إنهم يكتبون دستورنا!

إنهم يكتبون دستورنا!

الشرعية التي فقدها النظام داخليًا وعربيًا ودوليًا منذ 2011 سيستعيدها عبر هذه اللجنة (Getty)

منذ أن أعلنت الأمم المتحدة رسميًا الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية المكلفة كتابة دستور لسوريا، وتم نشر قائمة الأسماء النهائية المعتمدة حتى ضج سوريون بالخبر. الكثير من المقالات والتغريدات والبوستات، والكثير من البيانات والوسومات والهاشتاغات أطلقها سوريون تعبيرًا عن رفضهم الذي ظهر قاطعًا ونهائيًا لهذه اللجنة.

أكثر الدساتير العالمية تقدمًا وعدالة لن تفيد بشيء طالما أن نظام الأسد هو المعني بتطبيقها

كانت أكثر التعابير تلقائية هو أن السوريين لم يثوروا ويضحوا على هذا النحو غير المسبوق بسبب الدستور، وأن أكثر الدساتير العالمية تقدمًا وعدالة لن تفيد بشيء طالما أن هذا النظام/ نظام البراميل هو المعني بتطبيقها، فالسوريون يعرفون أن الأسد -أبًا وابنًا- لم يحكم وفق آليات دستورية ولم يحتكم للدستور ولا مرة واحدة، خاصة أن وصول الأسد الابن للسلطة تم عبر تعديل الدستور الذي وضعه الأسد الأب ذاته خلال ربع ساعة ليكون على مقاس الأسد الابن. 

اقرأ/ي أيضًا: ماذا بعد تشكيل لجنة الدستور السوري؟

إلا أن الموضوع الأكثر أهمية هو أن تشكيل لجنة دستورية لكتابة دستور، وقد حدث ما حدث في سوريا، هو انتهاك صفيق للقرار الدولي 2254 الذي أكد على ضرورة تطبيق بيان جنيف 2012. نص القرار الأممي على تشكيل هيئة حكم انتقالية بعد مفاوضات محددة المدة تستمر لستة أشهر، ثم تتم كتابة دستور جديد للبلد،  وتمهد الهيئة الانتقالية لانتخابات تشريعية ورئاسية وفق الدستور الجديد خلال ثمانية عشر شهرًا. ولم ينص القرار على أي إشارة لتشكيل هذه اللجنة قبل تشكيل هيئة الحكم المذكورة.

الأمر الذي يعني أن الشرعية التي فقدها النظام داخليًا وعربيًا ودوليًا منذ 2011 سيستعيدها عبر هذه اللجنة التي سوف تُظهره بأنه يسير بالحل السياسي الأممي وفق الآليات القانونية التي صاغتها الأمم المتحدة ذاتها. هذه الشرعية هي ما أرادته روسيا، حرفيًا، منذ أن أعلنت عام 2017  أن الحل السياسي في سوريا يبدأ بصياغة دستور جديد وقد أعلن حينها لافروف أن “الحرب انتهت”، انتهاء الحرب يعني، قانونيًا وسياسيًا، بدء الحل السياسي، وقد وافقت حينها الأمم المتحدة على ذلك على خلفية فشلها المرة تلو المرة في إيجاد حل ما لأية قضية طارئة على الحدث السوري حتى على مستوى قضية تقديم مساعدات إنسانية للمتضررين السوريين وللمحاصرين في مدن وبلدات عديدة، فكان المقترح الروسي بدستور جديد تبدأ العملية السياسية به بمثابة المخرج العريض لأزمة الأمم المتحدة في سوريا. ضمن هذه الظروف المشبوهة والتي فرضتها روسيا بالقوة العسكرية جرى تقديم مقترح الدستور.  

يرى خبراء قانونيون أن الدستور الجديد (إن كان سيكتب من جديد، أو سيعدل دستور النظام الحالي الذي وضعه 2012، إذ من غير المعروف لحد هذا التاريخ أي الصيغتين سيتم العمل بها) ينطوي على العديد من المشاكل الإجرائية. فسوف يتم التصويت على مواده بعدد 113 صوتًا من مجموع أعضاء اللجنة البالغة 150 عضوًا والموزعة بنسب: 50 عضوًا يمثلون النظام، و50 عضوًا يمثلون المعارضة،و50  عضوًا يمثلون المجتمع المدني. وهذه القائمة الأخيرة هي التي فشلت في إعدادها أيضًا الأمم المتحدة فسلمتها لأستانة: روسيا، تركيا، إيران، وقد انتهت بضمان أن غالبية أعضائها هم مؤيدون لنظام الأسد، وهذا الأمر الأخير هو الذي جعل النظام يوافق على اللجنة أصلًا، أي ضمن، بواسطة روسيا، أغلبية أعضاء اللجنة الدستورية.

كما يعني أيضًا أنه هو الذي سيكتب الدستور أو سيعدله. فبحساب بسيط نرى أن حصول المعارضة على الأغلبية يبدو مستحيلًا! وأن اللجنة حتى لو توافقت على الكثير من المواد (المحايدة/ أو العامة) فإنها لن تتوافق على مواد صلبة ومهمة مثل صلاحيات الرئيس، وهذا ما نعرفه كسوريين من خبرتنا الطويلة والمريرة معه، لا سيما خبرتنا معه خلال الثورة ورفضه التام لكل مقترحات العالم بتسوية يمكن أن تفضي إلى مشاركته الحكم، ولو شكليًا، من قبل بعض المعارضين.

ومن المشاكل الإجرائية أيضًا أنه سيتم عرض الدستور على الاستفتاء العام ما يعني أنه لن يكون دستورًا رسميًا قبل الاستفتاء، وأنه لن تتم الدعوة للاستفتاء العام بموجبه بل بموجب دستور النظام الحالي (دستور 2012)، ما يعني أيضًا أن بشار الأسد هو الذي سيدعو للاستفتاء، وهذا ما يضفي المشروعية على حكمه وعلى سياساته وممارساته منذ أن انتزعت منه الشرعية في العام 2011!  وهذا بدوره قد يعفيه من المساءلات القانونية المحلية والدولية بسبب ارتكابه جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين، ذلك أن شرعيته تحميه وتجعله يبدو وكأنه تصرف طيلة تلك الفترة وفق القانون ووفق مبدأ سيادة الدول! وإن لم تعفه منها، فسوف تمنحه الكثير من المبررات التي يمكن أن تفضي إلى عدم محاكمته أو إلى عدم مسؤوليته... الأمر الذي يهدر حقوق السوريين.

إضافة إلى ذلك فإن مشاركة النظام كتابة دستور تجعل النظام مجرد طرف من أطراف النزاع وليس مسببًا له، وتجعل الصراع يبدو وكأن السوريين قد يقبلون النظام الذي فعل ما فعل بهم بعد (حل) المشكلة القانونية/ الدستورية، وهذا تمييع لما حدث وتحريف له وتزييف من أنه ثورة ضد نظام بهدف الإطاحة به إلى مجرد صراع لمشاركته السلطة (قانونيًا). 

أيضًا، وحيث أن سوريا بلد محتل من أكثر من دولة وميليشيا وأن السوريين مبعدين عن اقتراح حلول فعلية لمأساتهم والمشاركة فيها فإننا نعلم أن الحل، ضمن هذه الظروف، دولي أولًا ومرهون باتفاق وتوافق دولي ما يعني أن اللجنة الدستورية: مؤيدين ومعارضين ومجتمع مدني سيكون عملها مجرد تنفيذ لإرادات دولية، وتحديدًا لإرادة الأقوى التي هي هنا روسيا. 

اقرأ/ي أيضًا: اللجنة الدستورية قيد الإنجاز.. هل سيكون لبشار الأسد مستقبل سياسي؟

غالبًا فالدستور لن يكتب خلال فترة معلومة، وأن عبارة وليد المعلم “سنغرقكم بالتفاصيل” هي المعمول بها خلال عمل هذه اللجنة، وأن الدستور سوف يرى النور في الوقت الذي تحتاج روسيا أن يرى النور، في وقت انتخابات الرئيس عام 2021 مثلاً!      

مع ذلك، وبالإضافة إلى كل أسباب رفض هذه العملية، وعدم أهمية البحث  في أسماء المشاركين، فإن اللجنة بلوائحها الثلاثة تبدو فقيرة إلى حد يثير الاشمئزاز إلى خبراء قانونيين ودستوريين، وهذا لا يسبب مشكلة للنظام لأن تعليماته للجنته جاهزة، فالقرار واحد ومركزي، أما بالنسبة للأسماء المعارضة سواء بقائمة المعارضة أو بقائمة المجتمع المدني  فقد بدت، في قسم منها، مجهولة على نحو مريب أو لا سابق لها بعمل قانوني أو حتى مدني ولا حتى سياسي: أسماء قابلة للتداول والتبادل والارتهان وتنفيذ المطلوب، وقد وافق النظام، مقدمًا، على أغلبها. 

اللجنة الدستورية هي لجنة إضفاء الشرعية على نظام قاتل، هي لجنة وظيفية يبدو أن لا مهمة أخرى لها، ولا وظيفة. وبالتالي فإن مجرد المشاركة بهذه المهزلة يحمّل المشاركين مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية أمام السوريين.

الشرعية التي فقدها النظام داخليًا وعربيًا ودوليًا منذ 2011 سيستعيدها عبر هذه اللجنة التي سوف تُظهره بأنه يسير بالحل السياسي الأممي وفق الآليات القانونية

ربما أن الثورة، في عرف اللجنة وفي عرف آخرين، هُزمت، لكن السوريين يعرفون أنهم ناضلوا بكافة أشكال النضال وطرقه ومسالكه، وضحّوا على نحو يعرفه العالم بأسره كي تنتصر ثورتهم، أما وأنها، كما يمكن أن يقال، هُزمت، فقد هُزمت مكللة بالشرف، هزيمة مشرفة بالمعاني الإنسانية والأخلاقية والتاريخية التي تعنيها الهزيمة المشرفة، أما هذه اللجنة فتريد أن تنزع هذا الشرف التي يكلل جبين  الثورة، وإن رفض سوريين كثيرين لهذه اللجنة والتبرؤ منها يعني، على نحو ما، أو بشكل حاسم، أن روح مقاومة الهزيمة لم تزل متقدة عندهم. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مبادرة "سوريا الاتحادية".. أرض بلا شعب

قراءة مختلفة للثورة السورية في 3 كتب