون، فلسطينيون ولبنانيون وعرب من الفقراء.

تسرد إيفا لقاءها الاول بالعائلة التي استضافتها في المخيم بكثير من الحب: "في البداية دخلنا مبنى صغيرًا مشيدًا من الإسمنت مقسمًا إلى أربعة أجزاء، ثم إلى غرفة داخل بيت ضيق كان جميع أفراد العائلة يشكلون سورًا حول الموقد، وفجأة نهضت امرأة ترتدى ملابس تشبه ملابس البدو واتجهت نحوي بسرعة وضمتني الى صدرها وعانقتني بحرارة لفترة طويلة، وقالت لي بصوت رحب: "هذا بيتك وأنا أمك".

كم هو رائع أن يحسن الإنسان بمثل هذه المشاعر البديعة وهو قد وصل للتو إلى مكان غريب مطوق، يبعد آلاف الأميال عن السويد.

ظروف المخيم كانت جد صعبة بدأت إيفا العمل في المستوصف حيث تعرفت على يوسف حمد، مسؤول لجان العمل الصحي بالجبهة الشعبية. كان المستوصف يتألف من طابق واحد، فيه غرفة للانتظار تقابلها غرفة الطبيب التي كانت عبارة عن مستودع للأدوية إذ كان الطبيب يقوم بعدد من المهام، فحص ومعالجة وتحضير للأدوية وتقديمها للمرضى. إلى جانبها غرفة يقيم فيها المرضى لا يتعدى عدد أسرتها الستة وغرفة صغيرة للعلاج تضمد فيها جروح المصابين. كان العمل داخل المستوصف في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، في يومها الأول صادف حصول تحليق على علو منخفض للطائرات الإسرائيلية فوق المخيم قبل أن تنفذ غارتها على مخيم شاتيلا القريب، ما أحدث حالة من الفزع والرعب في وجوه الاطفال وكبار السن، تلك كانت أولى مشاهد الحرب التي هزتها وبعنف.

لم يكن العمل في المستوصف مقتصرًا على تقديم الخدمات الطبية، بل كذلك تعليم سكان المخيم طرق ووسائل معالجة الجروح في حال فاقت قدرة الطواقم الطبية عن العمل، بالإضافة إلى لقاءات دورية للأمهات وشرح لهن الخطوات الصحية التي يتوجب عليهن اتباعها للحفاظ عن صحة أفراد عائلاتهم في تلك الاجواء التي تنعدم فيها الشروط الصحية.

تزوجت إيفا شتال في المخيم، وعاشت فيه الحصار والقصف العنيف الذي أودى بحياة زوجها وتسبّب ببتر ذراعها

بالرغم من كل تلك الظروف القاسية وحال الناس المتعبة إلا أن سكان المخيم كانوا أناسًا مرحين منفتحون وكرماء أحبوا إيفا وقدموا لها كل التسهيلات، لأنها كانت تساعدهم فقد شعرت بينهم بالألفة وبادلتهم نفس الشعور والأحاسيس، ولهذا أطلقوا عليها اسم سميرة.

اقرأ/ي أيضًا: زياد الحسيني.. الفدائي الذي حكم غزة ليلًا

توطدت وتقوت علاقة إيفا بيوسف حمد إذ كانت تقابله باستمرار في المستوصف، حيث كان يساعدها في تقديم الخدمات الطبية وقت تهدا أجواء المعارك، قرّرا الزواج بعد عودتها من زيارة عائلية للسويد كانت أن أمضت ثلاث شهور بالمخيم.

في يونيو/حزيران 1975 عادت إيفا لتل الزعتر وبالعمل في المستوصف ثانية والإقامة عند نفس العائلة، واتفقت مع يوسف على إقامة الخطوبة في حدود ضيقة فقط، لكن الخبر انتشر بسرعة وبحكم سيرة إيفا الطيبة وما تقدمه لأهالي المخيم فتوافد الأصدقاء والجيران والأهالي للتعبير عن فرحتهم فكان عرسًا كبيرًا كتعبير عن محبة أهالي المخيم لها.

تسارعت الأحداث وتم تكليف يوسف حمد بمهمة سياسية من قبل الجبهة بمخيم شاتيلا، فانتقل الزوجان إلى هناك حيث استأجرا بيتًا وأقاما حفلة زواج صغيرة، لكن مع تجدد المعارك وشن قوى اليمين اللبناني هجومًا عنيفًا على مخيم تل الزعتر جعل حمد وإيفا العودة يقرران العودة إليه لتقديم المساعدة. بدأت الأوضاع تسير نحو الأسوأ مع إطباق الحصار على المخيم في ظل النقص الشديد للمواد التموينية والمياه بفعل عمليات القصف والقنص، توالى قدوم المصابين والشهداء إلى المستوصف ما جعل العمل بداخله لا يتوقف للحظه، وفي إحدى المرات في شارع صغير تجمع حوالي 25 شخصًا حول فرن، ليحصلوا على الخبز، كانت مغامرة أن يحصلوا على طعامهم وفق هذا الشكل، ولكنهم كانوا جياعًا، وفجأة سقطت قذيفة صاروخية في وسطهم فأصيب الجميع بإصابات خطيرة. تتحدث إيفا عن مشاهد تلك اللحظات: "إن الذي ألمني هو أن غالبية المصابين الخطرين كانوا من الأطفال والنساء والمتقدمين في السن. كان علينا معالجة الجرحى بإمكانيتنا البسيطة، ولمدة أربع وعشرين ساعة كان الكل يعمل دونما انقطاع، كنت أعمل وأبكي، وكان اليأس يعصر قلبي لأني لا أستطيع أن أفعل المزيد".

هذا ما كان يحدث مع كل قذيفة كانت تطلق باتجاه المخيم. أما مشاهد القنص فكانت أكثر قساوة "في المناطق الخطرة ثبتت ملصقات تحذر سكان المخيم من الاقتراب منها، ولكن ذات يوم جيء بطفل إلى المستشفى والدماء تسيل منه بغزارة بعد أن أصابته إحدى رصاصات القناصين، كان عمره ست سنوات فقط ولم يكن بقادر على قراءة التحذير. بنت عمرها تسع سنوات خرجت لتعلب في نفس المنطقة بعد الهدوء النسبي في ذلك الوقت، لم تكن هي الأخرى تعرف القراءة والانتباه إلى التحذير، فأصيبت برصاصة في رأسها اخترقت خدها وخرجت من إحدى أذنيها، واستمرت مطروحة على الأرض لمدة نصف ساعة دون أن يستطيع أحد الاقتراب منها".

كانت مشاهد الإجرام في تلك البقعة من العالم أكبر من طاقة التحمل.

كانت وحشية تدمير مخيم تل الزعتر غير متناهية، جعلت أي وصف عاجزًا على تقديم تفاصيل المأساة التي حدثت هناك

أصبح العيش في مخيم تلّ الزعتر مليئًا بالرعب مع اشتداد القصف. حُوِّل المستوصف إلى مدرسة مهجورة أُغلقت قبل فترة، وأصبحت الأمور أكثر تعقيدًا حتى المستوصف الجديد في المدرسة بعدما امتلأ بالجرحى وأصبح العدد يتضاعف يومًا بعد يوم.

اقرأ/ي أيضًا: أبو صالح.. الحالم الذي أضاع الطريق

من المحتمل أن نموت الليلة، هكذا مازح يوسف حمد زوجته إيفا قبل أن يخلدا للنوم. كان ذلك يوم 13 يونيو/حزيران 1976 بعد يوم عمل شاق، تم قصف المخيم قصفًا شديدًا، استيقظتُ إيفا مذعورة على صوت انفجارات هائلة ونار حادة تحرق المكان، تتحدث إيفا عن تلك اللحظات المأساوية: "شعرت أني طرت مع يوسف في الفضاء. كنت أصرخ وأنادي عليه يوسف.. يوسف دون رد، حاولت أن أحرك نفسي باتجاهه لكني لم أقدر... ذراعي اليمنى فقدت الحركة، فحاولت أن أحرك ساقي اليسرى لكنها كانت خاملة تمامًا لففت بيدي اليسرى طرف البيجاما حول ساقي اليسرى لمنع النزيف، ورفعت بيدي الجزء المتدلي من ذراعي الأيمن إلى الأعلى لأتمكن من التوازن".

استشهد يوسف حمد ونقلت إيفا للمستوصف الذي كانت تعمل فيه أين حضر الطبيب السويدي لارسن والطبيب الفلسطيني يوسف عراقي حيت قاموا بتثبيت الأجزاء المكسورة من العظام بألواح خشبية، وبأجراء عملية جراحية كانا قد اتخذا القرار الصعب ببتر الذراع اليمنى لإيفا لإنقاذ حياتها.

بعد عشرة أيام من الحادث نجح رئيس بعثة الصليب الأحمر من دخول المخيم والتقى إيفا وأخبرها بنقلها إلى مستشفى مار يوسف ببيروت الشرقية، ومن ثم إلى ميناء جونيه ومنها إلى قبرص بالباخرة، إلا أنها رفضت الذهاب إلى المستشفى بحجة وجوده بمنطقة تسيطر عليها قوى اليمين اللبناني وحتمًا سيقومون بقتلها، تم العمل على ترتيبات جديدة يتم من خلالها نقلها مباشرة إلى ميناء جونيه، ولكن بعثة الصليب الأحمر لم تأت في الموعد المحدد، ذلك أن قوى اليمين قررت منع خروجها من تل الزعتر.

في الأيام التالية لم يتوقف القصف على المخيم. بدءًا من الصباح إلى ساعات المساء تسقط آلاف القذائف لم توفر بناء واحدًا داخله. دُمّر المخيم وحرقت عشرات البيوت. لم تنجُ بناية داخله، حتى الملاجئ دمرت. كانت وحشية متناهية وأصبح أي وصف عاجزًا على تقديم تفاصيل المأساة التي حدثت هناك.

فقدت إيفا شتال ذراعها وزوجها وجنينها الذي كان في بطنها، لكنها لم تفقد ارتباطها بفلسطين

 بتدخل من السفارة السويدية جرى التنسيق والاتفاق على خروج إيفا مع مجموعة من المصابين، وصلت بعثة الصليب الأحمر إلى المخيم بعد انتظار طويل. تم الاتفاق وأعد كل شيء للرحيل، فتوافد الأصدقاء والأهالي لتوديع إيفا، غالبيتهم كرر نفس الجملة: "الان يا سميرة عليك أن تخرجي وتخبري العالم عن كل شيء حدث في تل الزعتر".

كان الوداع مؤثرًا وعاطفيًا. وبعد انطلاق مسيرة القافلة بمسافة كيلو متر واحد توقفت عند أحد الحواجز، كان أحد أفراد الميليشيات قد أجهز على أحد الجرحى. تتذكر إيفا تلك المشاهد القاسية: "لم أكن أجرؤ على النظر خارج السيارة، فقد حذرني رجال الصليب الاحمر وطلبوا مني أن أبقى ساكنة بلا حراك. وفجأة قفز أحد الكتائبيين إلى داخل احدى الشاحنات التابعة للبعثة التي كانت تحمل عددًا من الجرحى، واختار جريحًا من بينهم وطعنه بحربة البندقية، ومع الصراخ سمعت من خلال النافذة بعض الجنود يقولون: ها هي هنا.. الأجنبية زوجة يوسف حمد.. كانوا يحاولون استفزازي، ولكني بقيت جامدة ملتزمةّ بتعليمات الصليب الأحمر. ودار نقاش في الخارج وسمعت مسؤول الصليب الأحمر يقول بتوسل: الكل هنا جرحوا بسبب انفجار في أجهزة الغاز، ولم أعرف وقتها ماذا تعني هذه الكلمات ولكنهم سمحوا لنا بمواصلة السير. كنا 91 جريحًا، وكانت جراح غالبيتهم خطيرة".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "إبراهيم إلى أجل غير مسمى".. العائد إلى دير أبو مشعل

وصلت القافلة إلى المنطقة التي تقع تحت سيطرة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في بيروت، واستقبل الجميع بإطلاق عيارات نارية في الهواء ابتهاجًا بوصولهم سالمين.

فقدت إيفا ذراعها وزوجها وجنينها الذي كان في بطنها، لكنها لم تفقد ارتباطها بفلسطين، وبقيت عند وعدها الى أبناء المخيم بأن تروي حكايتهم. تكتب إيفا في ختام شهادتها: "في النهاية، أريد منك أنت الذي تقرأ قصتي هذه، ألا تكتفي بالقول إنها قصة رهيبة. وإنما أريدك أن تحاول ألا تنساها. حاول أن تكون واحدًا من الذين يعلنون احتجاجهم على هذه المآسي التي يتعرض لها الناس الابرياء. وحاول قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تتفهم قضية شعب بلا وطن".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حنا ميخائيل.. تاريخ لا يمضي

سهيلة أندراوس.. رابعة الأربعة