إنفوغراف: المخدرات في مصر.. أرقام مرعبة

إنفوغراف: المخدرات في مصر.. أرقام مرعبة

الأرقام حول تعاطي المخدرات وانتشارها مرعبة في مصر (محمد عابد/أ.ف.ب)

قبل أيام قليلة، تداول مستخدمو مواقع التواصل في مصر مقطع فيديو يظهر فيه عدد من سائقي إحدى القطارات وهم يتعاطون المخدرات ويرقصون على أنغام صاخبة في قمرة القيادة خلال إحدى رحلات القطار. ورغم إسراع رئيس هيئة السكك الحديدية بتأكيد أن "الفيديو تم تصويره فى شهر كانون الثاني /يناير 2015 داخل قطار تجديدات قضبان السكك الحديدية"، إلا أنه فتح الحديث مجددًا عن أزمة انتشار المخدرات في مصر وفشل جهود الحكومات المتعاقبة في معالجة المشكلة.

كشف بحث أن الأطفال والشباب في الفئة العمرية من 10 إلى 25 سنة هم الأكثر عرضة للإدمان في مصر إضافة إلى غير المتزوجين والمدخنين

في العام الماضي، كشف بحث ميداني قامت به الأكاديمية فاطمة الجزار، المدرس المساعد بكلية الطب جامعة طنطا، عن الارتباط بين ازدياد حوادث الطرق في مصر وبين تعاطي أنواع المخدرات المختلفة. شمل البحث سائقين دخلوا مستشفى طوارئ طنطا ومستشفى كفر الزيات العام بسبب حوادث الطرق، وأظهرت نتائج التحاليل الطبية إدمان نسبة 62% ممن شملتهم عينة البحث، 32% منهم أعطوا نتيجة الإدمان لنوع واحد فقط، و30% كان إدمانهم لأكثر من نوع. كذلك، أظهرت النتائج انتشارًا كبيرًا للحشيش بين السائقين بنسبة 70%، فيما جاء الترامادول (مسكن ألم مركزي له مفعول مقارب للكوكايين) في المرتبة الثانية بنسبة 38%، والمهدئات والمنومات فى المرتبة الثالثة بنسبة 19%.

ومن نتائج البحث المثيرة للاهتمام، ما كشف عن أن الأطفال والشباب في الفئة العمرية من 10 إلى 25 سنة هم الأكثر عرضة للإدمان، بالإضافة إلى غير المتزوجين والمدخنين. وأوصت فاطمة الجزار في بحثها بضرورة الكشف الدوري عن أدوية الإدمان لكل السائقين الذين سجلوا حوادث طرق وجاؤوا إلى أحد مستشفيات الطوارئ فى كل المحافظات، وذلك لمساعدتهم في التخلص من الإدمان بعرضهم على إحدى المستشفيات المتخصصة في علاج الإدمان في محاولة لإنقاذهم وللحدّ من الحوادث المرورية.

اقرأ/ي أيضًا: قصص مؤلمة من عالم المخدرات

أرقام مرعبة

العينة التي شملها البحث السابق لم تتعد المئات، ولكن نتائجها ودلائلها لم تبتعد كثيرًا عن الصورة الكبيرة لخريطة تعاطي المخدرات في مصر. ففي ضوء الأرقام التي كشفتها بيانات وزارة التضامن وإحصائيات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان للعام الماضي، بلغت نسبة تعاطي المخدرات في مصر 10%، وهي ضعف النسبة العالمية التي تسجل 5%، وينتشر الإدمان في المرحلة العمرية ما بين 15 إلى 60 سنة، مع انخفاض سن التعاطي إلى 10 و11 سنة، كما تعاني بعض الفئات المجتمعية من انتشار حقيقي للمخدرات فيما بينهم، مثل السائقين والحرفيين، حيث انتشرت المخدرات بين السائقين بنسبة 24% والحرفيين 19% من نسبة المدمنين في مصر، كما أن 80% من الجرائم "غير المبررة اجتماعيًا" تقع تحت تأثير تعاطي المخدرات مثل جرائم الاغتصاب وزنا المحارم ومحاولة الأبناء التعدي على آبائهم.

وتحتل مصر المركز الأول عالميًا في تعاطي المخدرات نسبة لعدد سكانها، وتتجاوز تجارة المخدرات داخل أراضيها الـ 400 مليار جنيه (حوالي 7 مليار دولار). الترامادول هو الأكثر انتشارًا بين المدمنين بنسبة تصل إلى 51% من نسبة المدمنين، بينما الحشيش هو المخدر الأكثر تعاطيًا. العاصمة القاهرة تتصدر قائمة المدن المصرية في عدد المدمنين بنسبة 33%، تليها محافظات الصعيد، وتصل نسبة التعاطي بين الإناث إلى 27%.

تحتل مصر المركز الأول عالميًا في تعاطي المخدرات نسبة لعدد سكانها، وتتجاوز تجارة المخدرات داخل أراضيها الـ 400 مليار جنيه

وبمقارنة هذه الأرقام بمثيلاتها في السنوات السابقة، نجد ازديادًا متتاليًا لحجم تجارة المخدرات منذ العام 2013، حيث وصل مقدار التجارة لحوالي 2.8 مليار دولار عام 2013، وفقًا لما جاء على لسان وزير الشباب والرياضة المصري خالد عبد العزيز خلال لقائه عددًا من الشباب في آب /أغسطس 2014. وفي مطلع عام 2015 ارتفع الرقم مرة أخرى إلى 3 مليارات دولار، وفقاً لتقرير لشبكة المعلومات العالمية للمخدرات "GINAD" الصادر عام 2014، وجاءت مصر في المركز الـ 12 بين أكثر الدول استخدامًا للحشيش، وفقًا لتقرير المخدرات العالمي الذي تصدره الأمم المتحدة سنويًا عن أوضاع المخدرات في العالم.

رغم ذلك، يرى مختصون في مجال علاج وتأهيل المدمنين أن نسبة الإدمان في مصر أكبر مما تظهره الأرقام الرسمية، مثلما يقول محمد إبراهيم، معالج نفسي في أحد مراكز التأهيل، في حديثه لـ "ألترا صوت". ويوضح إبراهيم أن النسبة الواردة في الإحصائيات الرسمية تكون غالبًا للمتعاطين الدوريين بينما يصعب الإلمام بنسبة من يتعاطوا المخدرات على سبيل التجربة أو على فترات متقطعة، مشيرًا إلى حالة من التعقيد تلفّ عملية تعاطي المخدرات نفسها بما يجعلها مسألة متشابكة ومتعددة الأطراف ويصعب القطع بصحة نتائج الدراسات والأبحاث التي تتناولها. ويلفت إبراهيم النظر إلى قصور التعامل الحكومي مع المشكلة، "فرغم وجود أكثر من 10 مليون مصري مدمن، ليس متاحًا سوى أقل من 700 سرير على مستوى الجمهورية لعلاج الإدمان في المستشفيات الحكومية"، حسب قوله، كما تعاني مراكز التأهيل الخاصة من غياب الرقابة والمتابعة وارتفاع تكاليف العلاج.

اقرأ/ي أيضًا:  عرابة الكوكايين التي سبقت بابلو إسكوبار

انتقادات للدولة

في المقابل، تكتفي الدولة بإطلاق الحملات الإعلانية وإطلاق مسؤوليها للتصريحات حول خطورة الإدمان وكوارثه الاقتصادية، من دون أن تعلن عن أي خطة ممنهجة وشاملة لمواجهة الأزمة المجتمعية المستشرية، ولعل ذلك يتضح في أداء صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، الذي كان سببًا في موجة غاضبة واسعة قبل شهر رمضان قبل الماضي بعد إعلان رئيسة مجلس إدارته، غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، عن تخصيص مبلغ مليون جنيه من الصندوق كدعم للمسلسلات التى تخلو من مشاهد التدخين والمخدرات، وهو القرار الذي شهد تراجعًا عنه في رمضان الماضي بعد فشل أي مسلسل درامي في الفوز بالجائزة.

أنشئ الصندوق عام 1991 ووصلت ميزانيته إلى 195 مليون جنيه في موازنة عام 2016/ 2017، تتأتى من عائد الغرامات الموقعة على تجار المخدرات على مدار العام، ولكنه يواجه انتقادات كثيرة تتعلق بجدواه وتأثيره ومطالبات بإلغائه، في ظل استمرار معدلات الإدمان المتزايدة وفشله في إحداث أي تأثيرات خارج بياناته الرسمية، التي يؤكد فيها بصورة متكررة نجاحه في مهمته. وتشمل الانتقادات الموجهة للصندوق الحكومي انعدام تأثيره على أرض الواقع فى ظل الميزانية المصروفة له، واتباعه نفس الأساليب التقليدية في حملاته التوعوية، وتحوله إلى كيان حكومي لإنشاء تقارير سنوية فقط دون العمل على محاربة الإدمان والمخدرات، واقتصار الاستفادة من ميزانيته على مجموعة محدودة من الأشخاص بوزارة الصحة بدلًا من صرفها على أداء الدور المطلوب.

يواجه صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي في مصر انتقادات كثيرة تتعلق بجدواه وتأثيره ومطالبات بإلغائه

ويضع الصندوق خمسة أهداف ضمن برنامجه الرسمي، من بينها تطوير وتنفيذ السياسات العامة والنوعية فى مجال مكافحة وعلاج الإدمان، وتنفيذ البرامج والأنشطة للوقاية من التدخين والمخدرات، وإعداد الشباب وتمكينه من مناهضة التدخين والمخدرات، وإتاحة وتوفير ودعم خدمات العلاج والتأهيل المجاني للمدمنين. كما يشير الموقع الرسمي للصندوق إلى جهوده في الشأن، والتي من بينها تعزيز التعافى الكامل للمدمنين وسعيه لبناء قدرات الكوادر العاملة فى مجال مكافحة وعلاج الإدمان. ولكن ما بين الكلام النظري والتطبيق العملي بون شاسع، يوضحه عبد الرحمن حماد، مدير وحدة علاج الإدمان بمستشفى الصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة، في حديث صحفي يشير فيه إلى أن "الصندوق يحتاج إلى تطوير كبير لمواكبة البرامج العالمية، إضافة إلى الاستعانة بالكوادر القادرة على إحداث فارق، وضخ دماء شابة".

أسباب الانتشار الكبير

الانتشار الكبير للمخدرات في مصر يطرح تساؤلات ملحّة عن تفسير أسبابه، بحثًا عن تقليل حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المتولدة عن تزايد أعداد المدمنين في مصر، ولا سبيل لفهمها سوى بقراءة سوق وواقع المخدرات في مصر وطبيعة المدمنين وصفاتهم، بحسب ما يقول أسامة النجار، أستاذ علم الاجتماع، لـ "ألترا صوت". ورغم أن النجار يربط خريطة استهلاك المخدرات في مصر بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإن "الحشيش هو المخدر الأكثر انتشارًا في مصر رغم الغلاء المضطرد في سعره لارتباطه بسعر الدولار، وكذلك الترامادول ومشتقاته، وهذا يعطي إشارات دالة على حقيقة الضرر الاقتصادي الواقع على الأسر والأفراد المرتبطين بالمدمنين".

وفي سياق متصل، يشير النجار إلى أنه "في ظل حالة من الإحباط العام والانكفاء السياسي تشهدهما مصر في السنوات الأخيرة، تجد قطاعات كبيرة من الشعب المصري متنفسًا لها في المخدرات الرخيصة التي يسهل الحصول عليها، وهي غالبًا ما تكون مغشوشة وتسبب خطورة كبيرة على الصحة البدنية والنفسية والعقلية لمتعاطيها". ويلخّص النجار الأمر بقوله: "المشكلة خطيرة وملحّة، والضرر مزدوج، فالمخدرات باهظة الثمن مثل الكوكايين والهيروين تستنفذ ثروات هائلة وتنتهي بكثير من متعاطيها إلى الإفلاس والإذلال، والمخدرات الرخيصة تستهلك طاقة متعاطيها وتدخله في دوامات من الاضطراب السلوكي والنفسي، وكلا النوعين يصبّان في خانة واحدة وهي إهدار الطاقات المنتجة".

في ظل حالة من الإحباط العام والانكفاء السياسي في مصر، تجد قطاعات كبيرة من الشعب متنفسًا لها في المخدرات الرخيصة

أمر آخر يشير إليه الخبير النفسي محمود مرعي في حديثه لـ "ألترا صوت"، حيث يرى أن "كارثة المخدرات تمتد لتشمل جميع مناحي الحياة المصرية التي لا يدع روتينها مجالًا للهو البريء أو الانخراط في نشاط إبداعي، بداية من البيت وغياب الرقابة الأسرية، مرورًا بالمدرسة التي لا يتعلم فيها الطالب شيئًا، والجامعة التي يغدو وجود الطالب فيها محاولة لإثبات القبول الاجتماعي بين أقرانه، وصولًا إلى غياب الهدف الجمعي الذي يمكن أن يتشاركه المصريون في ما بينهم".

وبينما يُرجع عدد من الخبراء الأمنيين أسباب تزايد وانتشار المخدرات في مصر إلى تمتع البلد بحدود طويلة وممتدة مع جيرانها وحالة الانفلات الأمني عقب ثورة 25 يناير، يرى محللون أن جانبًا كبيرًا من ذلك الانتشار يقع على عاتق الدولة نفسها ومن خلال مسؤولية مزدوجة، حيث يساعد الاضطهاد السياسي وتركز نشاط الأجهزة الأمنية على الشق السياسي على فتح باب خلفي لتجارة المخدرات، كما يلجأ المواطنون إلى المخدرات للهروب من الواقع الضاغط ونسيان همومهم اليومية الناتجة عن سياسات الدولة المرتبكة اقتصاديًا بما يحمّلهم أعباء إضافية. وبعيدًا عن هذا الجدل، يبقى الثابت أن تجارة المخدرات في مصر أصبحت أمرًا معتادًا وشبه عادي، حتى صار بمقدور الكاميرات التلفزيونية التقاط عمليات بيع وترويج المواد المخدرة في الشارع وفي وضح النهار، ما يلقي بالمسؤولية على غياب التواجد الأمني أو تواطؤ أفراد من جهاز الشرطة مع تجار المخدرات أنفسهم.

تورط الشرطة

من الثابت تورط أمنيين وضباط في الاتجار وتعاطي المخدرات في مصر خلال السنوات الأخيرة

وبحسب البيانات الصادرة من وزارة الداخلية المصرية، فقد شهد العامان الماضيان تورط بعض الضباط في اتجار وتعاطي المخدرات، ففي نيسان/أبريل 2016 قُبض على نقيب شرطة بصحبة إحدى السيدات في محافظة الغربية وبحوزته 175 تذكرة من المواد المخدرة وتم اتهامهما بالاتجار في المواد المخدرة وحيازة كميات من الهيروين. وفي أيلول/ سبتمبر من العام ذاته، تم القبض على ضابط بقسم شرطة الخانكة بمديرية أمن القليوبية بصحبة فتاة، بعد ضبط الفتاة تقود سيارته وهي تتعاطى مخدر الحشيش، وحيازته بداخل السيارة 2 كيلوجرام هيروين، و52 ألف جنيه، منها 7 آلاف جنيه عملة مزيفة، وفي نيسان/ أبريل الماضي تم القبض على ضابط بقسم ثان شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، لاتهامه بسرقة حرز هيروين بقصد التعاطي داخل محيط ديوان القسم.

وبالطبع فإن هناك عددًا كبيرًا من القضايا المماثلة أبطالها أمناء شرطة ومخبرون وخفراء، وبالمثل فإنه تم القبض سابقًا على عدد من العاملين بالنيابة بتهم تعاطٍ أو اتجار، آخرها القبض على سكرتير نيابة في طوخ بمحافظة القليوبية مطلع العام الحالي بتهمة التعاطي، ولكن الأخطر هو وصول المخدرات إلى السلطة القضائية، حيث قضت محكمة مصرية في نيسان/أبريل الماضي بالسجن المؤبد وغرامة 500 ألف جنيه مصري في حق قاض بتهمة جلب مواد مخدرة والاتجار فيها. وكان القاضي المدان طارق محمد زكي، قد تقدم باستقالته من القضاء عقب القبض عليه وبحوزته 71 كغم من مخدر الحشيش "القنب" في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

المخدرات في مصر

اقرأ/ي أيضًا: 

مخدر "الجوكر" في الأردن.. شبح عام 2016

المخدرات.. سم قاتل يهدد المدارس الجزائرية