إميليو سالغاري.. غريبان من القرن العشرين يتجولان في الألفية الثالثة

إميليو سالغاري.. غريبان من القرن العشرين يتجولان في الألفية الثالثة

إميليو سالغاري

ألترا صوت - فريق التحرير

"زهرة القيامة: عجائب الألفية الثالثة" هو عنوان الرواية الصادرة حديثًا عن "منشورات المتوسّط، 2018" للكاتب والروائي الإيطاليّ إميليو سالغاري، ترجمة أمارجي. وهي الرواية الثانية التي تُنقل إلى اللغة العربية بعد رواية "القرصان الأسود" التي أصدرتها المتوسّط قبل عامين من الآن.

تعد رواية "زهرة القيامة: عجائب الألفية الثالثة" بإجماع النُّقَّاد العمل الأهمّ في تاريخ أدب الخيال العلميّ الإيطاليّ

في حديثه لـ "ألترا صوت" يقول أمارجي، مترجم الرواية، إنّ أحداثها تتمحورُ حول رجُلَين يعيشان حياةً يخيِّمُ عليها الضَّجر والوحدة، حتَّى أنَّ الأمرَ يصلُ بأحدهما، وعلى الرَّغم من امتلاكه كلَّ أسباب السَّعادة، إلى التَّفكير جدِّيًّا في الانتحار، ولكنَّ أمرًا خارقًا للعادة يقع فجأةً وينتشله من براثن الكآبة عندما يكتشف صديقُه، بطلُ الرِّواية الآخر وهو طبيبٌ، عنصرًا نشِطًا في نبتةٍ غريبةٍ بإمكانه تعليق عمل الوظائف الحيويَّة، وبفضل ذلك يتمكَّنان من السَّفر مِئةَ عامٍ في الزَّمن، من عام 1903 إلى عام 2003.

اقرأ/ي أيضًا: سالغاري والقرصان الأسود

ويُضيف: "هكذا يجدان نفسيهما وقد انتقلا إلى مجتمعٍ معدَّلٍ ومحوَّرٍ بشكلٍ عميق، حيث إيقاعُ الحياة قد تسارع إلى درجةٍ من الهيجان لا قِبَلَ لهما بها، والهواءُ في المستقبل باتَ مُشبَّعًا بانبعاثاتٍ كُهرُبيَّةٍ لم يتكيَّف نظامُهما العصبيُّ معها. وفي سياق الأحداث التي تتسارع وتيرتها حينًا وتتباطأ حينًا آخر يبرع الكاتب في طرح نبوءاته المستقبليَّة وأسئلته الوجوديَّة التي سنكتشف إلى أيِّ حدٍّ هي، بعدَ أكثر من مِئة عامٍ على صدور الرِّواية، قريبةٌ من واقعنا ولصيقةٌ بحياتنا من حيث الجوهر".

زهرة القيامة: عجائب الألفية الثالثة

وفي سؤالنا له عن مكانة وأهمية رواية "زهرة القيامة: عجائب الألفية الثالثة"، أكّد أمارجي أنّ مكانتها تنبعُ قبل كلِّ شيءٍ من أهمِّيَّتها التَّاريخيَّة، فهي بإجماع النُّقَّاد العملُ الأهمُّ في تاريخ أدب الخيال العلميِّ الإيطاليِّ. ويُشير هنا إلى أنّ الرواية ليست رائدةً في هذا الحقل من منظورٍ عالميٍّ، فقد جاءت قبلها العديد من القصص والرِّوايات التي انطلقت من الفكرة ذاتها. ولكنّ هذا، وبحسب أمارجي، لا ينتقص من كونه كان أوَّل مَن أدخل هذا الخطَّ الأدبيَّ على الرِّواية الإيطاليَّة وطوَّر فيه وأثراه.

أمّا بالنسبة إلى الأسباب التي جعلت من رواية إميليو سالغاري هذه رواية مميزة، يقول محدّثنا إنّه، بالإضافة إلى قيمتها التَّاريخيَّة، ذلك القدر الكبير من الحساسيَّة النُّبوئيَّة والقدرة الاستثنائيَّة على استشراف المستقبل والتي تبلغ في بعض نواحيها حدَّ التَّطابق المخيف مع حاضرنا، وربَّما كان سالغاري قد تنبَّأ في هذه الرِّواية بالذَّات بنهايته نفسها، من جهةِ السَّوداويَّة والنَّزعة الانتحاريَّة اللَّتين أضفاهما على شخصيَّة براندوك.

ساليغاري عرَّاب روايةِ المغامرات الإيطاليَّة، وأب الثَّقافةِ الشَّعبيَّة في إيطاليا، وجدّ موجةِ أفلام السباغيتِّي وسترن

باعتبار أنّ رواية "زهرة القيامة" هي الثانية التي تنقل إلى اللغة العربية لإميليو سالغاري، كما ذكرنا سابقًا، كان لزامًا علينا أن نتعرّف إلى المكانة التي يحظى بها سالغاري في الأدب الإيطاليّ، ومعرفة ما يُميِّزه عن سواه من الأدباء الإيطاليين. وفي إجابته عن هذا السؤال، قال أمارجي صاحب ترجمة "البحر المحيط": "قد تتفاجأ إن قلت لك إنَّ أعمال سالغاري بقيَتْ لفترةٍ طويلةٍ مقروءةً في إيطاليا أكثر من أعمال دانتي نفسه. وهو ما يزال إلى اليوم، مع أومبرتو إيكو وإيتالو كالفينو، في مصافِّ الكتَّاب الإيطاليِّين الأكثر انتشارًا وترجمةً إلى مختلف لغات العالم، كما أنَّه يُعَدُّ "عرَّابَ" روايةِ المغامرات الإيطاليَّة، و"أبَا" الثَّقافةِ الشَّعبيَّة في إيطاليا، و"جَدَّ" موجةِ أفلام "السباغيتِّي وسترن" Spaghetti Western التي ظهرَت على الشَّاشة الفضِّيَّة خلال ستِّينيَّات القرن العشرين وكان مخرجوها إيطاليِّين، مع شريكٍ إسبانيٍّ في الغالب. هذا هو الحال إذًا مع كتابات سالغاري، فكلُّ عملٍ من أعماله هو بمثابة أودِّيسة أخرى تصوِّرُ مأساة الإنسان وتمزُّقَه ما بين اعتقاده بعظمته اللَّانهائيَّة وشعوره بالعجز الكلِّيِّ".

اقرأ/ي أيضًا: رواية "بينوكيو".. فانتازيا إيطالية

وفي نهاية حوارنا مع أمارجي، أكّد أنّ ما دفعه إلى ترجمة العمل هو الخيط السرّي الذي يشدّه إلى الشّعراء والكتّاب الملعونين. ويضيف هنا: "فبعد دينو كامبانا وأمِليا روسِّللي وهولدرلين وبيير باولو بازوليني وألدا مِريني، هو ذا إميليو سالغاري، كاتبٌ آخر عاش تجربة الكتابة كما لتجربة جحيمٍ أرضيٍّ أن تُعاش، لينتهي به الأمرُ إلى الانتحار تاركاً لناشره هذه الرِّسالة: لا أسألك، أنت الذي حقَّقتَ ثراءك من عرق جبيني، تاركاً إيَّاي وعائلتي مُقيمِين على شظفِ العيش أو أسوأ، سوى أن تقدِّمَ غدًا كأجرٍ على المكاسب التي نوَّلتُكَ إيَّاها المالَ اللَّازم لإقامة شعائر. أودِّعُكَ الآن فيما أكسرُ قلمي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

خاثينتو بينافينتي.. البرجوازي القِلق

"صديقتي المذهلة": فندق فقراء نابولي