إعزيزة.. تمائم أرض السواد

إعزيزة.. تمائم أرض السواد

جانب من العرض

يصل مجموعة من الشباب المسرحي من معهد وكلية الفنون الجميلة في بغداد، ظهر كل يوم إلى "منتدى المسرح" في شارع الرشيد وسط بغداد، للبدء بتحضيرات العمل المسرحي "إعزيزة". الألفة والصداقة العميقة بين كادر المسرحية، كانت عاملًا أساسيًا في خلق روح إيجابية بين الممثلين، أنتجت حالة من التواصل مع الجمهور.

"إعزيزة" عرض مسرحي يستفيد من تصميم البيت العراقي

في العراق، تقول الخرافة الشعبية أن "إعزيزة" هي أداة تُستخدم عن طريق السحر لإثارة المشاكل وجلب الهموم في أي مكان تُرمى فيه، وهي عبارة عن عظمة في قدم الخروف تُستخرج منه بعد ذبحه. وعلى هذا الأساس أسس شبان مسرحيون عرضًا مسرحيًا لمعالجة عدد من الملفات السلبية في المجتمع العراقي.

غادر مخرج المسرحية، باسم الطيب، فكرة العرض على خشبة المسرح، وراح يُفكر في عرضه داخل باحة مُنتدى المسرح وغرفه التسع، مختلفة المساحة. "إعزيزة" لم تكن فقط مسرحية عُرضت وتناولت أزمات العراق بشكل مختلف، بل سعت إلى إعادة ثقافة قطع التذاكر عبر الحجز المسبق.

أعداد الجمهور حُددت بـ100 شخص في اليوم، يلبسون شارات ملونة، ويوزعون إلى فرق، كل فريق له قائد من الكادر الإداري في المسرحية، يُرشده على الغُرف التي توزعت عليها المشاهد التسع.

عمِد كادر العمل على بيع بطاقات الدخول للمسرحية، حتى يعيدوا ثقافة الدخول للمسرح الشعبي الهادف للمجتمع العراقي، فكان سعر البطاقة دولارين ونصف دولار أمريكي. الجمهور لا يدخل سوية إلى المسرحية، بل واحدًا تلو الآخر، بينما يستقبل مخرج العرض، الذي يُرحب بهم، ويَعُدَهم، بينما أشخاص آخرين يُرشدونهم إلى الوقوف في الأماكن المحددة. في هذه الأثناء يستمر الطيب، وهو مخرج مسرحي شاب، بالطلب من الممثلين الاسترخاء والابتسامة، والعمل على إسعاد الجمهور.

"هذا مو إنصاف/ منك غيبتك هالكد تطول/ الناس لو تسألني عنك/ شرد أجاوبهم شكول"، هكذا تبدأ أحداث "إعزيزة"، عندما تنطلق الطفلة تارة صلاح بغناء هذه الأبيات، بينما ينزل الممثلون من شرفة المنتدى إلى باحته، وهم يقدمون الشاي والمشروب الغازي والحلوى للجمهور.

مبتسمون، أصدقاء، فرحون، بينهم ود، هكذا بدا الممثلون في المشهد الاستهلالي. فجأة، ويتغير كل شيء، يضربون بعضهم، يتبادلون السباب والشتائم، لا أحد يعرف ماذا حدث لهم. إنها "إعزيزة" هي التي جاءت. طرح العرض المسرحي، تسع ملفات، وهي الأبرز في حياة المجتمع العراقي، خاصة بعد عام 2003 ودخول الاحتلال الأمريكي للبلاد، وهي: التفكك الأسري، وحقوق المرأة، والإرهاب، والتعليم، والدين، والنبؤات المستقبلية، انتحار الشباب، الأمراض النفسية بسبب الحروب، إعادة إعمار بغداد.

يختزل عرض "إعزيزة" الأوضاع التي يعيشها العراق منذ 12 عامًا

يقول مخرج العمل باسم الطيب إن "هذا العرض المسرحي سعى إلى مناقشة ملفات عراقية مؤثرة، تخص المجتمع العراقي، وكيفية معالجتها بطريقة مسرحية هادفة، دون المساس بها، ودون لغة صعبة لا يفهمها كل الجمهور".

ويضيف أن "التفكير بشكل آخر للعرض المسرحي غير المعتاد على خشبة المسرح، كان مفاجئًا للجمهور، كما أنه ركز وبشكل منتظم على الملفات التي يعاني منها المجتمع العراقي، وحددها دون مناقشة سطحية، بل كانت تفصيلية".

اختزل مخرج المسرحية الأوضاع التي تعيشها بلاده منذ 12 عامًا، بعمل مسرحي صورته تسع مشاهد، وكأن العراق بلد السبعة آلاف عام من الحضارة، قد رُميت فيه "إعزيزة"، ولا يعرف أحدًا سبيلًا لإخراجها.

من المشاهد المهمة في مسرحية "إعزيزة"، كان ذلك الذي يتحدث عن الذين يُتاجرون باسم الدين، ويمارسون حياتهم بسعادة مفرطة على حساب أؤلئك الفقراء، وكيف أنهم أخذوا دور الرب على الأرض، أو أنهم أصبحوا وكلاء ينوبون عنه، يحرمون ما لا يُعجبهم، ويُحللون ما يطيب لهم.

يقول الممثل أحمد سعدون إن "المسرحية ركزت على مواطن خلل في المجتمع العراقي، التي كان لها دورًا سلبيًا في إيصال البلاد إلى ما هي عليه الآن، خاصة فيما يتعلق بقضايا الدين، فهناك من استخدمه سلعة يروج بها لبضاعته، على العكس من الرسالة النبيلة التي يحملها الإسلام".

يأخذك مرشد فريقك إلى الغرف بشكل منتظم، وفي كل غرفة ممثل واحد، يتحدث عن ملف معين، ثم تخرج لتدخل مجموعة أخرى، حتى ينتهي الجميع من مشاهدة كل الملفات، ثم يُعاد تجميعهم في باحة المنتدى، وهو عبارة عن بيت تُراثي كبير، يعود بناؤه إلى النصف الأول من القرن الماضي.

أثناء العرض المسرحي، هناك نذير شؤم يجوب في المكان. شخص يرتدي الزي الأسود، ورأسه لُف بقماش أبيض، حركاته بطيئة جداً، الأطفال والنساء لا يقتربون منه، فتارة يرتدي العباءة العراقية السوداء، وأخرى ينزعها. كانت هذه الشخصية تُمثل دور "إعزيزة"، التي تلف مدن العراق، وكأن لعنة نزلت على هذه البلاد.

الممثلون يتجمعون في باحة المنتدى، والإضاءة خافتة، ينامون جميعًا، فالحقد والكراهية قتلتهم، كأنهم لم يقرأوا ما قاله مارتن لوثر كينغ "إما أن نعيش معًا كالإخوة، أو نهلك جميعًا كالأغبياء". 

كانوا مستلقين على الأرض جميعهم كالأموات، فجأة يعلو صوت موسيقى، يُعرف في العراق بموسيقى "المعزوفة"، وهي موسيقى شعبية تُدق في المناسبات السعيدة. يصحون على صوتها جميعًا ويرقصون، لكن أي رقص ذلك، كانوا يضربون على وجوههم، ويلطمون، ويجلدون الذات، وينعون بعضهم، ويواسون الموتى: "لا تكول آني وحيد، كل إحنا موتى".