قتل حلاوة يقلب الطاولة على السلطة.. القصة كاملة

قتل حلاوة يقلب الطاولة على السلطة.. القصة كاملة

المواطن المقتول أحمد حلاوة (الترا صوت)

بسرعة كبيرة تدحرج التصعيد في البلدة القديمة بنابلس وتجاوز حدود أزقتها إلى شوارع المدينة، وانقلبت المواقف المؤيدة للحملة الأمنية هناك إلى رافضة لها، بعد إعدام عناصر بالأجهزة الأمنية المواطن أحمد حلاوة "أبو العز" من سكان البلدة القديمة، إثر اعتقاله فجر يوم الثلاثاء الفائت.

فأحمد حلاوة يعتبر بالنسبة لأبناء البلدة القديمة أحد وجهائهم ورجال الإصلاح فيهم، إذ وقَّع على 540 صك صلح في المنطقة، وقد قتل في الوقت الذي كان فيه يسعى لإيجاد حل للأزمة مع السلطة، كما أفادت مصادر من البلدة القديمة وعائلة حلاوة لـ "ألترا صوت".

قُتل أحمد حلاوة في الوقت الذي كان فيه يسعى لإيجاد حل للأزمة مع السلطة

وأعلن محافظ نابلس اللواء أكرم الرجوب أن حلاوة الذي وصفه بـ"الرأس المدبر لقتل رجلي أمن في نابلس" قد قتل نتيجة ضربه من قبل عناصر أمن غاضبين، بعد أن وجه لهم شتائم نابية إثر اعتقاله من منطقة نابلس الجديدة فجر الثلاثاء 23 آب/أغسطس، فيما ترى عائلة حلاوة أن نجلها تمت تصفيته بقرار مسبق.

اقرأ/ي أيضًا: المرتزقة الجدد.. الجيوش الخاصة والنظام العالمي

وقال القيادي الفتحاوي فايز أبو شمالة إن ضابطًا كان قريبًا من الحدث أبلغه أن حلاوة قال لرجال الأمن "يا جواسيس يا عملاء"، فانهالوا عليه ضربا حتى فاضت روحه.

كيف بدأت الأزمة؟

مقتل حلاوة جاء بعد مقتل شابين من البلدة القديمة هما فارس حلاوة وخالد عبدالناصر الأغبر، فجر الجمعة 19 آب/أغسطس الجاري، تتهمهما الأجهزة الأمنية بقتل رجلي أمن فجر الخميس 18 آب/أغسطس، ما يعني أن عدد الضحايا خلال أسبوع واحد من الأمن والبلدة القديمة قد وصل إلى خمسة أشخاص.

وتتحدث الأجهزة الأمنية عن حملة تهدف إلى إلقاء القبض على "خارجين عن القانون" قاموا بأعمال "تمس أمن المواطنين"، وذلك تنفيذا لقرار رئاسي صدر إثر أحداث يعبد الدامية والبلدة القديمة في نابلس أواخر شهر رمضان، التي راح ضحيتها ثلاثة مواطنين في يعبد، ورجلا أمن في البلدة القديمة.

لكن مصدرًا من البلدة القديمة قال إن الأزمة هناك بدأت أصلا منذ السابع والعشرين من كانون أول/ديسمبر الماضي، عندما قُتل الشاب أشرف البيعة من مخيم العين، أثناء مشاركته في شجار بين عائلتي حلاوة وحمامة بالبلدة القديمة في ذلك اليوم.

ويقول المصدر (ليس من العائلتين) إنه لم يُعرف حينها القاتل، لكن أحمد حلاوة تطوع بتحمل مسؤولية إنهاء تبعات ما حدث من خلال تحميل عائلته مسؤولية القتيل وتبعات ذلك، على أن تتحمل العائلة الأخرى المسؤولية أيضا كون أشرف جاء إلى جانبها.

 احمد حلاوة
جثمان حلاوة بين أيدي الأطباء

ويضيف المصدر، أن جهود الإصلاح باءت بالفشل، فتدخلت الأجهزة الأمنية مطالبة بتسليم خمسة أشخاص من عائلة حلاوة تقول إن لهم علاقة بمقتل أشرف، وهم علاء ونصر نجلي أحمد، وشقيقه هاني وابنه ناصر، إضافة لشاب يدعى بدر حلاوة، وقد وافق أحمد على تسليم المطلوبين حقنا للدماء مقابل أن يتم الإفراج عنهم فورا في حال ثبوت براءتهم.

ويؤكد هذه المعلومات المحامي محمد حلاوة الناطق باسم عائلة حلاوة لـ "ألترا صوت"، موضحًا أن نصر نجل أحمد خضع سابقا لعمليتي قلب مفتوح، وقد تعهد قائد قوات الأمن الوطني نضال أبو دخان شخصيا لأحمد بالإفراج عنه بعد ثلاثة أيام أو أربعة، لكن ذلك لم يحدث.

اقرأ/ي أيضًا: لو تمت الانتخابات الأمريكية اليوم.. لفازت كلينتون

البلدة القديمة تشتعل

وحسب مصدرنا في البلدة القديمة، فإن التصعيد تجدد الأسبوع الماضي بعد ورود أنباء بوفاة نجل أحمد في المستشفى، إذ نفذ أبناء عائلة حلاوة احتجاجات تخللها إطلاق نار، وقد تبع ذلك إرسال الأمن لقوة خاصة فجر الخميس إلى البلدة القديمة، لا يعلم أحد إن كانت قد حضرت من أجل مطلوبين محددين أو لاعتقال من قاموا بالاحتجاجات، وقد تعرضت حينها لإطلاق نار تسبب بمقتل العنصرين.

ويوضح المصدر، أنه لا يُعرف بعد من أطلق الرصاص على الأمن، ولا يمكن الجزم ما إذا كان إطلاق الرصاص قد حدث وجها لوجه (إثر اشتباك)، أو أن الأمن تعرض لكمين، لكنه يؤكد بأن أحمد حلاوة كان حينها في "باب الساحة" وقد أخذ يضرب على رأسه قائلا: "شو الي بصير (ماذا يحدث)، ما بدنا يصير هيك".

ويؤكد محمد حلاوة هذه الرواية، مبينا، أن أحمد كان عند وقوع إطلاق الرصاص في منزله يستقبل شخصيات حضرت لطمأنته على نجليه وبقية المعتقلين من العائلة، وقد شاهده كثيرون يخرج من منزله ويتحسر على ما يحدث. وتابع، "بعدها اتصل أحمد بنضال أبو دخان وأمين سر فتح في نابلس جهاد رمضان وقال لهم لا نريد أن يحدث ذلك".

ويؤكد حلاوة، أن الشاب فارس أيضا الذي قتله الأمن الجمعة بتهمة إطلاق الرصاص على عناصره قبل يوم كان بريئا من التهمة، وقد شاهده أكثر من شخص في موقع آخر لحظة إطلاق النار.

ويضيف، بأن الأمن يلاحق الآن ثلاثة من أبناء أحمد حلاوة هم سيف وعماد وجمال، وهناك مخاوف حقيقية على حياتهم، إضافة لثلاثة شبان آخرين من البلدة القديمة هم رائد حمدان ومعاذ الدردوك وأحمد سليم أبو ترابي، ولا يُعرف عنهم أي معلومة منذ اختفائهم عن الأنظار وبدء ملاحقتهم من الأمن، حسب حلاوة.

تبع إعدام حلاوة إضراب عام في نابلس واحتجاجات من حقوقيين ونشطاء بسبب تصفيته الجسدية دون تحقيق أو محاكمة

السلطة تخسر بقتل حلاوة

ووجدت قضية إعدام أحمد حلاوة اهتمامًا أوسع من الذي استطاعت السلطة حشده لصالح حملتها الأمنية في البلدة القديمة بنابلس، فبعد إشادة الناطق باسم الحكومة يوسف المحمود بالالتفاف الشعبي حول الحملة الأمنية، وارتفاع أصوات كثيرة من نشطاء وحقوقيين وإعلاميين تأييدًا للحملة، تسبب إعدام حلاوة بقلب الطاولة على السلطة وتجييش الرأي العام ضدها.

وحسب المحامي محمد، فإن أحمد حلاوة ملازم أول في الشرطة حتى يوم إعدامه، وأب لسبعة أبناء (ستة شبان وشابة)، أكبرهم عز معتقل لدى الاحتلال منذ تسع سنوات ويقضي حكما مدته 12 عاما، فيما يلاحق الأمن ثلاثة منهم (سيف وعماد وجمال) ويعتقل اثنين آخرين (نصر وعلاء).

ولقي إعدام حلاوة انتقادات واسعة وحادة إضافة لاحتجاجات في مدينة نابلس، قمعتها أجهزة الأمن باستخدام قنابل الغاز، وإضراب عام شل المدينة بأكملها أيام الثلاثاء والأربعاء. ويقول المحتجون إن قتل حلاوة ضربًا بعد اعتقاله ودون تحقيق أو محاكمة لا يعكس أسلوب دولة قانون، ولا يتناسب مع إعلان السلطة بأن حملتها تهدف لفرض الأمن والنظام.

إضراب عام في نابلس
نابلس في إضرابها الاحتجاجي على مقتل حلاوة

وأعلنت الحكومة رسميا عن تشكيل لجنة تحقيق يترأسها وزير العدل علي أبو دياك وفي عضويتها النيابة العامة والنيابة العسكرية، لكن عائلة حلاوة اعتبرت ذلك ذرًا للرماد في العيون ومحاولة لتخدير المحتجين. فيما علق المحامي نائل الحوح موضحًا أن تشكيل اللجنة مخالفة قانونية، كون الجهة المختصة بالتحقيق هي النيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد حسب القانون الفلسطيني، وفق قوله.

ورغم ذلك، فإن اللجنة تواصل عملها حسب رئيس الحكومة ووزير الداخلية رامي الحمدالله خلال اجتماعه مع قادة الأجهزة الأمنية اليوم الخميس 25 آب/أغسطس، مؤكدا أنه سيتم محاسبة المسؤولين عن الاعتداء على حياة وأمن المواطنين، بما يشمل أفراد المؤسسة الأمنية.

وفي بيانها الأخير، طالبت عائلة حلاوة بالكشف سريعا عن قاتلي نجلها ومحاسبتهم، معلنة أنها لن تدفن جثمانه حتى يتم ذلك.

وتشهد نابلس منذ إعلان مقتل حلاوة إضرابًا شاملاً استُثنيت منه فقط الصيدليات والمخابز وبعض بسطات الخضار، فيما تندلع من حين لآخر مواجهات كانت آخرها مساء الأربعاء، اعتقل على إثرها الأمن 25 شخصا ثم أفرج عنهم بعد توقيعهم على تعهدات. وحتى اللحظة هذا حال جبل النار، اشتباكات ومداهمات تقض مضاجع البلدة القديمة والأحياء الجديدة في المدينة على السواء.

اقرأ/ي أيضًا: 

"المدنيات".. نكبة تعليمية في فلسطين

كنت فدائيًا في فلسطين