إفلاس فلاسفة العصر وطغيان الشر

إفلاس فلاسفة العصر وطغيان الشر

للفلاسفة دور مهم أمام تعاظم قوى الشر والحرب(عبيد خطيب/Getty)

جمود عميق أصاب الفلاسفة بالشلل هذه الأيام فأفلت منهم طرف الضوء الذي طالما تمسك به الفلاسفة عبر العصور، خصوصًا في الأوقات العصيبة والمضطربة والقلقة في حياة البشرية، لأنه بمثابة الخلاص الذي بفضله تتبدد الظلمات، التي يسقط فيها الإنسان، وتجعله يحس بالضياع والغربة والانفصام، فيأتي أفعالًا منافية لطبيعته وجوهره، تتعارض بشكل صريح مع الغاية من وجوده وحياته وعلاقاته بغيره من البشر.

توسعت رقعة الحرب وازداد حجم الانهيار الأخلاقي والقيمي في علاقات المجتمعات بعضها ببعض. وانتعشت تجارة القتل بشكل مقزز جدًا، في ظل انحسار دور الفلاسفة وتأثيرهم الفكري على الحياة المعاصرة، إلى جانب ابتعادهم عن مهاجمة نوازع الشر وفضح انعكاساتها على الواقع كفكر وممارسة، برغم توفر منصات إعلامية ومعرفية يمكن أن تتيح لهم نشر أنوار الفلسفة، والوصول من خلالها إلى عقول ووجدان ملايين البشر، وتشريح القضايا التي يواجهونها ويعيشونها والانتصار للحق والحقيقة والمنطق والجمال والأخلاق.

توسعت رقعة الحرب وازداد حجم الانهيار القيمي في ظل انحسار دور الفلاسفة وتأثيرهم الفكري على الحياة المعاصرة

عوضًا عن ذلك، ترك الفلاسفة المجال فسيحًا أمام تعاظم النظرة الإيديولوجية الممزوجة بالنزعة السياسية الشريرة لبعض القادة والسياسيين، المتمسكين بنهج "نيقولا مكيافللي" ومستندين على تفسير "هنتنغتون" لصراع الحضارات، والذي ساهم بشكل كبير في تغذية الانقسام بين مجتمعات العالم وفق ثقافات متناحرة لا متصالحة ومتعايشة، فصارت حياة بعض المجتمعات والدول، رخيصة وهيّنة أمام الرغبة في التملك والسيطرة، تحت ذريعة صيانة المصالح الحيوية والاستراتيجية لدول ومجتمعات أخرى أو حتى فرد واحد، دون أن تجد هذه التجاوزات الأخلاقية صوت فيلسوف منصف يصدح بالحق ويستهجنها.

إذا استعرنا قول "كافكا": "أليست الكتابة هي القفز خارج صف القتلة"، أفلا يكون هذا التوصيف أولى بأن يكون، اليوم، لصيقًا بالفلسفة أكثر من أي صنف آخر من أصناف المعارف والآداب والفنون الإنسانية. الفلسفة، يجب أن "تقفز خارج صف القتلة"، وتعرّي أفعالهم وتهاجم بلا رحمة كل هذا الطغيان والتوحش الذي طبع البشرية وجعلها تعيش داخل دائرة مفرغة من الصراعات والقتل بالجملة، دون وخز ضمير، ما يهدد فعلًا بهلاك حتمي وشيك إذا لم يستيقظ فكر الفلاسفة، ولم يعلو صوتهم فوق صوت الساسة الأراذل والكهنوت المتطرفين، الذين، للأسف، باتوا يمتلكون أسباب القوة ويفرضون منطقهم على الدول والمجتمعات، رغم الصلف والجهل والعمى والجبروت الذي يميزهم.

لماذا خفت صوت الفلاسفة، وقلت كتاباتهم وظهورهم خلال العقود الأخيرة، رغم تعاظم الانتهاكات والمآسي الإنسانية؟ هل هو راجع إلى عقم الفكر الإنساني الفلسفي؟ أم إلى عجز المجتمعات عن إنجاب فلاسفة عقلانيين لا يميلون إلا إلى جانب الحق والحقيقة؟ تمامًا مثلما كانوا أسلافهم، الذين دافعوا عن قيم السلام والعدالة والحرية، أمثال الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" الذي طالما رفض للحرب تحت أي مسمى أو ذريعة بما فيها الحرب العادلة.

ترك الفلاسفة المجال فسيحًا أمام تعاظم النظرة الإيديولوجية الممزوجة بالنزعة السياسية الشريرة لبعض القادة والسياسيين

لا أثر، في هذا الزمان، لخليفة فيلسوف العدالة والسلام، "برتراند راسل"، الذي طالما دافع عن الإنسانية والسعادة البشرية، وسخر كل إمكاناته للقضاء نهائيًا على مصادر الألم الإنساني، وهو الذي صدح بالحق بكل شجاعة وقال: "إذا كانت الأسلحة النووية، ستستخدم لا محالة، في الحرب القادمة، ونظرًا لأن هذه الأسلحة، تهدد بقاء الجنس البشري، فنحن نهيب بحكومات العالم أن تدرك، وأن تصرح علنًا، أن مراميها لا يمكن أن تخدمها حرب، وإنما خلاص العالم، مرهون بالإيمان والشجاعة، الإيمان بالعقل، والشجاعة في إعلان ما يظهره العقل على أنه حق".

وغير بعيد عن "برتراند راسل"، كان للفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" نفس المنحى، عندما رفض موقف استعمار بلده للجزائر، فهاجم بلا هوادة الوحشية التي جوبه بها الجزائريون في ثورتهم نحو الخلاص والحرية، وناضل باستماتة كبيرة من أجل كرامته وانعتاقه، حتى أنه ألف كتابًا أسماه "عارنا في الجزائر"، وكانت له إسهامات كبيرة فكك من خلالها الاستعمار، ودعا صراحة إلى مجابهة هذا النسق، وأرجع الفساد الذي استشرى في "المستعمرات" إلى فئة شريرة تعتمد على التضليل والخداع. وهي مواقف عرضت حياته للخطر أكثر من مرة، لكنه لم يتراجع، فقد ثبت وكانت مواقفه صارمة جدًا، حتى أنه في إحدى مقالاته وصف فرنسا بـ"الكلب المسعور الذي يجر بذيله طنجرة، ويزداد هلعًا يومًا بعد يوم، نتيجة ما يحدثه بذاته من صخب، فلا أحد، ينكر اليوم، أننا توخينا تخريب وتجويع وتقتيل شعب مغلوب على أمره، كي نركعه، لكنه بقي صامدًا".

اقرأ/ي أيضًا: 

عن العلمانية أيضًا

من أجل أنوار جديدة