إنزالات إسرائيلية واعتقالات في لبنان.. الأسرى في تزايد وصرخة الأهالي تتصاعد
13 فبراير 2026
تعود الذاكرة بأبناء القرى الحدودية في جنوب لبنان إلى منتصف القرن العشرين، حين كانت القوات الإسرائيلية تقتحم البلدات الجنوبية، اعتقالًا أو تخريبًا وترهيبًا. وهو مشهد يعرفه أيضًا الفلسطينيون جيدًا، فقد خبروا ممارسات العصابات اليهودية في مطلع القرن الماضي، والتي تتكرر اليوم في الضفة الغربية، من قبل جنود الاحتلال ومجموعات المستوطنين.
لا تختلف عملية التسلّل إلى بلدة الهبارية في العرقوب، ليل الأحد–الاثنين، واعتقال مسؤول حاصبيا ومرجعيون في الجماعة الإسلامية عطوي عطوي، عن هذا النهج. فالقوة الإسرائيلية التي قامت بالعملية اجتازت مسافة من الحدود ودخلت قرية لبنانية، مقتحمة منزل أحد المواطنين واقتادته أسيرًا، تاركة زوجته مكبّلة، بعدما كان قد ورده اتصال من رقم لبناني مدعيًا أنه من جهة أمنية لبنانية تريد زيارته للبحث في بعض القضايا، وإذا بها مكيدة مدبّرة.
"مين بيحمينا؟"
"نحنا مين بيحمينا؟"، هذا لسان حال الأهالي، كما يقول الناشط والأسير السابق في سجن الخيام رياض عيسى في حديث لموقع "الترا صوت"، مؤكدًا أنهم يشددون على مرجعية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني لحمايتهم. لكنه يتساءل: ماذا يمنع عودة ممارسات إسرائيل التي كانت تحصل في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حين كانت تدخل قرى العرقوب، وتستبيح الأراضي، وتعتقل السكان، وتفجّر المنازل؟ مضيفًا: "لا ضمانة أن إسرائيل لن تكرّر ما قامت به باعتقال عطوي، وكل مرة بحجج مختلفة"، متسائلًا: "أين القرار الدولي 1701 من استباحة إسرائيل واستمرار عدوانها وتوسّعها وتوغّلها داخل الأراضي اللبنانية؟"، لا سيما وأن العملية حصلت بعد يوم واحد من زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الجنوب.
لقوة الإسرائيلية التي قامت بالعملية اجتازت مسافة من الحدود ودخلت قرية لبنانية، مقتحمة منزل أحد المواطنين واقتادته أسيرًا، تاركة زوجته مكبّلة، بعدما كان قد ورده اتصال من رقم لبناني مدعيًا أنه من جهة أمنية لبنانية تريد زيارته
وفيما يكشف عيسى، وهو ابن بلدة الهبارية، أنه "حتى الآن لم يحصل أي تواصل مع عطوي ولم يرد أي خبر عنه للإطمئنان، لا عبر اليونيفيل ولا الصليب الأحمر ولا عبر الأطر الدبلوماسية"، يشدد على أن "المطلوب تحرّكًا دبلوماسيًا فوريًا، وأن تتحرّك الأمم المتحدة وأن يقوم الصليب الأحمر الدولي بزيارة عطوي للإطمئنان إلى وضعه الصحي، لا سيما مع وجود بقع دم في منزله، ما يشير إلى أنه حاول أن يقاوم وربما اعتُقل جريحًا، ويجب التواصل معه بأسرع وقت".
تجربة مرّة
أعادت عملية اعتقال عطوي قلقًا لبنانيًا جنوبيًا تاريخيًا إلى الواجهة، حيث يقول عيسى: "تجربتنا في منطقة العرقوب مع العدو الإسرائيلي مريرة منذ وُجد عند خاصرة فلسطين والجنوب، ولا يزال مستمرًا بالعربدة وممارسة أبشع أنواع الانتهاك لكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، حيث أنه لا يحترم الاتفاقيات ولا حقوق المدنيين وتحييدهم. فنزل تحت جنح الظلام لاعتقال شخص من داخل منزله، وهذا انتهاك صارخ لكل الأعراف".
ويطرح عيسى العديد من الأسئلة المقلقة حول تفاصيل العملية، قائلًا: "نطرح تساؤلات عدة، لأن الأمر مستغرب، فهناك مواقع لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) وللجيش اللبناني عند الحدود، ألم يُلاحَظ أي تحرّك أو تسلّل؟ ما يدفعنا كأبناء المنطقة إلى الشعور بقلق وعدم استقرار أمني، وأن هذه العملية قد تتكرر في أي لحظة".
توضيح "الجماعة الإسلامية"
يشار إلى أن الجماعة الإسلامية عقدت مؤتمرًا صحافيًا صباح الجمعة، طالبت فيه بتحرير عطوي، مؤكدة التزامها بالقوانين اللبنانية، نافية مزاعم إسرائيل التي حاولت الإيحاء بعلاقة بين اعتقال عطوي وتفجيرها مخزن أسلحة في بلدة بيت جن السورية.
إلا أن الجماعة أكدت أنها تنظيم سياسي لبناني ولا تعمل خارج الحدود اللبنانية، مشددة على أن دور عطوي كان تنظيميًا في منطقتي حاصبيا ومرجعيون وغير مكلّف بأي مهام أخرى.
عمليتا البترون والبقاع
أعاد اعتقال عطوي التذكير بالإنزال البحري في منطقة البترون الساحلية واعتقال القبطان عماد أمهز في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي ظهر في فيديو بثّه الجيش الإسرائيلي في كانون الأول/ديسمبر 2025، مدّعيًا أنه يكشف تفاصيل وأسرار حول ملف حزب الله البحري السري.
وفي عملية مشابهة اختفى النقيب السابق في الأمن العام أحمد شكر من البقاع في كانون الثاني/ديسمبر 2025، لتتحدث معلومات لاحقًا عن أنه استُدرج من قِبل جهاز "الموساد" واعتُقل، إلا أن أي إعلان رسمي إسرائيلي لم يصدر حتى اليوم.
21 أسيرًا لبنانيًا
ومع اعتقال عطوي يرتفع عدد الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 21 أسيرًا، وفق الإحصاءات الأولية، منهم القبطان أمهز والضابط شكر وعطوي، ويتوزّعون بين 11 مدنيًا و8 مقاتلين أُسروا في عيتا الشعب.
إلا أن هذه الأرقام غير نهائية، في ظل وجود عدد من المفقودين الذين لم يُعثَر لهم على أثر، من ضمنهم المقاتلين عند الحافة الأمامية. وبالتالي لا يمكن التأكد قبل اعتراف إسرائيل بعدد الأسرى لديها كما الجثامين في حال وُجدت، وهذا الأمر لم يحصل حتى اليوم.
ورغم إصرار لبنان على إدراج ملف الأسرى على طاولة المفاوضات، إلا أن أي تقدّم لم يُحرَز على هذا المستوى، لا بل إن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون نقل عن الصليب الأحمر الدولي أنه لم يُسمح له بزيارتهم.
لا أوراق قوة للتفاوض
وتعليقًا على هذا الموضوع، يعتبر الكاتب السياسي إبراهيم درويش، في حديث لموقع "الترا صوت"، أن "ملف الأسرى بات شديد التعقيد في ظل الظروف الدولية والإقليمية والتطورات التي حصلت بعد السابع من أكتوبر. وواضح جدًا أن لبنان في هذه المرحلة لا يملك الكثير من أوراق القوة التي يمكن أن يفرض بها واقعاً مغايراً على إسرائيل في هذا التوقيت بالذات، وبالتالي نحن نرى انعكاس هذا الأمر في استمرار الاعتداءات والخروقات وفي المزيد من الاستهدافات على القرى الحدودية، وفي محاولة إسرائيل فرض واقع جديد على لبنان".
ويضيف: "لا يملك لبنان أوراق قوة يمكن استخدامها للتفاوض القوي والتي قد تفرض على إسرائيل الذهاب إلى تبادل للأسرى. هذا جزء من ملف طويل بات موضوعًا على الطاولة، وترى إسرائيل الوقت مناسبًا لاستكمال هذا العمل بما يخدم أجندتها ومشروعها في المنطقة وتحديدًا في لبنان. ورأينا التوغّل من البترون إلى البقاع إلى المناطق الحدودية، وهذا يفتح الأفق أيضًا أمام قدرة إسرائيل على التسلّل واستكمال عمليات المطاردة أو الوصول إلى شخصيات ترى عبرها وسيلة لتجميع بيانات أكبر أو الحصول على معلومات هي بحاجة لها".
حلّان لا ثالث لهما
ويتابع درويش: "أسئلة كثيرة ترافق هذا الموضوع، وتُطرح حول مآل هذا الأمر: من يملك القدرة على وقف هذه الانتهاكات والاعتداءات؟ من يملك القدرة على فرض واقع مغاير؟ لماذا قد تتوقف إسرائيل عن هذه الأعمال في ظرف زمني تراه مناسبًا لاستكمال ما بدأته؟ وبالتالي نرى أنه حتى هذه اللحظة ليس هناك أي معلومات أو مؤشرات تتحدث عن مسارات قد تنهي هذا الملف أو تحقق خرقًا لا عبر القانون الدولي ولا عبر قدرة الدولة اللبنانية على فرض واقع جديد".
مع اعتقال عطوي يرتفع عدد الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 21 أسيرًا، وفق الإحصاءات الأولية
ما الحل إذاً؟
يجيب درويش: "علينا التقاط المسار السياسي والدبلوماسي ووضوح الرؤية في هذه المنطقة، وإلى أين قد تؤول الأمور؟ هل سنكون أمام مخرج ما؟ حتى هذه اللحظة لا نرى أي مخرج حقيقي لهذه الأزمة. هل نذهب إلى توترات أمنية أو عسكرية أكبر؟ علينا أن نرصد أيضًا الرؤية الأميركية في هذه المنطقة وكيف ترى الواقع اللبناني وما هو تصوّرها للواقع في لبنان. كل هذه المسارات معقّدة جدًا وغير واضحة ومرتبطة بعوامل خارجية كبيرة جدًا تضغط على المنطقة وعلى العالم. نحن في حال من عدم الاستقرار العالمي، وبالتالي هذا الموضوع قد ينتهي بحلّين حتى هذه اللحظة، لا ثالث لهما: إما تدهور الأوضاع العسكرية والأمنية وبالتالي نكون أمام واقع شديد الاختلاف عما نراه، أو عبر تسوية تخضع لها المنطقة، لكن حتى اللحظة لا مؤشرات على وجود بوابات لهذه التسوية ولمعالجة الوضع ومنع الأمور من التدحرج. فلبنان يمرّ بحال من الستاتيكو القائم عبر استمرار كل هذه الممارسات من دون وجود أي عناصر قد تؤشر إلى متغيّر واقعي حالي".
سجن خاص
وأمام هذا الواقع وفائض القوة الذي تمارسه إسرائيل على المنطقة برمّتها، يبقى ملف الأسرى اللبنانيين معلّقًا، والأخطر أنه ما زال طي الكتمان فيما عدد المعتقلين يزداد من دون أي رادع، ولا ضامن بأن عمليات أخرى قد تحصل في المستقبل.
وفي وقت تغيب أي فعالية للجهات الدولية الإنسانية، تتحدث وسائل إعلام عبرية عن سجن خاص افتتحه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، خُصّص لقوات الرضوان في حزب الله وقوات النخبة في كتائب القسام، وهو السجن الأكثر تشددًا لجهة الإجراءات الأمنية المتخذة والمعاملة الوحشية للأسرى، في ظل صمت عالمي مطبق.