إيران والخروج من الدور الأول

إيران والخروج من الدور الأول

مشجع إيراني في مونديال البرازيل الأخير (Getty)

إيران جميلة، بلا شك إيران جميلة. من أصفهان إلى مشهد. عباس كيروستامي معلّم في السينما، وهذا لا سجال فيه أيضًا. محمد خاتمي كان يحمل مشروعًا تنويريًّا، ينبغي الاعتراف بهذه النقطة أيضًا. إلى ذلك، مقاربة التاريخ الصفوي من الناحية التاريخيّة قد توصل إلى خلاصات عكس تلك السائدة في الأوساط المتعصبة للعروبة. وهذا شائك ومعقّد لكن واجب القول إن قوروش الحبيب، قبل القاجارية والصفوية، وقبل كل شيء، هو، على الأرجح، ألطف ديكتاتور في التاريخ، لقد أنهى السبي البابلي، ويحبّه العبرانيّون أكثر مما يحبّون تاريخًا طويلًا في أوروبا.

في مباراة التأهل لمونديال 1998 كان معظمنا مع علي دائي وكريم باقري وخوداد عزيزي ضدَ الأستراليين

 أشياء كثيرة يجب أن نحبّها في إيران، إلى جانب المعتقل جعفر باناهي وشيرين عبادي وأصغر فرهادي وطبعًا علي كريمي. ولسيرة علي كريمي، للأمانة، يجب أن نذكر، أنه وفي المباراة الفاصلة للتأهل إلى كأس العام ربيع العام 1998، كان معظمنا مع الموهوبين علي دائي وكريم باقري وخوداد عزيزي ضدَ الأستراليين. يمكن مراجعة المعلّق المصري على قنوات راديو وتلفزيون العرب في ذلك الحين، والتأكد من الأمر. وللمناسبة، راديو وتلفزيون العرب، قناة سعودّية. يبدو هذا لافتاً الآن إلى درجة لا تصدّق. حتى عندما تأهلت إيران، جزء كبير منّا كان ضدَ أمريكا، وفرح لفوز الإيرانيين على "الشيطان الأكبر"، في مباراة الدور الأول. نتحدث عن 17 عامًا، وهذا وقت وافر. انتهى كأس العالم، ورغم فوزها، خرجت إيران من البطولة، وبقي الشيطان شيطانًا. أخيرًا، صار "الشيطان" الأمريكي صغيرًا. شيطان صغير ولطيف، يمكن أن يوضع على الرف، قبل اجتماع "ظريف"، مع وزير خارجّية "الشيطان الأكبر".

ليست هذه دعوةً لاستمرار العداء بين أمريكا وإيران، أو بين إيران وأمريكا، أو بين أمريكا والعرب، وما إلى ذلك. سيحيل هذا إلى نظرية "المنطق"، التي يطرحها المخرج الفلسطيني الكبير إيليا سليمان، في شريط "الزمن الباقي". القصة قصة منطق، كما يقول الرجل السكران في الفيلم. علينا أن نكون صريحين: من حق الإيرانيين أن يطلقوا أبواق سياراتهم احتفالًا بالاتفاق مع أمريكا، وبالنجاة من العقوبات. لا يمكن لومهم على ذلك. وفي بلدٍ فقير يُمنعون فيه من السفر، وتطمس صورة الملالي الظاهرة منه إرثًا حضاريًّا عظيمًا، لا بد من القول بحرّية إن الإيرانيين ليسوا أعداءنا، ومن حقهم أن يتحرروا بدورهم، قبل أن تطالهم مقصلة من مقصلات الشريعة الطويلة. أما فيما يخص الممانع، المتأيرن، أكثر من الإيرانيين أنفسهم، فتبقى أسباب بهجته بانتمائه إلى إيران مفهومة مذهبيًّا، ومدخلًا واسعًا لكل من يحب الجانب السلبي في الصفوّية في اطار النزاع الإسلامي ــ الإسلامي.

لا يعلم الممانع المتأيرن حديثًا أن المرأة تُحارب في إيران، وأن القنبلة النووية لا تصنع الحضارة

أشياء كثيرة لا يعرفها الممانع المتأيرن حديثًا. أولها، أن الرجل في فيلم إيليا سليمان محق، فالقصة قصة منطق. فباستثناء الإرث التقني الذي تركه الشاه الفاسد محمد رضا بهلوي، لا جديد على مستوى التطور في إيران. والحق، أن الممانع يقيم في عالمٍ افتراضي، سيّجه بالانتصارات الإلهيّة، وأحاطه بأساطير تستند إلى تخيّلات عن قوة الحرس الثوري الإيراني، والأهم، إذلال أمريكا. يروّج الممانع لسردية التطور الإيراني، وحرّية المرأة، كمدخلٍ لتبرير إعجابه بحكم الملالي، ودعمه لسياسة إيران التوسعية في المنطقة، وأبرزها وقوفها إلى جانب نظام الأسد في سوريا. وكأن هذا، لا يعلم أن المرأة تُحارب في إيران، وأن القنبلة النووية لا تصنع الحضارة. لا جديد في بلاد الآريين سوى حضاراتهم القديمة.
على مستوى التطور التقني، يمكن الحديث كثيرًا عن تفاقم المشكلات التقنية في الطيران المدني الذي يحتاج إلى ترميم بقدر حاجة الطيران الحربي اللبناني إلى صيانة. كذلك، يحسب الممانع العرض العسكري الأخير، الذي عدّه كثيرون مزحة، تطوراً. مقارنة سوق السلاح الحربي الإيراني بمثيلتها الإسرائيليّة قد تنتهي بفضيحة لمحور الممانعة. ما لا يعرفه الممانع، أن الإيرانيين أنفسهم مستلبون، ولم يعد رفع القبضات أمرًا مسليًّا لهم. عندما سُئلوا عن رأيهم، رفضوا كل هذا التوسع، خلال أحداث الثورة الخضراء. يريدون بناء "دولة". وهذا ما نحلم به في لبنان، أو في سوريا طبعًا، وفي فلسطين. لكن بيننا ثمة دائمًا، من يريد أن "يذلّ أمريكا"، ولا يتعب من هذا الشِعار العفن، أو على الأقل، إعادة تدويره في إطار يصلح لمواجهة إسفاف بعض الليبرالبيين.

عملياً، الاذلال الإيراني الوحيد لأمريكا، هو خسارتها في الدور الأول من مونديال فرنسا 1998، بهدفين، وخروجها من الدور الأول

عمليًّا، الاذلال الوحيد الإيراني لأمريكا، هو خسارتها في الدور الأول من مونديال فرنسا 1998، بهدفين، وخروجها من الدور الأول، كمتذيلٍ للمجموعة السادسة. بطبيعة الحال، لم يكن الأمر إذلالًا حقيق. لا ذُل في الرياضة. وأكثر من ذلك، يومذاك، خرجت إيران بدورها، وتابع اللاعبون والجماهير المباريات من طهران، بحزنٍ شديد، وخيبة أمل بسبب عدم قدرة اجتياز الدور الأول. غير أنه، وعلى منهج الممانعة، ينبغي تسجيل الخبر "التاريخي"، على النحو الآتي: البطولة بأسرها ليست مهمة. كأس العالم كله بدعة. المشاركة "تفنيصة". المونديال مصطلح غربي استكباري. المهم أن إيران فازت على أمريكا بكرة القدم. حتى وإن كان ذلك بشق النفس، ذات صيف، في شمال فرنسا. في فرنسا، التي كانت استقبلت الإمام الخميني، شتاء العام 1978، أي قبل شهور قليلة من دخول الثورة في طهران مرحلة الحسم. ويومذاك، وزع الإمام الخميني الحلوى على جيرانه، في نوفيل لو شاتو، بمناسبة الميلاد، علّه يخفف انزعاج الجيران، صانعي الكونياك ومتذوقيه، من تدفق وسائل الاعلام المفاجئ إلى ضاحيتهم.