إيران بين الثورة والحرب: صراع مستمر على الهوية والسيادة
11 ابريل 2026
مع كلمات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بعد وقف إطلاق النار، بأنه ينبغي أن يستمر حضور الشعب في الميدان كما كان خلال الأربعين يومًا الماضية، فلا تنتهي بعض الثورات عند لحظة إسقاط النظام القديم، بل تحتاج إلى آليات مستمرة تُبقي روحها حية وتحوّل دون تحوّلها إلى نظام سياسي تقليدي يفقد زخمه الأول.
وفي هذا السياق، قد تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الثوري وإدامة حالة التعبئة داخل المجتمع، وتُعدّ التجربة الإيرانية مثالًا واضحًا على ذلك، إذ شكّلت الحروب فضاءً يُعاد فيه استدعاء مفردات الثورة مثل الصمود ومقاومة الهيمنة.
فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية، لعبت الحرب دورًا يتجاوز بعدها العسكري لتصبح أداة رمزية تعيد تثبيت شرعية الثورة وتجدّد حضورها في الوعي الجمعي.
الحرب العراقية الإيرانية: الثورة في اختبار البقاء
على مدار ثماني سنوات، وبحصيلة بشرية قاربت المليون ونصف المليون قتيل، انتهت الحرب العراقية الإيرانية بوصفها واحدة من أطول الحروب وأكثرها استنزافًا في التاريخ المعاصر.
لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين متجاورتين، بل تحولت سريعًا إلى صراع شامل استنزف الموارد والطاقات البشرية لدى الطرفين، وأعاد تشكيل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
اكتسبت الحرب معنى يتجاوز بعدها العسكري، إذ صُوّرت كجزء من صراع أوسع بين قوى الاستضعاف وقوى الاستكبار، وهو ما ساهم في تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني ودفعها إلى الانخراط في أجواء التعبئة الثورية
ومع امتدادها الطويل وتعاظم خسائرها، أصبحت الحرب حدثًا مفصليًا في مسار الثورة الإيرانية، إذ وجدت طهران نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على خطابها الثوري في ظل حرب مفتوحة.
في المقابل، جاءت هذه الحرب في سياق إقليمي وسياسي شديد الاضطراب، فمع صعود حزب البعث في العراق وما رافق انتقال السلطة من توترات داخلية، برز الخلاف حول اتفاقيات ترسيم الحدود في شط العرب بوصفه أحد العوامل المركزية في تفجّر الصراع.
استغلت إيران تلك اللحظة لإعادة طرح مسألة الحدود التاريخية ورفض الاتفاقيات السابقة، في حين كان شط العرب، بما يحمله من أهمية اقتصادية وموارد نفطية، نقطة التقاء للتوترات السياسية والاقتصادية بين الطرفين.
وهكذا تحولت الخلافات الحدودية إلى شرارة لحرب واسعة النطاق سرعان ما تجاوزت بعدها الجغرافي لتصبح صراعًا ذا أبعاد أيديولوجية وسياسية. اللافت في هذه الحرب لم يكن فقط حجمها العسكري أو امتدادها الزمني، بل طبيعة القوى البشرية التي اندفعت إلى ساحاتها.
فقد برز حضور واضح لمتطوعين من فئات عمرية مختلفة، من مسنين وشباب صغار السن، تمكنوا جميعًا من استيعاب الخطاب الثوري الذي رافق الحرب والتفاعل معه بوصفه جزءًا من معركة وجودية تتجاوز حدود الدولة التقليدية.
هذا التفاعل الواسع مع مفردات الثورة مثل التضحية والصمود والشهادة خلق حالة تعبئة اجتماعية نادرة، حيث لم يعد القتال حكرًا على الجيوش النظامية وحدها، بل تحوّل إلى فعل جماعي تشارك فيه شرائح متعددة من المجتمع.
وفي ظل هذا المناخ التعبوي، أصبحت الحرب امتدادًا طبيعيًا للثورة نفسها، وهو ما ظهر بوضوح في بعض العمليات العسكرية الكبرى التي حملت طابعًا أيديولوجيًا واضحًا، وعلى رأسها ما عُرف لاحقًا بعملية "رمضان".
عملية "رمضان"
بحلول منتصف عام 1982، كانت القوات العراقية قد انسحبت من معظم الأراضي الإيرانية بعد أن فقدت تقريبًا جميع المكاسب التي حققتها منذ بداية الحرب عام 1980.
ورغم أن هذه اللحظة فتحت الباب أمام مبادرات لوقف الحرب، خاصة في ظل انشغال العراق بالسياق الإقليمي بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، فإن القيادة الإيرانية رفضت عروض السلام وبدأت التفكير في نقل المعركة إلى داخل الأراضي العراقية.
وقد أثار هذا القرار نقاشًا داخل طهران بين من رأى أن غزو العراق سيقوّض الموقف الأخلاقي الذي كسبته إيران بعد صدّ الغزو، وبين تيار آخر اعتبر أن اللحظة مناسبة لحسم الحرب واستثمار التعبئة الثورية داخل المجتمع الإيراني.
وفي ظل نشوة النصر التي سادت آنذاك، تم الدفع بعشرات الآلاف من مقاتلي الحرس الثوري ومتطوعي الباسيج إلى خطوط القتال، مستندين إلى خطاب تعبوي يستحضر رمزية كربلاء وثقافة الشهادة.
وعندما بدأت عملية "رمضان" في تموز/يوليو 1982، تقدمت موجات كبيرة من المقاتلين الإيرانيين نحو الدفاعات العراقية في محاولة للوصول إلى البصرة، لكن شبكة التحصينات والمدفعية العراقية الكثيفة أدت إلى خسائر بشرية جسيمة، لتصبح المعركة مثالًا واضحًا على كيفية امتزاج البعد العسكري بالبعد الأيديولوجي في مسار تلك الحرب.
الحرب كوسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الثوري
في تلك الأثناء، شكّل مفهوم تصدير الثورة الإسلامية أحد المرتكزات الفكرية التي حضرت بقوة في الخطاب السياسي الإيراني منذ السنوات الأولى لقيام الثورة.
فقد طرح روح الله الخميني فكرة أن الثورة الإيرانية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حدثًا محليًا يخص إيران وحدها، بل باعتبارها مشروعًا أوسع يحمل بعدًا إسلاميًا يتجاوز الحدود الجغرافية للدولة.
وفي هذا التصور، تصبح الثورة نموذجًا يمكن أن يُلهم الشعوب الإسلامية الأخرى في مواجهة الظلم والهيمنة، وهو ما عبّر عنه الشعار الذي رافق الخطاب الثوري في تلك المرحلة، في إشارة إلى رفض الانخراط في معسكرات الحرب الباردة والسعي إلى صياغة مسار سياسي مستقل.
ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، تحوّل هذا التصور الفكري إلى عنصر أساسي في الخطاب التعبوي داخل إيران. لم تُقدَّم الحرب آنذاك بوصفها مجرد نزاع حدودي مع العراق، بل باعتبارها معركة لحماية الثورة ورسالتها.
في هذا الإطار الأيديولوجي، جرى ربط القتال بمفاهيم دينية مثل الجهاد والشهادة، بحيث أصبح الدفاع عن إيران متداخلًا مع الدفاع عن الثورة نفسها.
وبذلك اكتسبت الحرب معنى يتجاوز بعدها العسكري، إذ صُوّرت كجزء من صراع أوسع بين قوى الاستضعاف وقوى الاستكبار، وهو ما ساهم في تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني ودفعها إلى الانخراط في أجواء التعبئة الثورية.
ورغم أن فكرة تصدير الثورة ارتبطت في المخيال السياسي الإقليمي بإمكانية التوسع العسكري، فإن قادة الجمهورية الإسلامية أكدوا مرارًا أن المقصود بها ليس الغزو بقدر ما هو نشر روح الثورة وقيمها.
وقد عبّر عن هذا المعنى لاحقًا علي خامنئي عندما أشار إلى أن تصدير الثورة يتم أساسًا عبر تقديم نموذج سياسي وثقافي يبرهن على قدرة الشعوب على الاستقلال ومقاومة الهيمنة.
وهكذا جمع الخطاب التعبوي خلال الحرب بين البعد الوطني والديني في آن واحد، حيث عُرضت الحرب بوصفها دفاعًا عن إيران، وفي الوقت ذاته جزءًا من مشروع أوسع لنهوض العالم الإسلامي وإحياء روح المقاومة فيه.
المواجهة مع الولايات المتحدة: استمرار منطق الثورة في السياسة الإيرانية
منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، تراجعت إلى حدّ كبير أصوات الاحتجاجات الداخلية التي كانت قد بلغت ذروتها خلال ما عُرف باحتجاجات إيران 2025–2026.
فقد اندلعت تلك الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 في طهران على خلفية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، قبل أن تمتد سريعًا إلى مدن إيرانية متعددة وتتحول إلى موجة اعتراض واسعة على النظام السياسي.
ومع دخول عام 2026، اتسعت رقعة المظاهرات، وتحدثت تقارير مختلفة عن اعتقال آلاف المتظاهرين وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، في ظل تضارب واضح في الأرقام نتيجة حظر الإنترنت والفوضى التي شهدتها المستشفيات آنذاك.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي أوامر مباشرة بسحق الاحتجاجات بأي وسيلة، وهو ما جعل تلك الأحداث توصف لدى بعض المراقبين بأنها من أعنف محطات القمع في تاريخ إيران المعاصر.
ومع ذلك، فإن اندلاع المواجهة الخارجية لاحقًا ساهم في إعادة توجيه المجال العام نحو خطاب الحرب، وهو ما أدى تدريجيًا إلى خفوت صوت الاحتجاجات أمام تصاعد خطاب التعبئة الوطنية.
لكن على صعيد آخر، في شباط/فبراير الماضي، شدّد المرشد الأعلى علي خامنئي على ضرورة الصمود في مواجهة التوتر مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن القوى الأجنبية سعت دائمًا للعودة إلى الوضع السابق قبل الثورة.
وأكد أن قوة الأمة لا تقتصر على الأسلحة والتقنيات العسكرية فحسب، بل تكمن أيضًا في إرادة وصمود شعبها، داعيًا الإيرانيين إلى إحباط مخططات العدو والحفاظ على استقلالهم الوطني.
وفي الوقت ذاته، أشار مستشار المرشد إلى تقييم إيجابي للمفاوضات التي جرت مؤخرًا في مسقط بين طهران وواشنطن، ما يعكس استمرار منطق الثورة في السياسة الإيرانية عبر الموازنة بين الصمود الداخلي والانفتاح الدبلوماسي الخارجي.
منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، تراجعت إلى حدّ كبير أصوات الاحتجاجات الداخلية التي كانت قد بلغت ذروتها خلال ما عُرف باحتجاجات إيران 2025–2026
مع تصاعد الأحداث ومقتل خامنئي، واشتداد وتيرة المواجهة، تعاظمت نبرة التصعيد في المسألة القومية الإيرانية، متجاوزة أحيانًا بعدها الإسلامي، وطاغية أحيانًا أخرى على الأبعاد الدينية، في محاولة لتأكيد الأمن القومي كمسألة واقعية وليست مجرد تهديد متخيّل.
وقد منح هذا الخطاب السلطة الإيرانية نوعًا من التماسك المؤقت أمام التحديات الداخلية، إذ بدا وكأنها قادرة على الحفاظ على استقرار نسبي وسط أجواء متوترة ومعقدة.
إلا أن هذا المناخ أتاح للشعب الإيراني مساحة للإحساس بالقيم القومية، ما جعل الثورة الإسلامية بمثابة فتيل محتمل لصراعات داخلية، بين خيار حرب أهلية محتملة مع الحرس الثوري الإيراني أو توحّد الشعب تحت راية مدنية أوسع.
وفي الوقت نفسه، ظل الإمام خامنئي رمزًا للثورة في المخيال الشعبي الإيراني.
لكنه ظل يمثل شكل الثورة الأوسع دون التدخل المباشر في الجوانب العملية اليومية، بما في ذلك إدارة الحرس الثوري، ما أعطى الشعب شعورًا بالهوية المشتركة رغم الانقسامات المحتملة في الممارسة الواقعية.
فإن كان لإيران واقع دامغ في التمسك بتفوقها العسكري ورفع راية القيم الإسلامية والثورية، إلا أن الجانب الاجتماعي يعكس واقعًا مختلفًا.
فوفاة الإمام خامنئي خلقت فراغًا داخليًا ملموسًا، لن يتضح أثره بالكامل إلا بعد توقف الحرب وانحسار الضغوط الخارجية، حين تصبح الاختلافات الداخلية والمطالب الاجتماعية أكثر وضوحًا.
وفي هذه المرحلة، سيُختبر مدى قدرة المؤسسة الثورية على الحفاظ على تماسكها الداخلي دون الشخصية الرمزية التي ظلت تمثل محور الوحدة في المخيال الشعبي الإيراني.