إلغاء قواعد حيادية الإنترنت.. وداعًا لحرية ونزاهة استخدام الشبكة العنكبوتية​

إلغاء قواعد حيادية الإنترنت.. وداعًا لحرية ونزاهة استخدام الشبكة العنكبوتية​

وقفة احتجاجية في الولايات المتحدة ضد إلغاء قواعد حيادية الإنترنت (Flickr)

حين تتصل بشبكة الإنترنت، فإنك تتوقع أن تصل إلى جميع المواقع التي تبحث عنها بغض النظر عن طبيعتها أو محتواها، وتتوقع من الشركة مقدمة الإنترنت التي تتعامل معها أن توفر لك تلك الخدمة دون أن تضطر للدخول لمواقع معينة تفرض رسومًا مالية على محتواها، ودون أن تتعمد تلك المواقع أو غيرها إبطاء عملها لتصعيب الوصول للمعلومات عليها. 

تعني حيادية الشبكة (Net Neutrality) التعامل مع كافة مستخدمي الخدمة وكافة بيانات الإنترنت بشكل محايد دون تمييز بأي شكل

حين تدخل إلى الإنترنت فإنك تتوقع حيادية الشبكة، أو ما يسمى بـ"Net Neutrality"، أي تتوقع حرية البحث على الإنترنت دون عوائق، وحرية الحصول على أي تطبيقات متوفرة. كما أن الشركة مزودة الخدمة التي تتعامل معها، لا ينبغي أن تقرر لك من الذي تتصل به، وما الذي تبحث عنه. لا ينبغي أن يتدخل مزود الخدمة في المحتوى الذي تستعرضه أو حتى تنشره على الإنترنت.

اقرأ/ي أيضًا: إيجابيات وسلبيات الإنترنت

في عام 2015، ضغط آلاف النشطاء ومستخدمي الإنترنت على هيئة الاتصالات الاتحادية الأمريكية (FCC) لاعتماد قواعد حيادية الإنترنت، التي تبقي الإنترنت مجانًا ومفتوحًا، ما يسمح لك بالوصول إلى المعلومات وتبادلها باختيارك دون تدخل.

ولكن يبدو أن هذه الميزة التي توفرها قواعد حيادية الإنترنت وتسمح بحرية البحث والوصول إلى المعلومات على الشبكة، صارت مهددة الآن، بعد أن صوتت هيئة الاتصالات الفدرالية الأمريكية على إلغاء قانون حيادية الإنترنت، الذي أُقر في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، تحديدًا عام 2015.

وقد بدأ هذا الأمر بتوجيهٍ من أجيت باي، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية في إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، إذ صوتت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية في أيار/مايو الماضي، على قبول مبدئي لخطة أجيت باي، لإلغاء قواعد حيادية الإنترنت. وهذا ما حصل بالفعل أمس الخميس، في تصويت الهيئة، ملغية قواعد حيادية الإنترنت التي كانت تكبح سلطات الشركات المزودة لخدمات الإنترنت في التحكم بما يمكن لمستخدمي الإنترنت الوصول إليه والاطلاع عليه أو زيادة أو إبطاء سرعة الإنترنت على مواقع أو تطبيقات محددة.

وصوت ثلاثة من أعضاء الهيئة على إلغاء قواعد حيادية الإنترنت، بينما عارض الإلغاء اثنان فقط. ومع أن الإلغاء ليس نافذًا بعد، إذ لن يجري اعتماده إلا بعد سنة من الآن، إلا أنه أثار ردود فعل واسعة تنتقد هذا الإجراء وتحذر من تلاعب مزودي خدمات الإنترنت بعدم اتباع قواعد حيادية الإنترنت.

ماذا لو فقدت شبكة الإنترنت حيادها؟

بدون قواعد حيادية الإنترنت سيتحول الأمر إلى فوضى كبيرة، إذ ستتحكم شركات الكابلات والهاتف في سرعة الإنترنت، وبإمكان مزودي الخدمة التلاعب في سرعة الإنترنت عندما يتعلق الأمر مثلًا بمحتوى تنافسي سياسي، وهو ما يعني بشكل ما التلاعب في المنافسات السياسية. ويمكن لمزودي خدمة الإنترنت فرض رسوم إضافية على عدد قليل من شركات المحتوى التي تستطيع تحمل تكاليف المعاملة التفضيلية، أي لديها قدرة على الدفع للحصول على معلومة، أو لسرعة بحث أفضل، ما يهدد بشكل خطير التعامل على قدم المساواة فيما يخص الاستفادة من بيانات الإنترنت.

بدون حيادية الإنترنت سيتحول الأمر لفوضى كبيرة تصل لدرجة إمكانية التلاعب في المنافسات السياسية، فضلًا عن الأسواق التجارية

وستستفيد بعض الشركات من هذا، سواءً من جهة الشركات مزودة الخدمة التي سيصبح بمقدورها تحقيق المزيد من المكاسب بالتمييز بين الزبائن بحسب ما يدفعونه، كما سيفيد ذلك الشركات أو الأشخاص القادرين على الدفع أكثر لاكتساب أفضلية الحصول على المحتوى دون غيرهم من المنافسين. تبادل المنفعة بين الشركات الكُبرى قد يُفضي لشيء كهذا، أن يتحكم مزود الخدمة في سرعة تطبيق تطبيقات مُعينة لتفضيلها عن غيرها من التطبيقات المنافسة، كأن يُبطئ سرعة تطبيقي "Daily Motion" أو "Macafee" مثلًا، في صالح تطبيق يوتيوب.

اقرأ/ي أيضًا: جناية الإنترنت.. هل يجعلنا جوجل أغبياء حقًا؟

ومن المرجح أن تكون عواقب الإجهاز على قواعد حيادية الإنترنت، وخيمة أكثر بالنسبة للمجتمعات، والتجمعات المهمشة، المكافحة لتحسين أوضاعها، خاصة في الولايات المتحدة، إذ يُمثّل الإنترنت بالنسبة لها فرصة تعليمية واقتصادية أفضل.

عمل أجيت باي محاميًا لواحدة من أكبر الشركات المزودة للإنترنت في الولايات المتحدة (نيويورك تايمز)
عمل أجيت باي محاميًا لواحدة من أكبر الشركات المزودة للإنترنت في الولايات المتحدة (نيويورك تايمز)

الجدل الكبير الدائر هذه الأيام يمكن فهمه إذا عرف الناس أن أجيت باي، الذي دفع نحو إلغاء قواعد حيادية الإنترنت، هو محامٍ سابق لإحدى الشركات المزودة لخدمة الإنترنت في الولايات المتحدة وهي شركة "Verizon". من المفهوم إذن أن يكون على رأس المطالبين بالتحكم في حيادية الإنترنت، لما سيوفره ذلك من فرصة للسيطرة بشكل أكبر على الإنترنت من قبل مثل هذه الشركات التي يعمل لصالحها. 

هناك دول كثيرة استطاعت تخطي هذه العقبات، وكانت أولها تشيلي، التي استطاعت الحفاظ على حيادية الإنترنت دون تقنين حرية المستخدمين أو التجسس عليهم، وكذلك الأمر في كندا وغيرها من الدول. أما الولايات المتحدة فقد بقي فيها الجدل قائمًا حتى اليوم، الأمر الذي دعا عدة منظمات حقوقية ونشطاء إلى التظاهر، إلى الدرجة التي جعلت أجيت باي نفسه رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية يصف حركة التظاهر والتمرد على مشروع قانونه القاضي بتقنين الإنترنت بـ"الهيستيريا".

كيف سيؤثر ذلك على باقي دول العالم؟

يرى الخبراء أن التأثير الكبير و الحقيقي لإلغاء قواعد حيادية الإنترنت، سيكون ليس فقط على المستخدمين، وإنما أيضًا على الأعمال التجارية التي تُدار من خلال الإنترنت، كما سيصل التحكم في مدى فاعلية وسرعة التطور التكنولوجي العالمي، خاصة وأن منبعه الأساسي عالميًا هو وادي السيليكون في الولايات المتحدة. الأمر سيؤدي كما يقول ميشال جيست أستاذ ومؤسس سياسة الإنترنت الكندية المحايدة، إلى أن "تحتكر شركات بعينها التطور التكنولوجي العالمي".

وفي المنطقة العربية، فإنّ هذه الممارسات تشجع على المزيد من الاحتكار من قبل الشركات الكبرى المزودة لخدمات الإنترنت. فعلى سبيل المثال، أقدمت شركات كبرى كجوجل وفيسبوك بتوقيع اتفاقيات مع مزوّدي الخدمة في بعض الدول النامية أو الأكثر فقرًا، لتوفير خدماتهما مجانًا للمستخدمين مقابل أن يدفعا تكاليفها. خدمات مثل "Facebook Zero" و"Google Free Zone" التي تجد ترحيبًا واسعًا في أنحاء كثيرة من العالم، كونها مجانية، لكنها في المقابل تقضي على أي منافسة للشركتين في الأسواق الناشئة، وتمثل حالة إعطاء الأفضلية للشركات العملاقة.

وفي كل الأحوال، لا يمكن اعتبار ما يجري في الولايات المتحدة من تقنين لحيادية الإنترنت، أو بالأحرى القضاء على حيادية الإنترنت، شأنًا داخليًا بحتًا، ذلك أنّ خوادم الإنترنت (Servers) في الولايات المتحدة، تستضيف معظم مواقع العالم، وبالتالي فإن تشعب الشبكة وتداخلها واتفاقيات التعاون المبرمة بين مزوّدي الخدمة حول العالم، ستساعد على نشر عدوى تقسيم الإنترنت إلى مسارات بطيئة وسريعة. تخيلوا مثلًا أنه على موقعٍ إخباريٍ ناشئ من المنطقة العربية، أن يدفع لمزوّدي المحتوى ما تدفعه شركة عالمية بحجم شبكة "سي إن إن"، حتى يكون له نفس فرص الوصول إلى المستخدمين!

إلغاء قواعد حيادية الإنترنت في أمريكا، يُؤثر كثيرًا على باقي دول العالم، ذلك أن خوادم الإنترنت هناك تستضيف معظم مواقع العالم

في النهاية، إذا استطاع أجيت باي، رجل الرئيس "البيزنس مان" ترامب، في هيئة الاتصالات الفيدرالية، أن يقضي على حيادية الإنترنت التي انتقدها في عهد أوباما، فإن شبكة الإنترنت ستتحول إلى دليل سياحي، ستتحكم فيه شركات بعينها في غلق أو فتح صنبور الإنترنت لمن يدفع أكثر!

 

اقرأ/ي أيضًا:

 ما هو "الديب ويب" أو الإنترنت المظلم؟

لمواجهة حروب الإنترنت القادمة.. جيل جديد من "القراصنة الخلوقين" يتدرب