ultracheck
  1. رياضة

"إنفانتينو دعنا نلعب".. كيف تتعامل اسرائيل مع كرة القدم الفلسطينية؟

3 ديسمبر 2025
غزة
محمود لياليمحمود ليالي

شكلت كرة القدم في فلسطين مساحة ضخمة للتنازع، وظلت تمثل مجالًا للصدام والصدمة، كما بقيت تعبر بشكل دقيق عن القوة الصهيونية الغاشمة في التعامل مع المدنيين العُزل.

ولم يكن استهداف اللاعب الفلسطيني سليمان العبيد، إلا امتدادًا لاستهداف المدرب والإعلامي التاريخي للمنتخب الفلسطيني عاهد زقوت (أبو عفيف) في قصف صاروخي استهدف شقته في غزة عام 2014، وحلقةً من مسلسل طويل من استهداف الهوية الرياضية والثقافية الفلسطينية، والتي تُعد جزءًا من حرب أوسع تهدف إلى طمس أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية في فلسطين.

عبّرت الرياضة الفلسطينية بشكل دقيق عن القوة الصهيونية الغاشمة في التعامل مع المدنيين العُزل

فعاهد زقوت، الذي كان أحد أبرز لاعبي خط الوسط في فلسطين، ومثّل المنتخب في مباراة تاريخية ضد نجوم فرنسا بقيادة بلاتيني عام 1993، لم يكن مجرد لاعب كرة قدم عادي، بل كان رمزًا للرياضة الفلسطينية الأصيلة التي تجسد الصمود والإبداع رغم الحصار.

قصة حياته، من نشأته في غزة بعد هجرة أسرته من المجدل، إلى تألقه في نادي غزة الرياضي وتدريبه لأجيال من الشباب، تعكس قصة شعبٍ يرفض أن يُحاصر حتى في حبه للعبةٍ عالمية.

لكن الاحتلال لم يتحمل حتى هذه الصورة من الحياة، فجعل من استهداف الملاعب واللاعبين نهجًا ثابتاً، حيث دمرت إسرائيل منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر 2023 ما يقرب من 300 منشأة رياضية وملعب كرة قدم، وقتلت من اللاعبين ما يعادل تشكيلة 72 فريق، من بينهم 418 شهيدا من الملتحقين بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.

في هذا السياق، تصبح كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل فعل يومي يُثبت للعالم أن فلسطين ليست أرضًا للصراع فقط، بل أيضًا لأحلامٍ بملعبٍ آمن، ولحظةِ فرحٍ جماعي، وهنا يبرز السؤال: لماذا وكيف تستهدف اسرائيل لاعبي كرة القدم تحديدًا؟

"إنفانتينو دعنا نلعب"

ماذا بعد الحضيض؟ حسنًا، لا شيء.

قد تبدو إجابة متشائمة نوعًا ما، إلا أن هذا "اللاشيء" سيُحررك من الخوف، وسيعمل جاهدًا على تحويله إلى شجاعة منقطعة النظير، ستدفعك دفعًا إلى الانتقام والبحث عن حقوقك المسلوبة. هذا ليس كلامًا عابرًا بالطبع، لأن هذه الشجاعة الناتجة عن الخسارة، دفعت بعض الأطفال الفلسطينيين بالفعل إلى اقتحام مستوطنة "معاليه أدوميم" على أطراف القدس المحتلة، بعد أن ساقتهم الطفولة نحو ملعب كرة قدم حقيقي ذا عشب ومدرجات.

هؤلاء الأطفال المنتمين إلى تجمعات بدوية مهددة بالرحيل عن أراضيها لصالح قرار التوسع في بناء المستوطنات، حاولوا الدخول إلى الملعب عنوة لتكذيب الرواية الإسرائيلية القائلة بأن تلك المستوطنات لا تهدد حق الفلسطينيين في ممارسة اللعبة، في حين أن الوضع الحقيقي هو أنهم يشاهدون المباريات تقام على أراضيهم كل يوم، ولا يستطيعون المشاركة لأن الاحتلال يمنع بناء الملاعب على حواف المستوطنات.

تلك الأفعال الغوغائية والمقصودة من قبل الاحتلال جعلت من قلوب الأطفال هائمة عندما رأوا أضواء الملعب، وربَّما كانت سببًا في أولِ اقتحامٍ غير سياسيٍّ في تاريخِ الحرب. على أية حال، لم ينجح الأطفال في الدخول إلى الملعب بعد أن ردعهم الجند، لكنهم رغم ذلك استطاعوا أن يطلقوا صرخة ستظل معلقة في حناجر الشعب الفلسطيني لأزمان طويلة: "إنفانتينو.. لا نريد أن نُقتل، نريد أن نلعب فقط".

هذا ما جناه عليه عِرقُه

هذه الفرصة تستدعي التنويه بإحدى البديهيّات؛ فلسطين التاريخية لم تكن خاوية على عروشها قبل الغزو، بل كانت أرضًا تمتلئ بأناس سكنوها منذ آلاف السنين، وتكونت بينهم روابط وعادات وتقاليد ومنازل وذكريات وأكلات مفضلة وأندية تاريخية.

وهنا يكفي الإشارة إلى كتاب الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، "رأيتُ رام الله" للتدليل على حياة الشعوب العربية ما بين البحر والنهر قبل الاحتلال، وكيف كان لكل بيت اسم، وكيف كانت البيوت متلاصقة، حتى أشجار الصفصاف والزيتون كانت تسمى بأسمائها، وتعامل ككيان واضح له تاريخ ممتد.

الكل يعرف ذلك، نحن نعرف ذلك، وأنت تعرف ذلك، وحتى القيادة الصهيونية نفسها تعرف ذلك، لكنها ترفض الاعتراف به علنًا، لماذا؟ لأنه اعترافٌ يتضمن في داخله اعترافًا آخر بأن الشعب الفلسطيني ليس مجرد مجموعة النازحين، بل هو شعبٌ متكاملٌ يحب الحياة ويسعى لها بطرق مختلفة، وكلما توسعت الدائرة الاجتماعية أصبح أكثر قدرة على حفظ الأسماء والعادات.

لذلك لم يكن أمام إسرائيل إلا العمل على حذف الهوية الحضارية الفلسطينية تمامًا من الوجود، عن طريق تطوير نظام فصل عنصري صارم يعده القانون الدولي أقسى جريمة ضد الإنسانية بعد الإبادة الجماعية، كما أضفت بعض التحسينات عليه ليصبح أساس قيام الدولة الرسمي، وليس مدخلًا جديدًا لتعضيد الحكم كما كان يحدث في جنوب إفريقيا مثلًا.

لذلك فإسرائيل هي الكيان الوحيد على كوكب الأرض الذي يمنح الجنسية على أساس الدين الموروث، وليس على أساس الأرض أو المواطنة أو جنسية الوالدين، وواحد من أسس الهوية الحضارية، كما تعرف، هو الترفيه، والروابط الجمعية القائمة على أساسه، ومن بينها كرة القدم.

ولذلك إن كنت كـ "عاهد زقوت" القائد التاريخي للمنتخب الفلسطيني، فهذا يعني أن قوات الاحتلال الإسرائيلي ستتعامل معك كما تعاملت مع "شجرة اللوز" في حديقة مريد البرغوثي، تلك التي عاد إليها بعد 30 عامًا من الشتات، ليجد أن الجيش الإسرائيلي قد أمر باجتثاثها من جذورها، لأن وجودها ووجوده على الساحة الاجتماعية والرياضية، يثبت يومًا بعد يوم أن لهذه الأرض أصحابًا يستطيعون اللعب ورعاية الأشجار رغم الاحتلال والحصار.

أَقَدمُ الغريبِ كقدمي أخيك؟

الآن أعرنا انتباهك لحظة، فما شاهدناه يحدث في الأيام الماضية ليس إلا حلقة من مسلسل دموي تتكرر أحداثه بشكل مستمر منذ 75 عامًا: الطائرات الصهيونية تستهدف أطفالًا بالقصف في غزة، ليسقط من بينهم أربعة شهداء لم تتعرف الجهات المعنية على جثامينهم لوقتٍ طويل، ويصاب منهم اثنين بإصابات خطيرة تستدعي تدخلا جراحيًا عاجلًا لن تتواجد أدواته في مستشفيات القطاع المحاصر.

بعد ساعات، ستؤكد القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية استشهاد جميع الأطفال عدا واحد فقط، أمهله القدر أن يبقى حيًا ليحمل في قلبه ثارات أصدقائه، كما ستؤكد أنها لن تتوانى عن التنديد بهذه الفظائع أمام الجميع، ولكنها لن تستطيع القيام بأي عمل عسكري داخل الأراضي المحتلة، لماذا؟ لأن "حماس" لا تُمثل الشعب الفلسطيني كما نعلم جميعًا، ما علاقة حماس بالضفة الغربية؟ سؤال جيد، ولكننا لا نعلم إجابته صدقًا، ربما هي ديباجة اعتادت أن تقولها القيادة في "تل أبيب" لأسباب خاصة أو سرية.

أما عن تحقيقات الاحتلال الروتينية والسريعة فقد أكدت بالفعل أن الحادثة لن تتعدى كونها رصاصةً طائشةً من جندي مخمور في القدس، ولن تتطور نحو أكثر من غمامة أصابت بصر الطيارين في غزة، فلم يتمكنوا من تحديد هوية المتواجدين في الملعب بدقة فيما إذا كانوا مقاتلين من حماس أم مجرّد أطفال لا تتعدى أطوالهم المتر الواحد، وبناء عليه ستغلق القيادة محضر التحقيق لعدم كفاية الأدلة، بعد تأكيد المحكمة العليا أنهم آباء الإنسانية وأمهاتها وخالاتها إن أمكن.

الآن أعد قراءة القصة السابقة مرةً أخرى، وحاول بتمعن استخراج النتائج، لتكتشف بسهولة أنها روايات متعددة لعدد من الحوادث، نعم، تلك القصة المُتخيلة كُتبت بالأساس عن طريق مزج ثلاث حوادث مختلفة، نقلًا عن ثلاث وسائل إعلامية مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة، وجميعها يدور حول شيء واحد فقط، ما يمكن تسميته بـ "القتل المتعمد للأطفال أثناء ممارسة كرة القدم".

لدرجة أن أحد الأطفال الناجين من إحدى المذابح أشار في تصريحات صحفية بعد سنوات، أن طيران العدو ظل يمشط الجو ويطلق القذائف لعدة دقائق، فلما رأى أن القذيفة الأولى أصابت طفلًا واحدًا فقط، أطلق الثانية حتى يقتل الجميع، ولما تأكد من قتله للجميع، أطلق الثالثة حتى يتأكد من تحول "الجميع" إلى أشلاء لا يُمكن الاستدلال عليها، وهذا يؤكد أنها حوادث مقصودة تهدف للانتقام من الأطفال بشكل خاص، وربَّما تهدف للانتقام من هذا الشغف الذي قد يُبلغ العالم أن "فلسطين" بها أشخاصٌ حقيقيّون، يسكنون هذه الأرض ويلعبون كرة القدم.

ولم لا، فبحسب تقرير نشرته صحيفة الحياة الجديدة بعنوان "بيت حانون تُعمد مسيرتها الرياضية بالدم" بلغ عدد شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية منذ بداية الألفية 540 شهيدًا، ارتقوا لظروف مختلفة أغلبها عن طريق الاستهداف المباشر بقصف المنازل أو بالقنص من مسافة بعيدة، أو بالاستشهاد جراء التعذيب داخل المعتقلات، كما بلغ عدد الشهداء منذ عام 1967 حتى عام 2018 أكثر من 700 شهيد من أرباب الرياضة الفلسطينية.

كما لم تتوقف نيران الاحتلال عند مرحلة الحصد المباشر للأرواح فقط، بل طورت أسلوبها نحو ارتكاب جرائم حرب تمنع الأحياء والناجين من ممارسة الرياضة، أو حتى ممارسة حياتهم الطبيعية، حيث صرح لاعب كرة القدم الفلسطيني السابق، محمد خليل عبيد، في لقاء أجرته معه قناة "TRT World" التركية بعد إصابته في مسيرة العودة عام 2018، أن القوات المُحتشدة كانت تتعمد إصابة الأطراف السفلية والرُكبتين.

وفي عام 2020، أطلقت قوات الاحتلال النار على اللاعبَين جوهر حلبية وآدم حلبية أثناء مغادرتهما مقرّ النادي، حيث أصيب آدم برصاصتين في قدمه، وأصيب جوهر بسبع رصاصات في قدمه اليسرى، وثلاث رصاصات في قدمه اليمنى أثناء محاولته إسعاف زميله.

بالمناسبة، هذه ليست ملاحظات مجردة من الحقائق، ببساطة لأنها تتماس مع القدرات العسكرية الجديدة لدولة الاحتلال، والمتمثلة في الاستخدام الموسع لـ "المتفجرات المعدنية الخاملة الكثيفة (DIME)" منذ عام 2006 .. هل سمعت عنها؟

تُحدث هذه المفرقعات انفجارًا ذا نصف قطر صغير نسبيًا، لكنّه في نفس الوقت ذا قدرة تدميرية هائلة تتسبب مباشرةً في إحداث جروح وحروق غير قابلة للعلاج بسبب وجود مادة "التنجستن" الكيميائية الخاملة ضمن مكوناتها، بالإضافة إلى تمزيق الأنسجة البشرية.

ووفقا لشهادة الدكتور إريك فوس، طبيب نرويجي كان يعمل في غزة أثناء الاجتياح البري عام 2006، فهذه الانفجارات عادة ما تؤدي إلى بتر الأطراف السفلية أو تمزقها، وغالبًا لا ينجو منها المصاب بعد ذلك ومهما مرت السنون، أي لا أمل في تركيب أية دعامات أو أطراف صناعية في المستقبل.

هل أصابك الاندهاش من هول الموقف؟ نأسف لذلك بالطبع، ولكنها ليست المرة الأولى التي نقرأ فيها عن مثل هذه الحوادث، كما أنها لن تكون المرة الأخيرة التي سيستخدم فيها الجيش الاسرائيلي هذا أسلحة محرمة دوليًا، ما يجعل من المشاهد كلها معادة، بل ويمكن اختصارها فيما يشبه السجال الدائم بين السرقات الاسرائيلية الموسعة والمقاومة الفلسطينية المباغتة، فلا يكل الاحتلال من إظهار العنصرية والقتل والتخريب، ولا تمل المقاومة من إعادة إحياء نفسها بعد كل موت.

ببساطة أكبر، ستحشد اسرائيل طاقاتها وعتادها وأسلحتها المحرمة والكامنة للقيام بعمليات تطهير عرقي واسعة المدى، كما أنها لن تتوانى لحظة واحدة عن قصف المستشفيات وقتل الأطفال، كي تمنعنا بالقوة من محاولة إنتاج "عاهد زقوت" جديد.

أما نحن، فلن نمل من إعادة إنتاج ملايين منه كل دقيقة، حتى وإن كانوا بأطراف مبتورة وأواصر ممزقة.

كلمات مفتاحية
نوتنغهام

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

ريال مدريد

اتفاق بين ريال مدريد و"يويفا" يُسدل الستار رسميًا على مشروع "السوبرليغ"

قد يمهد الاتفاق الجديد الطريق أمام عودة ريال مدريد إلى رابطة الأندية الأوروبية

باتيستوتا

بين ملل "المادة" وشاعرية "الشكل".. هل ماتت كرة القدم التي نعرفها؟

تقف كرة القدم اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن نختار مستقبلًا تظل فيه كل مباراة حدثًا خاصًا ونابضًا بالحياة، أو نرتضي بأن تتحول اللعبة إلى مجرد "ضجيج" باهت في خلفية حياتنا المزدحمة

ارتفاع أسعار السجائر
مجتمع

إمبراطورية التبغ في مصر: أسعار تشتعل وضرائب تتضخم

شهد المدخنون في مصر صدمة جديدة، اليوم الخميس، بعد إعلان شركة "اليابان الدولية للتبغ" (JTI) عن زيادة رسمية في أسعار منتجاتها من السجائر التقليدية ب

الجيش السوري
قول

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

نوتنغهام
رياضة

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

أوروبا
مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات