إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك
7 سبتمبر 2026
قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين.
وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تناولتها شبكة "بي بي سي" إلى أن ما يعرف بـ"المشاركة الغذائية" أو Commensality، أي تناول الوجبات مع أشخاص آخرين، يرتبط بمستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة، وقد يساعد في تقليل مخاطر الاكتئاب، وربما يساهم أيضًا في حماية الدماغ من التدهور المرتبط بالتقدم في العمر.
ويقول جان-إيمانويل دي نيف، أستاذ الاقتصاد والعلوم السلوكية في جامعة أكسفورد، إن مشاركة الطعام تمثل آلية أساسية لبناء الروابط والثقة والتواصل بين البشر، مشيرًا إلى أن آثارها تتجاوز مجرد الاستمتاع بالطعام لتصل إلى الصحة والرفاهية.
الوجبة المشتركة والصحة النفسية
ركز جانب كبير من الأبحاث على العلاقة بين تناول الطعام برفقة الآخرين والصحة النفسية. وفي دراسة شملت 9361 امرأة صينية تبلغ أعمارهن 60 عامًا فأكثر، وجد الباحثون أن عدد الأشخاص الذين يجلسون حول المائدة أثناء الوجبات كان مؤشرًا واضحًا على خطر الإصابة بالاكتئاب.
قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين
وظلت العلاقة قائمة حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل الحالة الصحية والوضع الاقتصادي وما إذا كانت المرأة تعيش بمفردها أم لا، ما دفع الباحثين إلى الاستنتاج بأن مشاركة الطعام قد تكون لها آثار خاصة على الصحة النفسية، وليس مجرد انعكاس للحياة الاجتماعية بشكل عام.
وتدعم أبحاث أخرى النتيجة نفسها. فقد وجد باحثون في طوكيو أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و74 عامًا ويعيشون مع عائلاتهم، لكنهم يتناولون الطعام بمفردهم، كانوا أكثر عرضة بخمس مرات لظهور أعراض الاكتئاب مقارنة بمن اعتادوا تناول الطعام برفقة الآخرين.
السعادة على مائدة الطعام
من أبرز الأدلة الواسعة على العلاقة بين الطعام والحياة الاجتماعية، البيانات التي جُمعت ضمن تقرير السعادة العالمي. وفي عام 2024، أضيفت إلى الاستطلاع العالمي أسئلة حول عدد المرات التي تناول فيها المشاركون الغداء والعشاء مع أشخاص يعرفونهم خلال الأسبوع السابق. وشملت البيانات نحو 150 ألف شخص حول العالم.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين شاركوا وجبات أكثر مع الآخرين سجلوا مستويات أعلى من الرفاهية العاطفية. وكان الارتباط قويًا إلى درجة أن عدد الوجبات المشتركة كان، وفق الباحثين، مؤشرًا على الرضا عن الحياة بمستوى يقارن بعوامل معروفة بتأثيرها الكبير في السعادة، مثل الوضع الوظيفي والدخل النسبي.
لكن الباحثين يحذرون من أن مشاركة الوجبات قد تكون جزئيًا مؤشرًا على حجم الحياة الاجتماعية للشخص عمومًا، وليس بالضرورة سببًا مستقلًا لكل هذه الفوائد.
لماذا نشعر بسعادة أكبر أثناء الأكل مع الآخرين؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بآليات بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالأنثروبولوجي البيولوجي روبن دنبار يشير إلى أن تناول الطعام قد يحفز نظام الإندورفين في الجسم، وهي مواد كيميائية ترتبط بالشعور بالمتعة والراحة. ومن الممكن أن يؤدي وجود أشخاص آخرين إلى تعزيز هذا التأثير، فتتحول الوجبة من مجرد عملية لتزويد الجسم بالطاقة إلى تجربة اجتماعية تعزز الشعور بالانتماء والتقارب.
والأمر لا يتعلق فقط بالمشاعر، إذ تشير تجارب إلى أن وجود الآخرين قد يجعل الطعام نفسه أكثر متعة. ففي سلسلة من الدراسات، وجد باحثون أن الأشخاص الذين تناولوا الشوكولاتة برفقة شخص آخر وصفوا مذاقها بأنه أفضل مقارنة بتناولها بمفردهم.
هل يمكن للطعام أن يحمي الدماغ؟
الفوائد المحتملة لا تتوقف عند الصحة النفسية، ففي عام 2025، وجد باحثون يابانيون أن الأشخاص الذين يتناولون الطعام بمفردهم بانتظام لديهم أحجام أقل في مناطق معينة من الدماغ ترتبط بالوظائف المعرفية، بما في ذلك الفص الصدغي الإنسي والحُصين. ولا يعني ذلك أن تناول الطعام منفردًا يسبب الخرف مباشرة، لكن النتائج أثارت اهتمام الباحثين بشأن العلاقة بين العزلة الاجتماعية وصحة الدماغ على المدى الطويل.
وقد يكون النظام الغذائي أحد التفسيرات، إذ يميل الأشخاص الذين يتناولون الطعام بمفردهم إلى استهلاك أطعمة أقل تنوعًا أو أقل قيمة غذائية. لكن الباحثين وجدوا أن النظام الغذائي وحده لا يفسر جميع الفروق التي ظهرت في الدماغ، وهنا يبرز احتمال أن يكون التواصل الاجتماعي المصاحب للوجبات جزءًا من المعادلة.
فالأحاديث والنقاشات أثناء الطعام قد توفر تحفيزًا ذهنيًا مستمرًا، بينما يمكن للدعم الاجتماعي والمتعة الناتجة عن الصحبة أن يساعدا في تخفيف التوتر، وهو عامل معروف بارتباطه بالتدهور العصبي.
وكان المشاركون في الدراسة يتمتعون بوظائف معرفية طبيعية، لكن الباحثين حذروا من أن التغيرات العصبية من هذا النوع قد ترتبط مستقبلًا بزيادة قابلية الإصابة بالخرف.
إيطاليا.. ثقافة المائدة في مواجهة العزلة
تختلف عادات تناول الطعام الجماعي بشكل كبير بين البلدان، وبحسب البيانات الواردة في تقرير السعادة العالمي، يتشارك اليابانيون في المتوسط أقل من أربع وجبات أسبوعيًا، بينما يرتفع الرقم إلى نحو 7 أو 8 وجبات في بريطانيا والولايات المتحدة، ويقترب من 9 وجبات أسبوعيًا في إيطاليا، ولا تبدو النتيجة الإيطالية مفاجئة في ظل المكانة التي تحتلها المائدة في الثقافة المحلية.
فعندما منحت اليونسكو المطبخ الإيطالي مكانة التراث الثقافي غير المادي، أشارت إلى الدور الذي تلعبه الوجبات في ربط العائلات والمجتمعات، سواء في المنازل أو المدارس أو المهرجانات والمناسبات الاجتماعية. وتحاول إيطاليا أيضًا مواجهة الضغوط التي تهدد هذه الثقافة، وفي مقدمتها تسارع نمط الحياة وانتشار الوجبات السريعة.
ومن أبرز الأمثلة حركة الطعام البطيء "Slow Food" التي انطلقت في إيطاليا قبل نحو 50 عامًا، كرد فعل على انتشار ثقافة الوجبات السريعة، مع التركيز على حماية التقاليد المحلية وتشجيع الاستهلاك المستدام وإعادة الطعام المشترك إلى مركز الحياة اليومية.
ماذا لو كنت تتناول الطعام وحدك؟
قد تبدو النصيحة بسيطة: ابحث عن شخص وشاركه وجبتك، وتشير مجموعة من الدراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن البشر يميلون إلى التقليل من تقدير مدى رغبة الآخرين في قضاء الوقت معهم، ما يعني أن الشخص الذي يشعر بالوحدة قد يفترض أن الآخرين غير مهتمين بمرافقته، بينما قد يكون الواقع مختلفًا تمامًا.
لذلك، قد تكون دعوة صديق أو قريب أو زميل لتناول وجبة معًا خطوة صغيرة لكنها مؤثرة. وفي إيطاليا، ظهرت حتى حلول تكنولوجية لهذه المشكلة. ففي عام 2019، أطلق رائد الأعمال باولو بافارو تطبيق Tablo لربط الأشخاص الذين لا يجدون من يتناولون الطعام معه، واستخدم التطبيق أكثر من 300 ألف مرة.
ويستهدف التطبيق توسيع الدائرة الاجتماعية للمستخدمين، وليس المواعدة، خصوصًا الشباب الذين قد يجدون صعوبة في تكوين صداقات جديدة بسبب العمل أو انتقال الأصدقاء إلى مراحل جديدة من حياتهم.
كما أظهرت تجربة في جامعة ستانفورد، عُرفت باسم "المواعيد الأفلاطونية"، أن جمع الطلاب الخجولين في لقاءات غير رومانسية داخل مقهى جامعي ساعد في تعزيز ثقتهم الاجتماعية، مع احتمال استمرار آثار هذه التجارب على المدى الطويل.