إغلاق إذاعة جيش الاحتلال: الواقع الإسرائيلي من "الخطابة الى صوت الرجل الواحد"
21 يناير 2026
لم يكن قرار إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" إشارةً إلى انتهاء دورها الحيوي في المجتمع الإسرائيلي، بل تأكيدًا على إنجاز وظيفتها في لحظة تاريخية محددة، وفي إطار خيال جمعي بعينه، وانتقالها إلى دور جديد يُعاد إنتاجه تحت شعارات جذابة من قبيل "الديمقراطية" و"الليبرالية الجديدة" وإن بات الواقع لـ "صوت رجل واحد"!
في هذا السياق، لا يبدو القرار خطوة نحو تحرير الإعلام من قبضة المؤسسة الأمنية، بقدر ما يبدو اعترافًا متأخرًا بأن العسكرة لم تعد في حاجة إلى منصة تحمل زيّها الرسمي، فما كان يُقال صراحة عبر ميكروفون عسكري، بات اليوم يُقال بهدوء داخل نشرات "مدنية" وتحليلات مهنية، ولغة حياد مصقولة بعناية.
منذ تشكّل الخطاب الصهيوني، لم يكن الإعلام مساحة مستقلة عن المشروع، ولا مرآة محايدة للواقع، بل أداة تأسيس وتعبئة وتنظيم للوعي قبل أن يكون وسيلة نقل للأخبار، من مجلات ثقافية موجهة في الشتات، إلى إذاعة عسكرية في قلب الدولة، ظلّ الجوهر واحدًا.. إنتاج سردية أمنية ترى العالم من زاوية التهديد الدائم، وتُعيد تعريف السياسة بوصفها مسألة بقاء.. الفارق لم يكن في الوظيفة، بل في مظهر الإعلان عنها.
ضمن هذه المفارقة تحديدًا، يكمن السؤال الأهم: أيّ إعلام أخطر، ذلك الذي يقول صراحة إنه جيش، أم ذاك الذي يدّعي الحياد بينما يتكلم بلسان الأمن، أم أصبح الواقع الإسرائيلي يعيش في ظل رجلً واحد وحياة أمنية؟
المغرب "المذياع الأول"
تُعد حركة الشعوب تعبيرًا عن بنية ثقافية مركّبة، لا تتحرّك بدافع الظروف الآنية وحدها، بل بفعل سرديات طويلة المدى تُنتج المعنى وتوجّه الاختيار، ولم يكن المشروع الصهيوني بعيدًا عن هذا المنطق، بل قام عليه منذ لحظاته الأولى.
فقبل قيام دولة الاحتلال، لم تكن الدعاية الصهيونية مجرد نداء لحمل السلاح أو الهجرة، بل منظومة خطابية كاملة أعادت تشكيل وعي الأفراد، ودفعتهم إلى تبنّي اتجاهات سياسية وحياتية بعيدة المدى، حتى انتهى الأمر بكثيرين إلى القبول بأنماط عيش أدنى بكثير مما عرفوه في أوطانهم الأصلية، باسم حلم مؤجل لا يتحقق وذلك قبل حمل السلاح!
منذ تشكّل الخطاب الصهيوني، لم يكن الإعلام مساحة مستقلة عن المشروع، ولا مرآة محايدة للواقع، بل أداة تأسيس وتعبئة وتنظيم للوعي قبل أن يكون وسيلة نقل للأخبار
اشتغلت الدعاية الصهيونية على تفكيك علاقة الجماعات اليهودية بمحيطها الثقافي والاجتماعي، وإعادة ربطها بمركزٍ متخيَّل في فلسطين، فالدعاية لم تُقنع الأفراد بالهجرة فقط، بل أعادت تعريف معنى الانتماء، والكرامة، والمستقبل، حتى باتت التضحية بالاستقرار، والعمل، ونمط العيش الطبيعي، جزءًا من سردية خلاص كبرى.
في هذا السياق، شكّل يهود المغرب أحد أوضح نماذج هذا الاستقطاب المبكر، فبعد صدمة الهولوكوست التي بثّت الرعب في الأوساط اليهودية عالميًا، وجدت الحركة الصهيونية بيئة خصبة لتكثيف خطابها، مقدّمة فلسطين بوصفها أرضًا خالية تنتظر الخلاص الجماعي.
لم يكن أبناء الجاليات يتصوّرون أنهم ذاهبون لبناء مزارع تعاونية أو العيش في ظروف قاسية داخل مخيمات ومقطورات، بل كانوا يرون أنفسهم جزءًا من مشروع دولة واحدة، كاملة، مزدهرة، ومحصّنة أخلاقيًا وتاريخيًا. ولم يكن هذا التحوّل وليد لحظة، بل نتيجة بناء جيل كامل عبر أدوات ثقافية وتعليمية وإعلامية دقيقة.
أن تمنع من قول "أح"
في العام 1862، وتحت رعاية الرابطة الإسرائيلية العالمية (Alliance Israélite Universelle)، أُنشئت مدارس في المغرب، بوصفها أول بنية تعليمية يهودية حديثة ذات طابع انفصالي. لم يكن التعليم مجرد نقل معرفة، بل إعادة تشكيل للهوية.
قُدّمت المناهج باللغة الفرنسية، ومُنع تداول العربية بين الطلاب، حتى في فترات الراحة، وعوقب من يخالف ذلك. بل جرى تجريم التعبير الشعبي عن الألم، مثل قول "أح"، باعتباره أثرًا لغويًا من محيطٍ يُراد الانفصال عنه. في هذا النموذج، صُوّر الطفل اليهودي باعتباره كيانًا متفوقًا، ذا عقل استثنائي، مُعدّ للارتقاء بالمجتمع عبر الثقافة الغربية والتعليم الحديث.
أنتج هذا المسار حاجزًا نفسيًا وثقافيًا بين الأطفال اليهود وجيرانهم العرب، ورسّخ شعورًا بالتفوق والانفصال، رغم رفض بعض الأوساط الدينية المحافظة لهذه الحداثة المفروضة. غير أن هذا الرفض تلاشى مع تَكوّن أول طبقة من الموظفين والمتعلمين، الذين اندمجوا لاحقًا في بنية الحماية الفرنسية بعد عام 1912، ليصبحوا نخبة ثقافية متشبعة بالفكر الغربي، ومنفصلة تدريجيًا عن محيطها المحلي.
"لافونير" موجه التوجه الأولى
بعد الحرب العالمية الأولى، دخل الخطاب الصهيوني في المغرب مرحلة أكثر تنظيمًا. ففي عام 1923، وصل جوناثان توريس إلى الدار البيضاء ممثلًا للحركة الصهيونية، وشرع في تنظيم النشاطات الدعائية وجمع التبرعات. وفي عام 1926، أُصدرت مجلة "لافونير" كمنصة إعلامية موجهة، لا ترفع شعارات عسكرية، بل تشتغل على اللغة، والمستقبل، والهوية.
في ظل الحكم الفرنسي، شعر اليهود بأمان نسبي، واستُثمر هذا الشعور لتغذية مخاوف أعمق من المحيط المسلم، قُدّمت باعتبارها تهديدًا كامنًا، ما مهّد نفسيًا لفكرة الهجرة.
ومع هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، تحوّلت الدعاية الصهيونية في المغرب من جمع الأموال إلى التعبئة السياسية المباشرة، مركّزة على ضرورة إقامة دولة يهودية، باعتبارها الحل الوحيد للأمن والكرامة.
ونتيجة لهذه الحملات، قَبِل كثيرون لاحقًا أوضاعًا معيشية قاسية داخل إسرائيل، تتناقض جذريًا مع صورة الدولة الموعودة، ليجدوا أنفسهم بعد عقود أمام واقع اقتصادي هشّ، يعيش فيه ربع السكان تقريبًا تحت خط الفقر، بينما يقف آخرون على حافته.
بهذا المعنى، لم يكن الإعلام الصهيوني مجرد وسيط لنقل الفكرة، بل أداة تأسيس كاملة، سبقت الدولة ومهّدت لها، وأنتجت قبولًا طويل الأمد بالتضحية، حتى حين تبيّن أن الحلم الذي صيغ بعناية، لم يكن مطابقًا للواقع الذي فُرض لاحقًا.
من الإعلام المؤسِّس إلى الإعلام العسكري: "غالي تساهل" ولحظة الاعتراف
لم تأخذ إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" مظهر المؤسسة الرسمية لجيش نظامي، وكذلك المظهر الثوري والصوت الأممي الشائع لـ "حقبة الخمسينات"، وهذا بالرغم من افتتاحها على يد "اليساري" الأهم ديفيد بن غوريون، ما يجعل وصفها أحد أكثر أشكال العسكرة الناعمة اكتمالًا واستمرارية داخل المجال العام الإسرائيلي.
"غالي تساهل" لم تُنشأ لتواكب الدولة، بل لتشارك في إنتاجها رمزيًا، عبر تحويل الأمن من حالة استثنائية إلى نمط إدراك يومي، ومن وظيفة عسكرية محدودة إلى إطار عام لتنظيم المعرفة واللغة والنقاش.
الإنشاء "تناقض الهيكل المؤسسي"
جاء قرار إنشاء إذاعة مستقلة للجيش عام 1950، بعد تخوف صريح من "عسكرة" إذاعة الدولة القائمة، مما يكشف المفارقة التأسيسية - لم يكن الهدف تحييد العسكرة، بل احتواؤها داخل شكل إعلامي قابل للتطبيع.
فبدل أن يتحول "صوت إسرائيل" إلى صوت عسكري مباشر، جرى خلق منصة تحمل اسم الجيش وتبث للجميع، بما يسمح بدمج الخطاب الأمني في المجال العام دون صدام رمزي مباشر وذلك امتدادًا للنهج الإعلامي للحركة الصهيونية منذ بدايتها.. هكذا وُلدت إذاعة الجيش لا كأداة طوارئ، بل كبنية دائمة.
منذ خطاب بن غوريون الافتتاحي، اتضح أن وظيفة الإذاعة تتجاوز الاتصال بالقوات المسلحة. "تثقيف الشعب"، "استيعاب المهاجرين"، "ترسيخ اللغة ومعرفة البلاد" ليست أهدافًا إعلامية محايدة، بل مكونات أساسية في إنتاج جماعة سياسية منضبطة رمزيًا.
وإن لم يُطرح الترفيه ضمن الأهداف الأولى، لكن دخوله لاحقًا لم يُضعف الوظيفة الأمنية، بل عززها؛ إذ أصبح التطبيع أكثر فاعلية حين يمر عبر الموسيقى، والبرامج الثقافية، والإيقاع اليومي العادي للحياة.
هنا تتجلى العسكرة الناعمة في صورتها الأكثر تعقيدًا لا عبر التمويل العسكري المباشر، بل عبر فصل شكلي بين المصدر المالي والانتماء المؤسسي، فرغم أن "غالي تساهل" تعمل كوحدة تابعة للجيش، ويُعيَّن قائدها ضمن تسلسل عسكري، فإن ميزانيتها السنوية – التي تبلغ نحو 52 مليون شيكل – لا تأتي في معظمها من ميزانية وزارة الدفاع.
بل يُموَّل نحو 87% منها عبر بيع حقوق الرعاية والإعلانات الخدمية، هذا الترتيب المالي لا يخفف من طابعها المؤسسي، بل يعيد إنتاجه في صيغة أكثر قابلية للتطبيع، حيث يبدو الصوت العسكري مستقلًا اقتصاديًا، بينما يظل مندمجًا تنظيميًا داخل الجيش.
ويعزز هذا، التركيب البشري الهجين لطبيعة الإذاعة بوصفها جهازًا للتطبيع الأمني، إذ يعمل فيها 366 شخصًا، من بينهم 224 جنديًا في الخدمة الإلزامية، إلى جانب 85 موظفًا مدنيًا في الجيش الإسرائيلي، و48 مختصًا في المحتوى يعملون بصفة مستشارين.
هذه البنية لا تمثل تراجعًا عن العسكرة، بل انتقالًا بها من الشكل الصريح إلى الشكل الإداري–المهني، حيث يُعاد إنتاج الخطاب الأمني عبر أدوات إعلامية "مدنية" ظاهريًا، دون أن يفقد ارتباطه البنيوي بالمؤسسة العسكرية.
هذا التناقض الظاهري ليس خللًا، بل هو جوهر الصيغة، فكلما ابتعد الخطاب عن لغته العسكرية المباشرة، ازداد قدرته على تطبيع منطق الأمن وجعله غير مرئي.
منذ أحداث غزة في السابع من أكتوبر 2023، أصبح صوت نتنياهو هو الصوت الوحيد الذي يتكرر على كل القنوات، ويعيد إنتاج الخطاب الأمني والسياسي بلا منافس حقيقي
لحظة الاعتراف "العسكرة الكاملة"
التحول بعد حرب 1973 إلى البث على مدار الساعة، وإدخال نشرات الأخبار والتحليل السياسي المنتظم، مثّل لحظة حاسمة في هذا المسار، لم تعد الإذاعة تخدم الجيش فقط، بل باتت تشارك في إدارة الوعي الجماعي في أوقات الحرب والسلم معًا.
ومع استمرار هذه الصيغة، أصبح الجمهور المدني هو المستهدف الرئيسي، لكن ضمن إطار تفسيري لا يخرج عن منطق الدولة الأمنية، لم يعد الأمن موضوعًا من بين موضوعات أخرى، بل أصبح الخلفية الصامتة التي يُفهم من خلالها كل شيء.
في هذا السياق، لا تعمل "غالي تساهل" كوسيلة نقل محايدة للأحداث، بل كجهاز يحدد ما يُعد حدثًا، وما يُصنف معلومة، وما يُعتبر نقاشًا مشروعًا، حتى التعددية الظاهرة في الأصوات والتحليلات لا تكسر هذا الإطار، لأنها تتحرك داخله. فالنقاش لا يُمنع، بل يُنظَّم؛ لا يُقمع، بل يُضبط؛ وهو ما يشكل جوهر التطبيع الأمني.. أن يصبح منطق الأمن بديهيًا إلى درجة لا تستدعي الدفاع عنه.
بهذا المعنى، تمثل إذاعة الجيش لحظة اعتراف صريحة بما سيُخفى لاحقًا في مؤسسات إعلامية أخرى، أن الإعلام ليس سلطة مستقلة عن التنظيم، بل إحدى أدواته، الفارق أن غالي تساهل لم تُخفِ انتماءها المؤسسي، بل جعلته جزءًا من اسمها، بينما ستتعلم صيغ لاحقة كيف تُمارس الوظيفة نفسها دون العلامة العسكرية المباشرة.
إن الجدل المتكرر حول استقلالية الإذاعة، أو محاولات إغلاقها أو إعادة هيكلتها، لا يعكس أزمة تقنية أو مالية، بل قلقًا بنيويًا من مؤسسة تقول الحقيقة العميقة للنظام الإعلامي، أن العسكرة لا تحتاج دائمًا إلى خطاب خشن أو أوامر مباشرة، بل يمكن أن تعمل بهدوء، عبر النشرة، والموسيقى، والتحليل، والصوت المألوف الذي يصاحب الحياة اليومية. وهنا تحديدًا تكمن خطورتها. في كونها إذاعة لا تُشعرك بأنك تستمع إلى جهاز أمني، بينما تقوم بوظيفته كاملة.
ما بعد الإغلاق "العسكرة بلا زيّ"
لم يأتِ قرار إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي بوصفه خطوة مفاجئة أو قطيعة حادة مع الماضي، بل ذروة لمسار طويل من التردد والمراجعات الظاهرية، التي أخفت في جوهرها سؤالًا واحدًا.. هل ما زالت الدولة بحاجة إلى منصة تحمل اسم الجيش كي تُدير خطابها؟ ولعل هذا هو السؤال الأصدق في المسألة برمتها.
فمنذ سنوات، تتأرجح الإذاعة بين مقترحات الإغلاق والخصخصة والإصلاح، في حركة تعكس ارتباكًا شكليًا لا خلافًا حقيقيًا حول الوظيفة، ففي أيلول/سبتمبر 2023، تراجع وزير الأمن السابق يوآف غالانت عن خطة الإغلاق، متعهدًا بإصلاح المحطة وتثبيت قيادتها العسكرية، وكأن المشكلة كانت إدارية لا بنيوية، تتعلق بالأداء لا بالدور.
غير أن هذا التراجع لم يُنهِ النقاش، بل أجّله. ففي آذار/مارس 2025، عاد الاقتراح إلى الواجهة، هذه المرة بصيغة أكثر حسمًا، حين دعا وزير الاتصالات شلومو كرهي إلى إغلاق الإذاعة بدعم مباشر من بنيامين نتنياهو، مبررًا القرار بأنها تحولت إلى "منبر سياسي" بدلًا من وسيلة لرفع معنويات الجنود.
هذا الاتهام، بقدر ما بدا نقدًا، كان اعترافًا ضمنيًا بأن السياسة لم تعد شيئًا طارئًا على الإعلام العسكري، بل معيارًا للحكم عليه، الاعتراض لم يكن على التسييس في ذاته، بل على من يملك حق توجيهه.
وحين صادقت الحكومة بالإجماع على الإغلاق، رغم تحذيرات المستشارة القانونية غالي بهاراف ميارا من افتقار القرار إلى الأساس المهني والقانوني، انكشف جوهر اللحظة، لم يعد الجدل يدور حول حرية الصحافة أو استقلال البث، بل حول السيطرة الكاملة على السردية. إن إنهاء بث إذاعة عمرها خمسة وسبعون عامًا لا يعني تفكيك عسكرة الإعلام، بل الإعلان عن اكتمالها.
ففي لحظة يصبح فيها رئيس الوزراء نفسه المنبر الإعلامي والأمني للدولة، تنتفي الحاجة إلى مؤسسة تحمل الاسم القديم، وتبقى الوظيفة حاضرة، موزعة على قنوات "مدنية" تؤدي الدور ذاته دون أن تعلن عنه.
هنا لا يُغلق صوت الجيش، بل يذوب في ضجيج خطاب واحد، يُدار من المركز، ويُقدَّم بوصفه واقعًا لا خيارًا.
نتنياهو – رئيسًا لكوريا الشمالية!
في إجراء متوقع رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإغلاق إذاعة الجيش، مشيرًا بأن وجود محطة عسكرية رسمية، يجعل الدولة الديمقراطية أقرب إلى كوريا الشمالية، وربما إلى عدد قليل من الدول الأخرى، وأن إسرائيل لا تريد أن أن "تُصنّف" ضمن هذا الإطار!
تبقى هذه النوعية من التصريحات "النوعية" محل نقاش وجدل كبير في الداخل الإسرائيلي، بين من لازال متمسكًا بالدولة اليهودية الدينية، وبين قطيع أكبر من الشباب الذي رَغب في مساحة علمانية مجاريًا العالم الغربي الذي طالما رغب في الانتماء إليه.
في ظل هذا التأرجح تبقى عسكرة الدولة ملف شائك. بين الإجراءات الأمنية اللازمة للوضع الدائم للكيان الصهيوني، وبين الحاجة إلى مساحة إيديولوجيا تتسع لهذا المنحى الذي تسعى إليه إسرائيل في المجتمع الدولي.
يُعد تصريح من هذا النوع، رغم محاولته الاستنكار الظاهر، يكشف بالضبط ما هو في صميم النقاش، ليس الأمر مجرد إذاعة، بل حول من يملك السلطة على الصوت ومن يتحكم في السردية العامة.
إلا إنه منذ أحداث غزة في السابع من أكتوبر 2023، أصبح صوت نتنياهو هو الصوت الوحيد الذي يتكرر على كل القنوات، ويعيد إنتاج الخطاب الأمني والسياسي بلا منافس حقيقي، الإعلام المدني الذي كان يحاكي الانفتاح والاختلاف صار امتدادًا لغرفة القرار نفسها، فيما أي مساحات نقدية أو تحليلية تكاد تختفي تحت ضغط التوحيد المعلن للصوت و"الظرف الأمني"
هنا، تتضح المفارقة الاستنكارية، القرار بإغلاق الإذاعة العسكريّة لا يحرّر الجمهور أو يوسّع الديمقراطية، بل يُعيد رسمها وفق منطق الصوت الواحد، حيث يصبح الخطاب الرسمي هو القانون، والإعلام الذي يُعلنه هو السلطة، والدولة تُقدّم نفسها في صورة حيادية زائفة بينما تُدار بالكامل من قمة الهرم.







