إلغاء خانة الديانة

إلغاء خانة الديانة "جامعياً" في مصر: اشتعال أزمة

يثير قرار إلغاء خانة الديانة جدلاً برلمانياً وأكاديمياً (أ ف ب)

في ظل حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يبدو أن "التداعي" صفة ملازمة للمؤسسات في "أم الدنيا". وبالطبع فإن الجامعات، كإحدى مؤسسات الدولة الخاضعة لسيطرة النظام السياسي المعسكر، فلا بد أيضاً ان تتأثر باهتراء أدواته. فإضافة الى كون التعليم الأكاديمي يتراجع وبنسب مخيفة، فإن إشكالًا جديدًا حط في الحرم الجامعي، بعد قرار اتخذته جامعة القاهرة يقضي بـ"إلغاء خانة الديانة" عن الأوراق الجامعية. هذا القرار الذي أشعل خلافاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، خلق نزاعًا أكاديميًا ومدّ مسألة للنقاش يمكن أن تتوسع.

برر رئيس جامعة القاهرة قرار "إلغاء خانة الديانة" بحالات تمييز بحق طلاب مسيحيين

وجاء قرار رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار، قبل أيام، حول إلغاء هذه الخانة من بيانات الشهادات والمستندات والأوراق كافة التي تصدرها أو تتعامل بها جامعة القاهرة مع طلابها أو العاملين فيها أو أعضاء هيئة التدريس أو الهيئة المعاونة على أي وجه كان، وفي جميع الكليات والمعاهد والمراكز سواء للمرحلة الجامعية الأولى أو الدراسات العليا"، على أن تنفذ الجهات المختصة في الجامعة القرار اعتبارًا من صدوره في يوم 11 من الشهر الجاري. وصرح نصار من بعدها أكثر من مرة، بأن سبب هذا القرار هو أن عدداً كبيراً من الطلاب يتّهم الجامعة بـ"التمييز بسبب الديانة"، وأن "طلاباً مسيحيين شكوا من تعرّضهم للتمييز السلبي بسبب ديانتهم"، وأنه (نصار) يريد "تفكيك هذه الثقافة".

اقرأ/ي أيضًا:  مصر.. هجمة سلفية على إلغاء خانة الديانة

وتحول القرار الذي وجد رئيس الجامعة نفسه مخولاً باتخاذه، إلى حديث الطلاب وبين دوائر القرار الأكاديمي. وكثرت الاتهامات بـ"العلمانية" ومعاداة الإسلام، وحظي بردود فعل إيجابية بين القساوسة، الذين اعتبروا القرار مؤشرًا على "تغليب العلم على ما دونه من انتماءات دينية أو سياسية"، فيما اعتبر كثر انه اختلاق لأزمة لا مبرر لها. والانتقاد الأبرز جاء على لسان وزير التعليم العالي والبحث العلمي أشرف الشيحي، الذي رأى أنه لا توجد أي تفرقة بين الطلاب بسبب الديانة، وأنه ربما تكون في جامعة القاهرة حالة استثنائية، مؤكداً أن هذا الكلام يمكن أن يتحول إلى "فتنة وعيب نتكلم فيه". وصحيح أن تلك التصرفات غير منصوص عليها قانوناً أو دستوراً، لكنها باتت متجذرة في العرف الشعبي المصري نتيجة عقود من نمو دولة دينية موازية للدولة المدنية، لكن تحت رعايتها.

ويرفض تيار واسع في البرلمان المصري إضافة إلى مؤسسة الأزهر، إلغاء خانة الديانة من الأوراق الرسمية للمصريين. وتسري معلومات صحافية حول "وجود اتفاق" بين معظم نواب البرلمان على عدم تمرير مشروع قانون للعدالة الانتقالية، ويتضمن مواداً لإلغاء خانة الديانة من الأوراق الرسمية العلنية للمواطنين. وقدم مشروع القانون المذكور، القيادي في ائتلاف "دعم مصر"، النائب علاء الدين عبد المنعم.

أقرأ/ي: البحث عن "دوبلير" جديد للدولة في جامعات مصر

ويعتمد معارضو إلغاء خانة الديانة في الأزهر والبرلمان على نص دستوري للدفاع عن موقفهم، في حين أن الداعمين للإلغاء، يعتمدون أيضاً على مادة أخرى، تحتم تنفيذ القرار. فالمادة الثالثة من الدستور تدعم المعارضين للإلغاء، والتي تنص على أن "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيس للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية". فيما يعتمد المؤيدون للإلغاء، على المادة 53 من الدستور، والتي تنص على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر".

يرفض تيار واسع في البرلمان المصري إلغاء "خانة الديانة" كما لقي القرار انتقاد وزير التعليم العالي 

وأثارت مطالب إلغاء خانة الديانة في الأوراق الرسمية المصرية وبطاقات الهوية، جدلًا منذ سنوات طويلة، ففي نهاية عام 2011، أصدرت محكمة القضاء الإداري بالمنصورة، حكمًا يلزم اللجنة العليا للانتخابات بحذف خانة الديانة من أمام أسماء المرشحين في الانتخابات البرلمانية، وظهرت ردود أفعال مؤيدة ومعارضة لهذا القرار. ويأتي هذا القرار فاتحة جديدة في تفاقم الجدال.

ويقول فتحي عباس، المستشار الإعلامي لجامعة القاهرة، في إحدى مقابلاته الصحافية إن القرار جاء بسبب اكتشاف وقائع ضد بعض الطلاب المسيحيين، فى أحد المراكز الدراسية بالجامعة، وأنه ليس هناك لائحة تتطلب ذلك التمييز وهو مجرد مبالغة، وهو ضار ويقيم شبهة متوهمة في نفس الطالب بأن هناك تمييزًا على أساس الدين".

ويبدو أن الحرب الموجهة ضد القرار كانت متوقعة. وبعيداً من اعتراض نصار على الاتهامات الموجهة إليه من الجبهة السلفية، إلا أنه أكد أن "هناك قرارات لإصلاح المنظومة التعليمية أحيانًا تكون غير شعبية، لكن لا تقاس بمن يرضى ومن لا يرضى".

يشار إلى أن منظمات حقوقية دعت على مدى سنوات، إلى إلغاء خانة الديانة من بطاقة الهوية الشخصية، وهي الدعوة التي كانت تقابل بين العامة بكثير من التجهم والتهكم والتكهن. وأبرز تلك الجهود بذلتها "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" التي دعت إلى مناقشة المسألة في ضوء التوترات الطائفية، والتي كانت واضحة قبل ثورة كانون الثاني / يناير 2011 وبعد الانقلاب على الحكم في العام 2013. ولفتت المبادرة إلى أن "هذا التوتر يتمثل في الشعور المتنامي لدى الغالبية المسلمة، بصرف النظر عن صحة هذا الشعور، بأن كل خطوة تتخذ لتقليل التمييز ضد مصريين من غير المسلمين تعد خصمًا من حقوق المسلمين، وتدليلاً لغيرهم تحت ضغوط خارجية".

أقرأ/ي أيضا:

عودة "كشف العذرية" إلى مصر: الطالبات في المصيدة!

إلغاء اتحاد طلاب مصر نهائيًا.. وعودة لائحة "مبارك"