إنصافًا

إنصافًا "للموقف الفلسطيني" سوريًا

وقفة تضامنية مع مخيم اليرموك أمام الصليب الأحمر في عَمّان (Getty)

لا يمكن تعميم موقف واحد على الفلسطينيين تجاه الثورة السوريّة. لا يمكن أن يقول أحدهم بأنّ الفلسطينيين مؤيّدون للنظام السوري بمعظمهم، وإن سئل عن فلسطينيي سوريا يقول بأنّ هؤلاء "فلسطينيون سوريون"، وهذا خطأ بحقّهم وحقّ باقي الفلسطينيين.

أيّد فلسطينو سوريا الثورة للأسباب ذاتها التي جعلت السوريين يقومون بها، لأنّ ما يُصيب السوري يصيبهم

فلسطينيو سوريا ليسو سوريين، لا بدرجة ثانية ولا عاشرة، ولا هم فلسطينيون بدرجة ثانية. وهم إن أيّدوا، بمجملهم، الثورة فكان للأسباب ذاتها التي جعلت السوريين يقومون بالثورة، أسباب أساسيّة لأنّ ما يُصيب السوري يصيبهم، قبل الثورة وأثناءها، فكلاهما يتلقّى من النّظام ما يتلقّاه بالقدر ذاته.

ولا ينفي ذلك عنهم فلسطينيّتهم ولا يجعلهم سوريين وإن بدرجة ثانية. لكنّ التسمية هذه حتمًا تقطّع الرّوابط المعنويّة بينهم وبين باقي المجتمعات الفلسطينية، داخل الوطن تحديدًا. وحماسة العديد من الفلسطينيين منذ اندلعت الثّورة جعلتهم لا يعرّفون عن أنفسهم بغير "فلسطيني سوري"، كنوع من الالتحام مع الثورة ومع السّوريين.

وكذلك، لم يكن الالتحام خطأً، لأنّ الفلسطيني أصيب بما أصاب السوري في فترة حكم الأسد، الأب والابن، فكان طبيعيًا أن يلتحم بثورة بلد لم يعرف غيرها، بالمعنى المادي، كبلد. والسبب ذاته كذلك جعل فئة أخرى تلتحم مع النّظام في حربه على الناس، تمامًا كما التحم سوريون معه وصار الاثنان، فلسطينيين وسوريين، يتبارون في التّشبيح على الفلسطينيين والسوريين المؤيدين للثورة.

وكل ذلك لا يبرّر تقطيع الرّوابط مع الوطن الأم لفلسطينيي سوريا، وهي روابط هشّة كون لا ذكريات تدعمها. رغم ذلك هم فلسطينيون تمامًا، إنّما الثورة السوريّة ثورتهم بقدر ما هي للسوريين، تُدمَّر بيوتهم ويُقتلون ويُعتقلون ويُهجّرون، تمامًا كالسوريين، والأهم أن الأمل الذي انطلقت من أجله الثورة هو أملهم تمامًا كما هو للسوريين. لكنّهم فلسطينيين تمامًا. لا يحتاجون إلى أن يكونوا نصف سوريين لكل ذلك.

تقطيع الرّوابط هذا لا يمسّهم فقط، بل يمسّ مجمل الموقف الفلسطيني من الثورة، فالقول أنّ الفلسطينيين بمجملهم مع النّظام، يغبن كل الفلسطينيين أينما تواجدوا، كما يغبن من تمّ استثناءهم أو إقصاءهم من "الفلسطينيين بمجملهم". لكنّ مسألة الإقصاء هذه ليست جديدة ولا مقرونة بالثورة السورية، فلطالما تمّ التغاضي عن فلسطينيي سوريا ولبنان والأردن، وفي كل العالم، كلّما تم الحديث عن فلسطين. فلطالما أُشير إلى ساكني البلد فقط، كلّما تمّت الإشارة إلى الفلسطينيين، وبالتحديد أكثر إلى ساكني الضّفة وغزّة. حتى فلسطينيي الداخل، الـ ٤٨، لا يُذكرون في الإشارة إلى فلسطين، كأنَّ لفلسطين كوطنٍ حال عاديّة، كأي بلد آخر، كأن يكفينا سكّان فرنسا للحديث عن الفرنسيين.

ليس هنالك ما يُسمّى بالموقف الفلسطيني من الثورة السوريّة، ولا حتى موقف عموم الفلسطينيين من الثورة

حتى إن استثنينا فلسطينيي سوريا، ليس معظم الفلسطينيين مؤيدين للنظام، هنالك فئات عديدة داخل البلد وخارجه مؤيّدة للثورة، هنالك مثقّفون فلسطينيون هم من أبرز الأسماء المؤيّدة للثورة، هنالك أحزاب فلسطينية مؤيّدة للثورة، وإن بدرجات متفاوتة، وهذه الأحزاب هي الأكثر حضورًا جماهيريًا بالمناسبة، "التّجمع الوطني الديمقراطي" و"الحركة الإسلامية" في الـ48 و"حركة حماس" في الضّفة وغزّة.

الصيت بأنّ الفلسطينيين مؤيدون للنظام، الفلسطينيين داخل الوطن فقط، يصحّ بقدر ما يصحّ القول أنّ "للجبهة الشعبية" جماهير عريضة، أو أنّ "لحركة فتح" كوادر لا موظّفين. لكن ذلك لا يعني أنّ كثير من المستقلين حزبيًا مأخوذون بكذبة مقاومة "حزب الله" وممانعة النظام.

ليس هنالك ما يُسمّى بالموقف الفلسطيني من الثورة السوريّة، ولا حتى موقف عموم الفلسطينيين من الثورة. في الحديث عن الفلسطينيين، عدا عن كلّ العالم، من الجيّد التفصيل، لأنّنا إزاء مجتمعات مختلفة تشكّل بالمعنى التراثي شعبًا واحدًا، إنّما لكل إنسان فلسطيني أسباب يمكن ربطها بالمجتمع الفلسطيني الذي ينتمي إليه (الـ 48- الضفة- غزة- سوريا- لبنان- الأردن- الخليج- أوروبا) دون أن نضطرّ حتمًا للربط بين مجتمع وآخر في كل المسائل. ما تعنيه الدّولة الفلسطينية مثلًا لكاتب هذه الأسطر، وهو من فلسطينيي سوريا، ما تعنيه لا يزيد عن الصّفر، كما أنّه لا يعنيها بما يزيد عن الصفر.

لأنّ الفلسطينيين، أينما تواجدوا، مقرونون بمفاهيم كالثورة والمقاومة والنكبة واللجوء والاحتلال وغيرها، لم يُنتظر منهم جميعهم غير موقف معظم فلسطينيي سوريا، التأييد التام للثورة. لكن فئة منهم، مهما زادت أو نقصت، اختارت أن تقف مع مجرم الحرب، ولأنّها فلسطينية، ظهرت أكثر من غيرها، ظهرت أكثر من اللازم.

اقرأ/ي أيضًا:

طلب انتساب إلى مخيم اليرموك

رسالة غاضبة.. من اليرموك إلى رشيد مشهراوي