إنغمار برغمان.. المتشفّي من

إنغمار برغمان.. المتشفّي من "تروما" الطفولة

الفيلم سيبصر النور مع عام 2018 (من أرشيف مؤسسة برغمان)

تبدو استعادة المخرج السويدي إنغمار برغمان، كمن يتفقد يده في بركان. الرجل الغامض في عوالم الموت وأسئلة الوجود والهويات، لا بد أن يحفز أي خبر عنه، الحشرية للعودة إليه. فالمعلم الأول، في مصلحة السينما، وبعد 9 سنوات من رحيله، لا يزال وقعه صارخًا.

فمنذ فيلمه الأول "أزمة" (1945)، اتضحت لغة برغمان السينمائية. فهي بعيدة عن التكلف والزخرفة. وأقرب الى البوح والتشفي من الماضي، لا بل توغلًا في "تروما" الطفولات المبتورة. ومن زوايا سوداء، استطاع أن يختبر آلام الوحدة والموت والخوف ولعنة الوجود.

ومع إعلان المخرجة السويدية سوزان أوستن حاليًا إخراج فيلم روائي لسيناريو قديم كان قد كتبه برغمان في العام 1969، تتوجه العيون نحو الخصم اللدود، التي بقيت على عداوة مع المخرج إلى آخر أيامه. لكنها تسعى إلى إنهاء الفيلم ليطلق على الشاشة الكبيرة عام 2018، الذي يصادف مئوية بيرغمان (مواليد 1918).

أقرأ/ي أيضًا: وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

ويحمل السيناريو عنوانًا لافتًا: "46 دقيقة مع ريبيكا". كتبه برغمان كمساهمة في مشروع مشترك مع الراحلين فيديريكو فيلليني وأكيرا كوروساوا، قبل أن يتوقف العمل به، ويبقى السيناريو بلا إخراج. الى ان تبرع به برغمان إلى "مؤسسة إنغمار برغمان" مع بداية الألفية.

"تروما" فيلم كتبه برغمان كمساهمة في مشروع مشترك مع فيلليني وكوروساوا

ويحكي الفيلم قصة امرأة حامل تعطي دروسًا لمجموعة من الطلاب الصم والبكم. ووفق أوستن، فإن هذا السيناريو يتميّز بأنه الأكثر نسوية لدى برغمان، إذ يبدو منحازًا للمرأة التي تستكشف حياتها الجنسية والحميمة. كما أنه محملًا بنفس سياسي يعكس الفترة التي كانت فيها الحركات السينمائية السياسية في عزّ رواجها في أوروبا، أبرزها "الموجة الفرنسية الجديدة".

ولا يبدو أن هذا الفيلم ينزاح كثيرًا عن هواجس برغمان واشتغالاته. فالعزلة التي أحاطته مكنته مرارًا من "تفكيك" النزق البشري ورغباته. وتختصر أعماله أسئلة وجودية حادّة. تستمد وقتها وحضورها من معرفة واسعة بالأدب والمسرح والموسيقى. إضافة إلى كونها "غرقًا" دائمًا، في سبر أغوار الروح البشرية، اعتمادًا على علم النفس التحليلي.

وتبدو المرأة، كأحد عناصر أفلامه الأكثر وجودًا وفعالية. فمع هارييت أندرسون إلى ليف أولمان، انتقل بنا برغمان إلى مساحات جوّانية منسية. ومتروكة من غير "نبش". فحاول من خلال المرأة، أن يحولها بلطف أمامنا إلى عناصر محكية ومن دون فزلكة. حافرًا بعمق في تحليل النفس البشرية وتشظيها وعقدها الموروثة. وأيضًا في مقاربة الحب، وعنفه وأنانيته واستحالته. فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تمزق وصراع مصيره الفشل. وقد رصد برغمان برهافة ودقة كل تفاصيلها من "العطش" (1949) إلى "مشاهد من الحياة الزوجيّة" (1973).

 

 

وعلى الرغم من كل شهرته، لقي برغمان، اعترافًا متأخرًا من السويديين. خصوصًا أنه واجه انتقادًا لاذعًا منهم. بعد أن اعتبرت أفلامه "صورة مشوهة" عن المجتمع السويدي. وعلى الرغم من كل ذلك، فهو رفض أن يصوّر أفلامه خارج السويد (45 فيلمًا)، باستثناء فيلمين. إذ رفض إغراءات هوليوود وامتداداتها. وألهم كبار المخرجين فيها، وعلى رأسهم الأمريكي وودي آلن الذي يعتبر برغمان معلمه المطلق.

لا ينزاح "تروما" عن عوالم برغمان المعتمدة على التحليل النفسي والمتوجة ببطولة نسائية

أقرأ/ي أيضًا: شين بلاك في فيلم "الرجال الطيبون".. كوميديا العنف

اللغة المستحوذة في خطاب برغمان، مكتسبة من طفولته. فهو ولد في بلدة أوبسالا الباردة والبعيدة، وكان والده قسيسًا لإحدى الكنائس البروتستانية اللوثرية التابعة للعائلة السويدية المالكة، ليكون ذلك عاملًا رئيسيًا في تكوينه الفني والفكري، ويظهر ذلك من خلال أفلامه وكتاباته التي تناولت العالم بلا تزمت ديني بل وبلا مؤسسة دينية.

واعتاد برغمان، منذ طفولته، أن يعمل مساعدًا لمشغل جهاز تسليط النور السينمائي أثناء تصوير الأعمال كما تدرب على العمل كممثل ومخرج في جامعة ستوكهولم. وأصبح مديرًا لمسرح مدينة هيلسينغبورغ عام 1944. بدأ انغمار على خشبة المسرح حيث تلقى تدريبات مسرحية خاصة، إلا أنه اختار أن ينتقل إلى عالم السينما فأخرج حتى وفاته أكثر من 50 فيلمًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مهرجان كان.. من يربح السعفة الذهبية؟

"درب الصليب".. ومن الإيمان ما قتل