إلهان عمر كفضيحة مُتَخيلة

إلهان عمر كفضيحة مُتَخيلة

تواجه إلهان عمر حملة عنصرية واسعة (Getty)

تقاتل النائبة الأمريكية من أصل صومالي إلهان عمر في أكثر من جبهة، بعد أن جردت شخصية عصية على التدجين، ومناهضة للروح الشعبوية عمومًا، لكنها ربما لم تدرك أنها تعيش بالفعل في مجتمع بالكاد احتملها كلاجئة، ولا يرغب إطلاقًا بأن يتظاهر بأكثر من ذلك، إذ أخفقت فيه القيم والأفكار لتصبح شيئًا بعيدًا عن الصواب.

لم تنطفئ نيران خطاب الكراهية إطلاقًا، عن مواقد الشرفات اليمينية، ووسائل الإعلام التي تتبنى مسحة معادية للمهاجرين، بشكل فاضح للقيم الأمريكية، التي سرعان ما تظهر فقط كدعاية ليبرالية خادعة

منذ أن صعدت إلهان (38 عامًا) إلى درج الكابيتول كان دونالد ترامب ينظر إليها ضمن قائمة الشخصيات الشريرة والمعادية لسياساته، مقطبًا وجهه بعدم الرضى، حد التحريض المستمر عليها، وانتهاز الفرص للنيل منها، كما يحدث حاليًا إزاء شائعة زواجها من شقيقها الافتراضي، وزوجها الأول الحقيقي أحمد نور.

اقرأ/ي أيضًا: جوليا سالازار.. شباب الهامش في مركز السياسة الأمريكية

طوفان من الجدل أثاره تقرير يزعم قيام إلهان بالزواج من شقيقها، لمساعدته في الحصول على الجنسية الأمريكية، لكن إلهان اعتبرت كل ذلك محض "قصص إخبارية زائفة" مثيرة للاشمئزاز، ومتاجرة سوداء بالدعاية المعادية للمسلمين، أو بالأحرى تحرشًا عبر الإنترنت، على حد وصفها. ويبدو أن النائبة المسلمة يضيرها الخوض في وحل مثل تلك الأخبار الشخصية، في حين رشحت معلومات بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي أجرى جلسات استماع للسيدة إلهان في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، للتثبت بدقة من كون أحمد نور هو في الحقيقة شقيقها.

وبذلك وجدت النائبة البرلمانية نفسها منخرطة في نزاع مع القيادة الديمقراطية بمجلس النواب، وعلى الطرف المتلقي للهجمات العنصرية من الرئيس دونالد ترامب وبعض مؤيديه.

حتى أنها كانت مؤخرًا موضعًا لتغريدات عنصرية بطلها ترامب نفسه، الذي طلب منها "العودة وإصلاح الأماكن المكسورة والمليئة بالجريمة التي جاءت منها"، وفي اليوم التالي هتف رهط ترامب في كارولينا الشمالية "أرسلها مرة أخرى إلى هنالك" كما لو أنهم يريدون أن يلقوا بها في مخيم مومباسا للاجئين الذي قدمت منه قبل عقدين من الزمان تقريبًا، أو للحيتان المفترسة في عرض البحر، بشكل يهيئ العالم لصدمة كبيرة، وهى أن إلهان وملايين الأمريكيين السود، كانوا دائمًا جزءًا من الصراع القديم، وينظر إليهم حتى اليوم كعبء طارئ يصعب احتماله لوقتٍ طويل، بالذات في مراكز صناعة القرار.

في الحقيقة لم تظهر أية أدلة دامغة لإثبات أن أحمد نور علمي هو شقيق إلهان، أو أن أي عملية احتيال قد ارتكبت، فهى قد تزوجت من زوجها الأول والحالي، أحمد هرسي، بالطريقة الإسلامية في مطلع الألفية الثانية، وأنجبا طفلين خلال ستة سنوات، وهى فترة كافية لمعرفة الوقائع الخفية، والتي يبدو أنها تتعامل معها كحياة خاصة، لا تريد أن يطلع عليها العامة، لأسباب مفهومة، وهذا لا يعني إطلاقًا صحة الشائعة. علاوة على ذلك فقد نشأت الشائعات والادعاءات بأن عمر تزوجت شقيقها من مستخدم مجهول بمقهى إنترنت صومالي أمريكي عام 2016 ما يرجح استثمار تلك الحملة بصورة سياسية لردعها عن مواقفها القوية الداعمة للقضية الفلسطينية، وتعزيز "تحرشات" ترامب بالمهاجرين.

والأهم من ذلك أيضًا أن زواج الأخوة من بعضهم للحصول على البطاقة الأمريكية الخضراء نادرًا ما يحدث، ويسهل اكتشافه، عطفًا على أن دخول "شقيقها" المزعوم في تجربة زواجه منها، كما أشيع، للاستقرار بشكل دائم في أمريكا يصعب تفسيره مع مغادرته بعد عامين فقط إلى الخارج، دون انتظار أوراق الطلاق، والبطاقة الخضراء حتى، خاصة وأن إلهان من المفترض أن تكون أهم شخصية راعية في حياته.

لم تنطفئ نيران خطاب الكراهية إطلاقًا، عن مواقد الشرفات اليمينية، ووسائل الإعلام التي تتبنى مسحة معادية للمهاجرين، بشكل فاضح للقيم الأمريكية، التي سرعان ما تظهر فقط كدعاية ليبرالية خادعة، تنهار مع أول امتحان جاد، وهي صورة أقرب إلى الكذب في مدح الذات وذم الآخر، أو تلك النزعة الشريرة المتمادية في البؤس، كانت إلى وقت قريب تتزين بالعدل المؤثر في أصحاب النيات الحسنة.

مشكلة إلهان وغيرها بما فيهم الرئيس السابق أوباما، أنهم يظنون أنهم نجحوا بالفعل في الوصول إلى المرفأ الآمن، وأن هنالك دعمًا حقيقيًا لانتصاراتهم ومواقفهم في مواجهة العنصرية المتزايدة، أو أنها كامراة صاعدة في حصة الجندر يجنبها ذلك وقع ضربات التحرش، وحشد الادعاءات الكاذبة، ووصمها بكل شيء مقيت ومشين، وإثارة الفضائح دومًا حولها، دون أن يعبأ أحد بمعاناتها النفسية، وإحراج الطبقة الاجتماعية التي قدمت منها في مينيابوليس.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تصنع السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؟.. إجابات من ملف إلهان عمر

والأهم من كل ذلك، أن إلهان عمر إذا افترضنا جدلًا صحة الشائعة المتداولة، فهب زورت في أوراق غير رسمية بأن شقيقها هو زوجها، ولم تتزوجه فعلًا، بالصورة المروعة والصادمة، بالتالي تصبح الحادثة الافتراضية محض فضيحة مُتخيلة فقط لا أكثر.

إن أمريكا أمة قد عانت المحن، لتتحرر من أوهام الرجل الأبيض، لكن إلهان تعاني اليوم من ذات المحن السابقة، وأصبح لديها فكرة تقريبًا أن لون بشرتها ودينها جعل منها فتاة الأقلية المنبوذة، تقاوم عصف رياح عنيدة تذروها من كل جانب، فهى في النهاية، مهما حصلت على ألقاب على شاكلة فرس النهر، والعمود الفقري داخل المجلس، تتعامل مع تشريعات أقل إثارة، مثل مشاكل الطلاب، والحدود المعقولة للميزانية، بينما وجودها في المشهد العام مجرد رمزية سياسية، أو حرف ملون في فسيفساء متخيلة، وسوف توصم بأنها معادية للسامية بهدف التخلص منها، مرة وإلى الأبد.