ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

إمبراطورية التبغ في مصر: أسعار تشتعل وضرائب تتضخم

12 فبراير 2026
ارتفاع أسعار السجائر
تتصدر مصر قائمة الدول العربية من حيث معدلات التدخين (وسائل التواصل الاجتماعي)
عماد عنان عماد عنان

شهد المدخنون في مصر صدمة جديدة، اليوم الخميس، بعد إعلان شركة "اليابان الدولية للتبغ" (JTI) عن زيادة رسمية في أسعار منتجاتها من السجائر التقليدية بقيمة 6 جنيهات للعبوة، فيما أوضح إبراهيم إمبابي، رئيس شعبة الدخان باتحاد الصناعات، أن هذه الزيادة جاءت تماشيًا مع تعديلات ضريبة القيمة المضافة وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وجاءت خطوة شركة "اليابان الدولية للتبغ" بعد أيام قليلة من قرارات مماثلة اتخذتها عدد من شركات التبغ على رأسها شركات فيليب موريس التي أعلنت الأحد الأول من الشهر الجاري عن زيادة أسعار بعض منتجاتها من السجائر التقليدية والتبغ المُسخّن.

خبر كهذا كان كفيلًا بإثارة موجة من الصدمة والضيق لدى ملايين المدخنين في مصر، فالمساس بمزاج المدخن يظل، لدى شريحة واسعة منهم، خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه.

وعلى الرغم من هشاشة الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الضغوط المعيشية، نادرًا ما يخلو بيت مصري من مدخن واحد على الأقل، بعدما بات التدخين، بمختلف أنماطه وأشكاله، سلوكًا يوميًا راسخًا وعلامة اجتماعية لافتة في المجتمع المصري.

ولم يعد من المستغرب، في هذا السياق، أن تحتل مصر موقعًا متقدمًا ضمن قائمة أكثر عشر دول عالميًا من حيث معدلات التدخين، وفق ما تشير إليه الدراسات والإحصاءات الدولية، وهو ما يعكس عمق الظاهرة وتشابكها مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

هكذا، تجاوز التدخين في مصر كونه مجرد عادة فردية يمكن الإقلاع عنها، ليتحول إلى إمبراطورية معقدة يصعب الاقتراب منها أو تفكيك بنيتها، خاصة بعدما أضحى رافدًا اقتصاديًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد المصري حاليًا.

على الرغم من هشاشة الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الضغوط المعيشية، نادرًا ما يخلو بيت مصري من مدخن واحد على الأقل، بعدما بات التدخين، بمختلف أنماطه وأشكاله، سلوكًا يوميًا راسخًا

قفزة في الأسعار

بعد موجة من التكهنات حول زيادات مرتقبة في أسعار العلامات التجارية الأشهر، مثل "ميريت" و"مارلبورو" و"إل أند إم"، إلى جانب منتجات التبغ المسخّن "هيتس" و"تيريا"، أعلنت الشركة رسميًا القائمة الجديدة لأسعار منتجاتها، واضعة حدًا لحالة الجدل السائدة في الأسواق. ووفقًا للقائمة المُحدَّثة، شملت الزيادات السجائر التقليدية وبدائل التدخين، على أن يُعمل بالأسعار الجديدة في جميع المحال التجارية.

وبحسب الإعلان الرسمي، بلغ سعر عبوة سجائر "ميريت"بجميع أنواعها 111 جنيهًا (2.3 دولارًا) و"مارلبورو" 102 جنيه (2.1 دولارًا)، و"مارلبورو كرافتد" 79 جنيهًا (1.6 دولارًا) فيما سجّلت سجائر"إل أند إم" 82 جنيهًا (1.7 دولارًا) للعبوة.

كما شملت التحديثات أسعار التبغ المسخّن، حيث بلغ سعر عبوة "تيريا" 82 جنيهًا (1.7 دولارًا) و"تيريا كبسولز" 87 جنيهًا (1.8 دولارًا)، و"هيتس" 69 جنيهًا (1.4 دولارًا)، كما أكدت الشركة التزامها الكامل بالشفافية، مشددة على ضرورة الالتزام بالأسعار الرسمية المعلنة لمنع أي تلاعب داخل الأسواق.

تعويض خسائر التهريب

وفي تبريره لتلك الزيادات، أوضح إبراهيم إمبابي، رئيس شعبة الدخان باتحاد الصناعات، أن قرار شركة "فيليب موريس" برفع أسعار علامتي "مارلبورو" و"إل إم" جاء في إطار  تعويض ما وصفه بـ"الخسائر الفادحة" الناتجة عن الانتشار الواسع للسجائر المهربة في السوق المحلية.

وقال إمبابي، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج "الحكاية" على قناة "إم بي سي مصر"، إن الشركة لجأت إلى ما سماه "تكلفة الفرصة البديلة"، مشيرًا إلى أن السجائر المهربة، التي لا تسدد ضرائب أو رسومًا جمركية، باتت تستحوذ على نحو 30% من حجم السوق، ما أفقد المنتج الرسمي قدرته على المنافسة ودفع الشركة لرفع الأسعار لتعويض تراجع المبيعات.

وأضاف أن التهريب القائم حاليًا هو تهريب إلى داخل مصر وليس خارجها، لافتًا إلى تدفق كميات كبيرة من علامات تجارية مهربة منخفضة السعر مثل "شملان" و"رياضي" قادمة من مناطق كـ"جبل علي" و"الجبل الأسود"، وتباع بأسعار تتراوح بين 25 و30 جنيهًا(0.5 – 0.6 دولارًا) للعلبة، ما يدفع المستهلكين إلى تفضيلها على المنتج الرسمي الذي تجاوز سعره 100 جنيه.

وأكد رئيس شعبة الدخان باتحاد الصناعات أن هذه المعادلة تخلق حلقة مفرغة، حيث يؤدي رفع الأسعار إلى زيادة الإقبال على المهرب، ومن ثم اتساع الخسائر على الشركات والاقتصاد الوطني، مشددًا على أن الحل لا يكمن في سياسات التسعير، بل في مواجهة جذور الأزمة عبر تشديد الرقابة على الحدود وتكثيف جهود الجمارك والتموين لضرب شبكات التهريب ومنع وصول تلك المنتجات إلى السوق المصرية.

من يعبث بمزاج المصريين؟

لا يرى إبراهيم، وهو رجل خمسيني مدخّن، في قرارات زيادة أسعار السجائر سوى محاولة صريحة لـ"العكننة" على ملايين المدخنين، على حد وصفه. ويقول، في حديثه إلى "الترا صوت"، إنه زار عدة دول من قبل، ولم يشهد هذا الاضطراب أو العبث في تسعير منتجات التدخين بالمستويات التي باتت مألوفة في السوق المصرية.

ويتساءل إبراهيم باستنكار: كيف يمكن أن تُباع علبة السجائر المستوردة أو المهربة بأقل من نصف دولار، بينما يصل سعر العلبة المصنعة محليًا إلى ما يقارب أربعة أضعاف ذلك؟ وهل يعني هذا أن الشركات الأجنبية تصدّر منتجاتها بخسارة، أم أن المواطن المصري يُحمَّل أعباء تسعيرية مبالغًا فيها لتحقيق أرباح مضاعفة بلا معايير عادلة؟

في السياق نفسه، يرى أبو سليمان، صاحب أحد متاجر بيع السجائر، أن السجائر تحولت إلى سلعة شبه استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة لملايين المدخنين، مؤكدًا أن أي تحريك في أسعارها يُقابل بموجة غضب واسعة، إذ يعتبرها المدخنون، رغم كوارثها الصحية الموثقة رسميًا، سلعة شديدة الحساسية، بل أكثر خطورة في التعامل معها من سلع أخرى كثيرة.

ويضيف التاجر المصري في حديثه إلى "الترا صوت"، أن السجائر باتت في نظر قطاع واسع من المستهلكين أشبه بالقمح والأرز؛ سلعًا تمسّ الأمن الاجتماعي، ويجب التعامل مع أسعارها بحسابات دقيقة وحذرة.

18 مليون مصري يدخنون 83 مليار سيجارة سنويًا

تتصدر مصر قائمة الدول العربية من حيث معدلات التدخين، وتحتل مرتبة متقدمة عالميًا، إذ تشير دراسة صادرة عن مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن استهلاك المصريين من السجائر خلال عامي 2017/2018 بلغ نحو 280 مليون سيجارة يوميًا، بإجمالي سنوي يقترب من 83 مليار سيجارة، وبتكلفة قُدّرت بنحو 73 مليار جنيه.

كما كشفت الدراسة عن استهلاك سنوي يقارب 50 ألف طن من تبغ "المعسل"، بقيمة تصل إلى 3 مليارات جنيه، مع قابلية هذا الرقم للزيادة في ظل الإقبال المتنامي على هذه العادة، ووفق البيانات نفسها، بلغ متوسط إنفاق الأسرة المصرية على الدخان نحو 1724.9 جنيه سنويًا، بما يعادل 4.7% من إجمالي إنفاقها السنوي.

في المقابل، تتباين الأرقام الرسمية بشأن عدد المدخنين في مصر. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تتراوح نسبة المدخنين بين 14.2% و16.8% من السكان فوق سن 15 عامًا، أي ما بين 10.3 ملايين ونحو 18 مليون شخص، وفق اختلاف مصادر المسوح وتوقيتها.

وتشير تقارير أخرى إلى أن أعلى نسب التدخين تتركز في الفئة العمرية من 35 إلى 44 عامًا بنسبة 19.2%، تليها الفئة من 45 إلى 54 عامًا بنسبة 18.5%، ثم الفئة من 25 إلى 34 عامًا بنحو 17%.

كما تفيد الإحصاءات بأن 21% من السكان مدخنون فعليون، يضاف إليهم 23% مدخنون سلبيون، فيما تسجل البلاد سنويًا نحو 171 ألف حالة وفاة مرتبطة بأمراض ناتجة عن التدخين.

تُظهر بيانات وزارة المالية أن الحكومة استهدفت ضمن مشروع موازنة العام المالي 2025/2026، تحقيق إيرادات ضريبية من السجائر ومنتجات التبغ تُقدَّر بنحو 111.7 مليار جنيه، بزيادة تقارب 16% مقارنة بالتقديرات السابقة

رافد اقتصادي مهم

تتضح ملامح الصورة بشكل أكثر اكتمالًا عند النظر إلى الدور الاقتصادي الذي تلعبه "إمبراطورية التدخين" في مصر، إذ لم يعد التدخين مجرد سلوك اجتماعي واسع الانتشار، بل تحوّل إلى عنصر مؤثر في هيكل الدخل القومي، وأحد الروافد الأساسية لتمويل الخزانة العامة عبر الضرائب.

وتُظهر بيانات وزارة المالية أن الحكومة استهدفت ضمن مشروع موازنة العام المالي 2025/2026، تحقيق إيرادات ضريبية من السجائر ومنتجات التبغ تُقدَّر بنحو 111.7 مليار جنيه، بزيادة تقارب 16% مقارنة بالتقديرات السابقة البالغة 96.4 مليار جنيه، ما يعكس الاعتماد المتزايد على هذا القطاع كمصدر مستقر للإيرادات.

وفي السياق نفسه، تُعد شركات التبغ من أكبر المساهمين في الحصيلة الضريبية الإجمالية للدولة، إذ بلغت الضرائب المستحقة على هذا القطاع خلال العام المالي 2019/2020 نحو 67.1 مليار جنيه.

كما كشفت القوائم المالية لشركة الشرقية للدخان عن توريد نحو 65.3 مليار جنيه إلى الخزانة العامة حتى يونيو/حزيران 2019، ما يعادل متوسطًا يوميًا يقارب 218 مليون جنيه.

وتوضح بيانات وزارة المالية أن حصيلة الضرائب من السجائر شهدت نموًا مطّردًا، ارتفعت من 19.2 مليار جنيه في عام 2013/2014 إلى 54.5 مليار جنيه في 2017، ثم 60.1 مليار جنيه في 2018، وصولًا إلى 67.1 مليار جنيه في 2019، ثم 111 مليار جنيه بنهاية 2020.

وفي ظل كون الضرائب تمثل أكثر من 80% من إجمالي إيرادات الدولة، يظل التبغ وعوائده الضريبية ركيزة أساسية في منظومة الموارد العامة التي تعتمد عليها الدولة في تمويل مشروعاتها وخططها التنموية.

كلمات مفتاحية
لبنان

الحرب ترفع الأسعار في لبنان وتخوّف من انقطاع المواد الأساسية

يتخوّف اللبنانيون من الانعكاس المفترض لارتفاع أسعار المحروقات على أسعار المواد الغذائية وخدمات النقل والخدمات العامة وقدرتهم الشرائية

صورة تعبيرية

كيف شعر الأميركيون بالآثار الاقتصادية للحرب على إيران؟

بدأت تداعيات الحرب على إيران تظهر بشكل ملموس داخل الاقتصاد الأميركي، رغم بُعد ساحة الصراع آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأميركية

خبز

وسط الحرب والضغوط الاقتصادية.. ارتفاع أسعار الخبز والوقود في لبنان

رفع أسعار سلع أساسية في هذا التوقيت قد يضيف عبئًا جديدًا على الأسر اللبنانية، خصوصًا الفئات الفقيرة والنازحة

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟
سياق متصل

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟

عكس أكبر ارتفاع في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود يتطلب أكثر من ذلك. إما أن تنتهي الحرب أو أن تُضعف الولايات المتحدة قدرات إيران إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الأخيرة تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية