"إنها أجمل سنين حياتك" لماذا كذبوا علينا؟

شباب ثورة الـ25 من يناير (فيسبوك)

لا أتذكر المرة الأولى التي سمعت فيها تلك العبارة "إنها أجمل سنين حياتك"، ربما أخبرني بها والدي وأنا في السنة الثالثة بالثانوية العامة قبل التحاقي بالجامعة، لا أعلم الآن هل كان يعنيها حقًا، أم كانت مجرد تحفيز حتى أجتهد وأحصِّل أكبر قدر من الدرجات تؤهلني للالتحاق بكلية محترمة من كليات القمة.

أنتظر الآن أيامًا ليست بالكثيرة حتى أنهي رحلتي الجامعية، أتخرج في كلية من كليات القمة كما أراد والدي، فقد التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة قسم الإذاعة والتلفزيون، شاءت الأقدار أن تكون السنة الأولى لي في الجامعة متزامنة مع فض اعتصام رابعة العدوية، وهكذا بدأت أجمل سنين حياتي. الله يسامحك يا حاج.

كنا بين نارين، نار االإخوان ونار الداخلية وظلمها، فنحن قد نقتل في انفجار على باب الجامعة، أو نساق قسريًا لإحدى الجهات السيادية

تمر الأيام في السنة الدراسية الأولى، حتى نفاجأ بمقتل زميلتنا رقية في فض اعتصام رابعة العدوية. بداية غير مبشرة لأحلى سنين حياتي.

اقرأ/ي أيضًا: تداع حر في عالم يتهاوى

لم أكن من سكان القاهرة، كنت طالبًا مغتربًا قادمًا من حدود البلاد الشمالية الشرقية، تحديدًا من أسخن المناطق الآن على الساحة المحلية والدولية، من محافظة شمال سيناء مدينة العريش، وهذا ما دفعني للالتحاق بالمدينة الجامعية لجامعة القاهرة، لم أمكث فيها أكثر من شهر حتى هجمت علينا قوات الأمن المركزي بالغاز المسيل للدموع في مناوشات مع طلاب الإخوان في أعقاب فض اعتصامهم في رابعة، قررت أن المدينة الجامعية مكان غير آمن حتى أستقر به، فعزمت الرحيل منها.

تندلع مظاهرات طلاب الإخوان في الجامعة، نسمع أخبار الاعتقالات تلاحق عددًا من زملائنا في الكلية والجامعة، هناك طلاب لا نعلم كيف انتهى مصيرهم، كان الصراع شديدًا دمويًا، متفجرات كل يوم عند باب الجامعة في محاولة للثأر من الأمن المركزي.

خلال تلك الأيام لأول مرة في تاريخ الجامعات يتواجد الأمن المركزي داخل أسوارها، بمجموعات كبيرة ومسلحة، والمثير للسخرية والشفقة أنهم أتوا إلينا بالقوات الخاصة والضباط المقنعين خلف اللثام الأسود. فهل الطلاب حتى لو كانوا ينتمون للفصيل الإخواني مرعبين للدولة بهذا الشكل؟

لم يكن الطلبة في حالة رضا عن تولي السيسي للحكم، لكن لا أحد يستطيع أن يجاهر بهذا فسوف يتم إلصاق تهمة الإخوانية به

كنا بين نارين، نار الإرهاب الإخواني ونار الداخلية وظلمها، فنحن قد نقتل في انفجار على باب الجامعة، أو نساق قسريًا لإحدى الجهات السيادية.

مساحات الحرية وإبداء الرأي ضاقت علينا، شيئًا فشيئًا ظهر قانون المظاهرات، عاد الإخوان فزاعة من جديد حتى يختبئ وراءها نظام عسكري قمعي، وقيادات الإخوان لديهم من الغباء ما زكى ذاك الاتجاه لدى عوام الشعب، لا طاقة لنا للحديث عما فعله الإخوان من حرق وهدم وتفجير.

انقضى عامنا الأول من أحلى سنين حياتنا في مظاهرات واعتقالات، ثم يأتي العام الثاني ويصل السيسي إلى سدة الحكم، ويصل معه الفصيل العسكري إلى كافة مفاصل الدولة المصرية بالأخص الجامعات.

لم يكن الطلبة في حالة رضا عن تولي السيسي للحكم، لكن لا أحد يستطيع أن يجاهر بهذا فسوف يتم إلصاق تهمة الإخوانية به، ما زالت حملة الاعتقالات مستمرة، خلال هذه الفترة أيضًا كان لدينا الكثير من الزملاء القادمين من سوريا أحببناهم وألفنا وجودهم، لكن للأسف وجودهم لم يستمر فقد رحل الكثير منهم في أعقاب الإجراءات التي اتخذتها الدولة ضدهم على خلفية الأخبار التي أكدت مشاركة عدد كبير من السوريين في اعتصام رابعة.

اقرأ/ي أيضًا: أطول رحلة في التاريخ

تم ترحيل عدد منهم والباقي لم يجدد له الإقامة، وهناك من ضاق عليهم العيش في رحب المحروسة، بسبب غلق عدد من المشاريع ورفض تجديد عقود العمل لبعض منهم، والنتيجة أنه انقضى عامنا الثاني في رحيل جزء أصيل مننا، ليأتي عامنا الثالث وقد اشتد بنا الإحباط واليأس وتراجعت الروح التي خلقتها فينا ثورة يناير العظيمة رويدًا رويدًا، الأسعار تشتعل في الأسواق، "والحالة تعبت" ولم يكن لنا من وسائل الترفيه والتعبير بعدما أنهكنا الحديث في السياسة سوى الأفلام والكرة العالمية والمزيكا.

عامنا الثالث شهد حالة من الفزع بعد اختفاء صديق لنا أثناء سيره في شوارع القاهرة، قبل يوم من الذكرى الخامسة لثورة يناير، أيامنا الحلوة بتزيد حلاوة، فنحن لا نعلم أين اختفى صديقنا الذي لم يكن له لا ناقة ولا جمل في حراك سياسي على الأرض.

كل ما أرجوه هو أن أتخرج من هذا السجن الملون الذي يسمى الجامعة

الحمد لله عاد لنا صديقنا بعد خروجه من أمن الدولة الكائنة في وسط البلد بالقاهرة، يأتي العام الرابع، كل ما أرجوه هو أن أتخرج من هذا السجن الملون الذي يسمى الجامعة على خير، تسير داخل الحيط، لكن الأقدار لم تشأ أن تكتمل حلاوة أحلى سنين حياتنا، إلا بإضافة المزيد من البهجة والحلاوة عليها.

انتهينا من الترم الأول على خير، وخلال عطلة منتصف العام، نفاجأ أن صديقنا حسين قد تحول إلى التحقيق لأن هناك شخصًا، قام بإنشاء حساب مزيف على موقع "فيسبوك" يحمل اسم حسين وصورته وقام بشتم عميدة الكلية ووكيلها، لنفاجأ بعدها أن حسين قد أحيل للتحقيق وتم فصله من الدراسة. كأن رحلتنا في أجمل سنين حياتنا محسودة من البداية.

لا نعلم كيف ستنقضي الأيام الأخيرة لنا في رحاب حياتنا الجامعية، لكن خلال كل هذا قد تخلل أيامنا جزء من الفرح والبهجة، لكن كانت قليلة جدًا، والأكيد أنها اختنقت وماتت في ظلال الأحداث السوداء.

لم أشأ أن أحدثكم عن "اللي حب ولا طالش"، لم أشأ أن أحدثكم أن الجامعة هي المكان الأول الذي سيربي فيك اليأس والخوف والهم.

لا تحب، لا تعبر عن رأيك، لا تجتهد كثيرًا في الدراسة، حينها فقط قد تكون أجمل سنين حياتك، ولا تسأل مثلي لماذا كذبوا علينا؟!

اقرأ/ي أيضًا:
إيموجي المشاعر الميتة
عيش بالحدّ الأدنى من الذكريات