إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية.. هل تنجح المقاربة الأميركية في تحقيق أهدافها من خلال تركيا؟
29 سبتمبر 2025
تمارس الولايات المتحدة الأميركية ضغوطًا متزايدة على تركيا للتخلي عن شراء الطاقة من روسيا، غير أنّ نهجها في التعامل مع أنقرة يختلف عمّا اعتمدته مع دول أخرى مثل الهند. فبينما استخدمت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب سلاح العقوبات والرسوم الجمركية ضد نيودلهي، اختارت أسلوب المساومة مع أنقرة.
ويُعزى هذا التباين إلى عاملين أساسيين. الأول يتعلّق برغبة تركيا القوية في الحصول على مقاتلات "إف-35"، وهو ملف ربطه ترامب صراحةً بوقف أنقرة دعم المجهود الحربي الروسي عبر شراء النفط. أما العامل الثاني فيرتبط بمسعى واشنطن لتحويل تركيا إلى مركز إقليمي بديل للطاقة في المنطقة.
وقد برز هذا التوجّه مؤخرًا مع استئناف ضخ النفط العراقي نحو تركيا السبت الماضي بعد توقف استمر أكثر من عامين ونصف، وهي خطوة قالت مصادر مطلعة إنها جاءت نتيجة ضغوط أميركية قادت إلى تسوية سمحت باستئناف العمليات. في الوقت ذاته، أعلنت أنقرة عن خطط لإنشاء مركز إقليمي للغاز يمتد لخمسة عقود مقبلة، في إطار استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز موقعها في سوق الطاقة.
وتُوج هذا المسار بتوقيع شركة الغاز الحكومية التركية بوتاش اتفاقية مع شركة "ميركوريا إنرجي غروب" المحدودة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة لمدة 20 عامًا، في أكبر عقد من نوعه حتى الآن بين الجانبين، ضمن سلسلة اتفاقيات جديدة تعكس عمق التعاون في هذا المجال.
ويرى متابعون أن هدف واشنطن بجعل تركيا مركزًا بديلًا للطاقة ينسجم مع الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على الهند وأوروبا للتخلي عن الاعتماد على الطاقة الروسية.
وقّعت تركيا عقدًا، لمدة 20 عامًا، مع مجموعة ميركوريا الأميركية لتوريد نحو 70 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال
ما يجعل تركيا مؤهلة أكثر من غيرها للعب دور "البديل الطاقوي" هو موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي؛ فهي قريبة من أوروبا وفي الوقت نفسه على تماس مع الأسواق الآسيوية، الأمر الذي يقلل من أعباء النقل ويجعل أسعار الطاقة أكثر تنافسية مقارنةً بالروسية. وترى إدارة ترامب في هذا التمركز فرصة لتحقيق هدفين معًا: خنق صادرات إيران وروسيا، وإعادة رسم خرائط الطاقة العالمية.
غير أن هذا الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحويل تركيا إلى مركز بديل للطاقة ينطوي على مخاطر جدية بالنسبة لأنقرة، تشمل ارتفاع الأسعار داخليًا، والارتهان لأسواق متقلبة، إضافة إلى الخشية من خسارة العلاقات مع موسكو.
وفي هذا السياق، كان ترامب قد ربط فرض عقوبات أميركية جديدة على روسيا بوقف أوروبا استيراد الطاقة منها، وهو شرط اعتبرته العواصم الأوروبية مبالغاً فيه، لأنه يشكل قضية ثانوية مقارنة بوسائل ضغط أخرى يمكن اللجوء إليها لإجبار الكرملن على وقف الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات من دون أفق واضح لإنهائها.
ويرى متابعون أن الضغوط الأميركية على شراء الطاقة الروسية ـ سواء الموجهة إلى الهند وأوروبا أو الممارسة مؤخراً على تركيا ـ تكشف عن استراتيجية أميركية مزدوجة: تضييق الخناق على موسكو من خلال صادراتها الطاقوية، ودفع حلفاء واشنطن إلى تبني خيارات بديلة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرارهم الاقتصادي.
لقاء ترامب وأردوغان
استقبل الرئيس الأميركي نظيره التركي في البيت الأبيض الأسبوع الماضي بحفاوة لافتة، حيث خصّه بالكثير من الإطراء. غير أن ترامب كان واضحًا في مطالبه، إذ قال لأردوغان: "أفضل ما يمكن فعلُه هو التوقف عن شراء النفط والغاز من روسيا، فهذه المشتريات تموّل الحرب في أوكرانيا". وربط ترامب ملف صفقة المقاتلات إف-35 بموقف أنقرة من استيراد الطاقة الروسية، قائلاً: "نحن قادرون على إبرام صفقة مع تركيا، لكن على الرئيس التركي أن يقدم خطوة أولاً". ولم يكشف ترامب طبيعة رد أردوغان، لكنه زعم أنه لو طلب من نظيره التركي التوقف عن شراء النفط الروسي "لفعل".
وبعد اللقاء، تحدث ترامب عن مجموعة من العوامل التي يرى أنها تمنح أنقرة أفضلية على غيرها في الاستغناء عن الطاقة الروسية، من بينها موقعها القريب من أكبر مصدّري النفط والغاز، وامتلاكها موانئ بحرية، بخلاف دول مثل المجر وسلوفاكيا التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية بسبب ظروفها الجغرافية.
في المقابل، تعمل تركيا منذ العام الماضي على تنويع مصادرها من الطاقة. فقد وقّعت عقدًا طويل الأمد (20 عامًا) مع مجموعة ميركوريا الأميركية للطاقة لتوريد نحو 70 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، كما كشفت عن خطط لإنشاء مركز إقليمي للغاز خلال العقود الخمسة المقبلة. ومع ذلك، أظهرت بيانات العام الماضي أن أنقرة ما زالت ضمن أكثر الدول استهلاكًا للطاقة الروسية.
ورغم هذه التوجهات، لم تُبدِ أنقرة موقفًا واضحًا من العرض الأميركي، على الرغم من رغبتها القوية في الحصول على المقاتلات الأميركية. وعلى النقيض، قلّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أهمية المشتريات الأوروبية من الطاقة الروسية، واعتبرها "ضئيلة ومسألة ثانوية"، فيما وصفت المجر مطالب واشنطن بوقف الاستيراد بشكل كامل بأنها "غير واقعية"، لأنها ستؤدي إلى خسائر تصل إلى 3-4% من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الاقتصادات الأوروبية.
وتتصدر المجر وسلوفاكيا وبلجيكا واليونان وإسبانيا وهولندا والبرتغال وفرنسا قائمة الدول الأوروبية الأكثر استيرادًا للغاز الروسي. وفي هذا السياق، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عقب لقائها بترامب هذا الشهر، أن تتوقف الدول الأوروبية بحلول عام 2027 عن شراء الغاز المسال من روسيا.
البديل الطاقوي التركي
ستحصل تركيا، بموجب الاتفاقية المبرمة مع الولايات المتحدة، على أربعة مليارات متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، بما يمثل نحو 8% من إجمالي الطلب السنوي التركي. ومن المقرر أن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ في العام المقبل 2026. وتشير تفاصيل الاتفاق إلى أن جزءاً من هذه الكميات سيُعاد تصديره نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية. وفي هذا الإطار، اتفقت القاهرة وأنقرة على إنشاء محطة استيراد مؤقتة، علماً بأن مصر تُعد المستورد النشط الوحيد للغاز الطبيعي المسال في شمال أفريقيا.
ويعزز هذا التوجه فرضية أن تركيا تسعى لتكريس موقعها كمركز بديل للطاقة في المنطقة، إذ وقّعت أيضاً اتفاقيات أخرى، أبرزها مذكرة أولية مع شركة "وودسايد إنرجي غروب" الأسترالية لاستيراد 5.8 مليارات متر مكعب إضافية على مدى تسع سنوات، انطلاقاً من مشروع تصدير الغاز المسال في لويزيانا بالولايات المتحدة، ابتداءً من عام 2030.
وبهذا تبتعد أنقرة تدريجياً عن الموردين التقليديين للطاقة، وفي مقدمتهم روسيا وإيران. غير أن خيار التخلي عن الطاقة الروسية ينطوي على مخاطر اقتصادية كبيرة، أبرزها احتمالية ارتفاع أسعار الغاز محلياً إلى مستويات قد تُضعف الاقتصاد التركي بأكمله.
مخاطر
تذهب أوساط اقتصادية ودبلوماسية في تركيا إلى أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من وراء الضغط على أنقرة وأوروبا والهند للتخلص من الطاقة الروسية لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل في توسيع نطاق صادراتها من الغاز المسال وضمان أسواق جديدة لها.
مع ذلك، يرى محللون أن الطاقة الأميركية لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً للطاقة الروسية، التي تتميز بانخفاض كلفة النقل والأسعار التنافسية. وفي هذا السياق، يؤكد الصندوق الوطني الروسي لأمن الطاقة أن روسيا كانت وستظل لاعبًا أساسيًا في سوق الطاقة العالمية، وأن استبعاد نفطها وغازها من المعادلة يترك فراغاً يصعب تعويضه.
ويشير باحثون روس إلى أن أوروبا "تخلت عمليًا عن قدرتها التنافسية" بعدما قلّصت وارداتها من الغاز الروسي، وهو ما أدركته الهند وتسعى تركيا لتجنبه. وفي موازاة ذلك، تمكنت موسكو من الالتفاف على العقوبات عبر تطوير ما يُعرف بـ"أسطول الظل" بالتعاون مع الصين، بهدف تهريب النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.