معتوق أبو راوي/ ليبيا

لم أكن مقتنعًا يومًا بأنني محكوم بقدر يجعلني أقبل بواقعي، وأتقبل كل ما يصدر منه وعنه. كان منظور الحياة بالنسبة لي أسمى وأعمق وأكبر من ذلك بكثير. نحتاج أحيانًا الخروج عن المألوف والتحليق خارج السرب والقفز فوق القوالب التقليدية. لا معنى لحياتنا من دون هدف نبيل نسعى إليه حتى لو قضينا جل حياتنا في سبيل تحقيقه. في ليلة ظلماء ثار قلمي أرهقني بأسئلته الموجعة عن المستقبل المجهول، وما ضاع من العمر دون تحقيق، أو أي إنجاز يذكر.

أقنعني بالرحيل دون أن يحدد المكان، حزمت أمتعتي وأحلامي وأفكاري للرحيل إلى حيث لا أعلم. قلت في نفسي لعلي أجد عالمًا يتسع لأحلامي وطموحاتي، قررت أن أنجو بما تبقى مني قبل أن أغرق في بحر الضياع، وأصبح رقمًا عابرًا في هذا الزمان.

قررت الرحيل تحت ستائر الليل الطويل، لا أريد أن أعانق أرواحًا أهلكها الفراق. انطلقت في زورق بحري هو أصغر من أن يتسع لكل ما في ذهني. كنت القبطان والبحار والمسافر في آن واحد.. رحلت مع قلمي مبتعدًا عن رائحة البارود وأصوات البنادق، عدائية الصنع، تاركًا ورائي قصيدة تبكي دموع الفراق والغياب. قررت أن أترك قلمي حرًا طليقًا دون رقيب أو حسيب. سأرسم من أحلامي خارطة الطريق وأجعل من بوصلة الأمل دليلي. رسمت أحلامي على هيئة رغيف خبز حتى لا تضعف عزيمتي. رسمته على طريق مليء بالمتسولين حتى أثور من أجله كل يوم. 

في عرض البحر بعت كل هزائم الماضي وخيبات الحاضر وأوهام المستقبل، ولم أجد من يشتريها. رميتها في البحر، حتى الأسماك التي تتضور جوعًا لم تأكلها من شدة قساوة أحزانها. أمضي في رحلتي وقد نسيت كل الأسماء وأضعت كل العناوين. لا ينتظرني موعد أو لقاء، فأنا في طريق البحث عن وطن وعالم أجد فيه نفسي، أكون أنا فيه أنا دون أن أضطر إلى التصنع ووضع الأقنعة. ارتديت معطف الأمل في ذلك الجو القارص. أحتضن في داخلي زهور أمل وشتلات صمود. على حافة الذكريات أعبث بأفكاري. سأكون واقعيًا لكنني سأطلب المستحيل، فالموت في سبيل الطموح شرف. أحارب الوحدة والعزلة في سفري مع طيور النورس التي تتراقص فوقي. أطلب منها كأس ماء أروي به جفاف السنين. وقفت في زورقي والأمواج العاتية تضربه، وتكاد تجهز عليه، وتغير مساره عنوة، وتغتصب أحلامي وأفكاري. رفرف الموت حولي فاتحًا ذراعيه، لم آبه به، لا أصدق حتى الساعة أنني نجوت من الحياة بأعجوبة. لن أسمح لتلك الأمواج أن تسرق أحلامي. قاربي يحمل من الأمل ما يكفي ليقاوم أشد العواصف وأعتى الأمواج. صرخت مناديًا ودمعي يسيل وقوافل الأحزان التي تتسابق إلى قلبي تمزقني، تقتل كل ما تبقى من أحلامي. 

أصرخ مناديًا ماذا حل بأهلي وداري وهل من موعد ولقاء؟ وقاربي يشق البحر جزرًا ومدنًا تهاجر من أمامي قبل اندلاع العاصفة. كأنها مدن خلت من سكانها ولم يبق فيها سوى دخان متصاعد من إحدى بنايات مخيلتي، لكنني متأكد أن المدينة الفاضلة تنتظرني، لا أريد أن أنكر وطني، لكنني سأجد فيها نفسي وهويتي. حملت لها كلمات جف حبرها بين عروق الوطن. حملت لها أمنيات تتراقص على لحن الدم الملون بالأرصفة. 

غارقًا في أحلامي، متغلبًا على نعاسي، متناسيًا اقتحام الشتاء أراقب النجوم فقلبي فيه مدينة توازي ألف قصيدة بعد انجلاء ليل طويل. سمعت أصوات قوارب تقترب مني. لم أكن وحدي من يبحث عن وطن يحتضنه ويحتويه، ويشفي جراحه المثقلة بالأحزان. البحر مكتظ بتلك القوارب التي تأتي من كل حدب وصوب، وعلى متنها مسافرون يحملون معهم آمالهم وأحلامهم، ولكل منهم حكاية لا تنتهي من المعاناة. 

مرت الأيام وقاربي يجوب البحار ينتظر مرفأ الأمل ليرسو عنده، لا أريد الثراء وامتلاك العقارات والأموال، كل ما أريده وطن يمنحني سريرًا على رصيف الأمل، أتمدد عليه فأدرك أني خلقت من جديد، وأن كل ما كان أصبح طي النسيان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غريج كوزما: نحن عودة المريض من العلاج

أحذية عالية