إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية
11 يوليو 2026
يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة؛ ومن جهة أخرى، أصبح كل مقترح لتشكيل سلطة انتقالية جديدة مثقلًا بذاكرة سياسية سلبية، نظرًا إلى ما أنتجته التجارب السابقة من سلطات مؤقتة تجاوزت آجالها وتحولت إلى أطراف في الصراع بدلًا من أن تكون أدوات لتجاوزه.
في هذا السياق، جاءت توصيات مسار الحوكمة بالحوار المهيكل، التي تقترح إعادة اختيار مجلس رئاسي، وتشكيل حكومة موحّدة باسم "حكومة الاستحقاق الوطني"، بولاية انتقالية لا تتجاوز 18 إلى 24 شهرًا، وبمهام محصورة في إدارة المرحلة التمهيدية وتهيئة الظروف السياسية والأمنية والمؤسسية لإجراء انتخابات وطنية شاملة.
غير أن هذه التوصيات تزامنت مع استمرار الحوار المصغّر المعروف بصيغة "4+4"، الذي يركّز على تغيير مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، الأمر الذي يطرح سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين المسارين: هل يشكّلان مسارين متكاملين، أم يتجهان إلى إنتاج تنازع جديد حول الأولويات والمرجعيات؟
تسعى توصيات مسار الحوكمة إلى التحليل في ضوء ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى المؤسسي المتعلق بإعادة هندسة السلطة التنفيذية؛ والمستوى الدستوري المتعلق بتأجيل الدستور الدائم واعتماد إطار مؤقت؛ والمستوى السياسي المتعلق بفرص قبول الأطراف الليبية بهذه التوصيات؛ خاصة أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب التصورات أو المبادرات، بل في غياب آلية ملزمة لتحويل التوافقات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، وفي استمرار قدرة الأطراف المتنفذة على تعطيل أي مسار يهدد مواقعها داخل البنية الانتقالية.
الحوار المهيكل بوصفه محاولة لإعادة تعريف مدخل التسوية
يكتسب الحوار المهيكل أهميته من كونه لا يقتصر على معالجة تقنية للقوانين الانتخابية، بل يحاول توسيع دائرة النقاش لتشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان؛ وبذلك، فإن البعثة الأممية تبدو وكأنها انتقلت من مقاربة "الانتخابات أولًا" بوصفها مدخلًا مباشرًا لإنهاء الأزمة، إلى مقاربة أكثر تركيبًا ترى أن الانتخابات لا يمكن أن تُجرى في فراغ مؤسسي أو أمني أو اقتصادي.
ضمن هذه الرؤية، لا تمثل توصيات مسار الحوكمة مجرد اقتراح إداري لتغيير الحكومة، بل تعكس تصورًا أوسع لإعادة ترتيب السلطة خلال المرحلة السابقة للانتخابات. فالسلطة التنفيذية المقترحة ليست، من حيث النص، سلطة حكم مفتوحة، بل سلطة انتقالية مقيّدة بسقف زمني، وباختصاصات وظيفية مرتبطة بالتحضير للانتخابات، وتوحيد المؤسسات، وتحسين الخدمات، ودعم اللامركزية، وضمان التوازن الجغرافي والاجتماعي.
غير أن هذا المنطق يصطدم بخبرة سياسية ليبية متراكمة تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب النصوص المحددة للآجال، بل في غياب أدوات إنفاذها؛ فمعظم الأجسام الانتقالية السابقة نشأت بخطاب مؤقت، ثم تمددت بفعل الانقسام وغياب البديل وتضارب المصالح المحلية والدولية. لذلك، فإن تقييم توصيات مسار الحوكمة ينبغي ألّا ينحصر في سؤال: هل هي متوازنة من حيث التصميم؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل تتضمن من الضمانات ما يمنع تحولها إلى مرحلة انتقالية جديدة مفتوحة؟
تسعى توصيات مسار الحوكمة إلى التحليل في ضوء ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى المؤسسي المتعلق بإعادة هندسة السلطة التنفيذية؛ والمستوى الدستوري المتعلق بتأجيل الدستور الدائم واعتماد إطار مؤقت؛ والمستوى السياسي المتعلق بفرص قبول الأطراف الليبية بهذه التوصيات
إعادة هيكلة السلطة التنفيذية بين الحاجة العملية ومخاطر التضخم المؤسسي
تقترح توصيات مسار الحوكمة سلطة تنفيذية مركّبة تتكون من مجلس رئاسي يضم رئيسًا ونائبين، وحكومة تضم رئيسًا وثلاثة نواب عن الأقاليم الثلاثة، إضافة إلى الوزراء والوكلاء. وتعكس هذه البنية محاولة للجمع بين منطق التمثيل الجغرافي ومنطق الفاعلية التنفيذية؛ فمنح رئيس المجلس الرئاسي صلاحيات محددة في قيادة القوات المسلحة واعتماد الميزانية وتعيين السفراء والإشراف على وزارتي الدفاع والخارجية، يقابله إسناد إدارة السياسات الحكومية والخدمات والتنمية إلى رئيس الحكومة ونوابه.
تبدو هذه الصيغة، ظاهريًا، محاولة لتجاوز إشكاليتين لازمتا التجربة الليبية: الأولى هي الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين متنافستين؛ والثانية هي النزاع حول توزيع الصلاحيات داخل السلطة الواحدة. غير أن التفصيل المقترح قد يفتح بدوره بابًا جديدًا للتنازع إذا لم تُضبط العلاقة بين المجلس الرئاسي والحكومة بنصوص دقيقة وملزمة. فرئيس المجلس الرئاسي، وفق التوصيات، لا يحتفظ بوظيفة رمزية فقط، بل يمارس صلاحيات تنفيذية مؤثرة، خاصة في ملفات الدفاع والخارجية والميزانية، وهذه الصلاحيات قد تجعله شريكًا تنفيذيًا مباشرًا لرئيس الحكومة، لا رأسًا سياديًا محايدًا.
من هنا تظهر الحاجة إلى تمييز واضح بين السلطة السيادية الضامنة والسلطة الحكومية المنفذة. وإذا كان الهدف هو إنتاج حكومة قادرة على تهيئة الانتخابات، فإن ازدواج مركز القرار قد يؤدي إلى إبطاء الأداء أو خلق تنافس داخل السلطة التنفيذية نفسها. أما إذا كان الهدف هو ضمان التوازن الجغرافي والسياسي، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى محاصصة تعطل القرار العام أو تجعل كل إقليم ممثلًا داخل الحكومة بمنطق الفيتو لا بمنطق المشاركة.
وعليه، فإن نجاح هذه الهيكلة يتوقف على ثلاثة شروط أساسية: أولها تحديد الاختصاصات بصورة لا تسمح بتنازع التأويل؛ وثانيها إخضاع القرارات السيادية الكبرى لرقابة واضحة؛ وثالثها منع استخدام التمثيل الجغرافي أداة لتكريس الانقسام بدل تجاوزه، لأن التوازن الجغرافي مطلوب في الحالة الليبية، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى بديل عن المواطنة والمؤسسات الوطنية الجامعة.
حكومة الاستحقاق الوطني وسؤال الشرعية
تطرح التوصيات اسم "حكومة الاستحقاق الوطني"، وهو اسم ذو دلالة سياسية واضحة، إذ يحاول ربط الحكومة المقترحة بالانتخابات لا بإدارة انتقالية مفتوحة. غير أن الشرعية هنا لا تنبع من الاسم، بل من طريقة الاختيار وحدود الولاية والقدرة على نيل اعتراف داخلي وخارجي متوازن.
تضع التوصيات خيارين لتشكيل السلطة التنفيذية: يقوم الخيار الأول على اختيار المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة من لجنة الحوار السياسي المستندة إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، ثم إحالة التشكيلة الحكومية إلى مجلس النواب لنيل الثقة خلال ثلاثين يومًا؛ أما الخيار الثاني فيقضي بإعادة الحكومة إلى لجنة الحوار السياسي لاعتمادها إذا تعذر منحها الثقة في الآجال المحددة.
تعكس هذه الصيغة محاولة لتفادي مأزق التعطيل البرلماني، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالًا حول مصدر الشرعية: هل تكون الشرعية منبثقة من مجلس النواب بوصفه المؤسسة التشريعية القائمة؟ أم من لجنة حوار موسعة بوصفها آلية توافقية بديلة عند العجز؟
إن الجمع بين المسارين قد يكون عمليًا إذا اعتُبر مجلس النواب قناة اعتماد أولى، ولجنة الحوار آلية احتياطية لمنع التعطيل؛ لكنه قد يصبح إشكاليًا إذا رأت الأطراف السياسية أن تجاوز مجلس النواب ينتقص من الشرعية البرلمانية، أو إذا اعتبر خصوم البرلمان أن منحه حق الاعتماد يعيد إنتاج سلطة التعطيل نفسها.
هنا تبرز معضلة الشرعية في المراحل الانتقالية: فالمؤسسات القائمة تستمد شرعيتها من انتخابات سابقة أو اتفاقات سياسية، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها بفعل الانقسام وطول المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، تملك لجان الحوار قدرة على إنتاج توافقات، لكنها تعاني غالبًا من ضعف الشرعية الشعبية المباشرة. لذلك، فإن أي آلية ناجحة يجب أن تجمع بين التوافق السياسي والرقابة المؤسسية، وألّا تجعل أي طرف قادرًا بمفرده على تعطيل المسار أو احتكاره.
تأجيل الدستور الدائم وإشكالية القاعدة القانونية للانتخابات
من أكثر عناصر توصيات مسار الحوكمة إثارةً للجدل اقتراحُ تأجيل الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة أكثر استقرارًا، وإسناد النظر فيه مستقبلًا إلى مجلس شيوخ منتخب وفريق وطني من الخبراء السياسيين والقانونيين. ينطلق هذا الطرح من فرضية واقعية مفادها أن حسم الدستور الدائم قبل الانتخابات قد يطيل أمد الانقسام، نظرًا إلى الخلافات العميقة حول شكل الدولة، ونظام الحكم، وتوزيع الصلاحيات، وموقع المكونات الثقافية، وطبيعة اللامركزية.
لكن في المقابل، يرى منتقدو هذا الاتجاه أن تأجيل الدستور لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى المستقبل، وأن القاعدة الدستورية المؤقتة قد تتحول إلى أداة جديدة للتنازع إذا لم تكن محكمة الصياغة. فالانتخابات، خاصة الرئاسية، تحتاج إلى أساس دستوري واضح يحدد شروط الترشح، وصلاحيات الرئيس، والعلاقة بين السلطات، والطعون، وضمانات قبول النتائج. ومن دون ذلك، يمكن أن تتكرر أزمة انتخابات ديسمبر 2021، حين أدى الخلاف حول القوانين وشروط الترشح إلى انهيار الاستحقاق قبل إجرائه.
تقدم التوصيات هنا ثلاثة خيارات لتنفيذ الإطار الدستوري المؤقت: الأول عبر توافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على تشكيل لجنة وفق المادة 12 من اتفاق الصخيرات (المغرب 2015) خلال 45 يومًا؛ والثاني عبر لجنة حوار موسع تستند إلى المادة 64 في حال تعثر المسار الأول، وتتولى إعداد القاعدة الدستورية خلال 90 يومًا؛ والثالث عبر الاستفتاء التحكيمي باعتباره آلية لإسناد الحسم النهائي إلى الإرادة الشعبية.
تبدو هذه الخيارات، من حيث التصميم، محاولةً لتدرج مؤسسي يبدأ بالمجلسين، ثم ينتقل إلى الحوار الموسع، ثم يحتكم إلى الاستفتاء في القضايا الخلافية الكبرى؛ غير أن التحدي يكمن في ضبط لحظة الانتقال من خيار إلى آخر. فإذا لم يكن الفشل معرّفًا بمعايير دقيقة، فقد يستمر التعطيل تحت عنوان استمرار المشاورات، وإذا لم تكن مخرجات الحوار الموسع ملزمة، فقد تعود إلى الحلقة ذاتها من الرفض المتبادل. أما الاستفتاء التحكيمي، فرغم أهميته الديمقراطية، فإنه يتطلب بيئة أمنية وإدارية وقانونية قادرة على ضمان نزاهته وقبول نتائجه.
العلاقة بين الحوار المهيكل والحوار المصغر 4+4
تزامن إعلان توصيات مسار الحوكمة مع استمرار الحوار المصغر "4+4" المعني بتعديل القوانين الانتخابية، وهو تزامن يطرح سؤالًا حول العلاقة بين المسارين. من الناحية النظرية، يمكن النظر إلى الحوار المهيكل بوصفه إطارًا سياسيًا أوسع يعالج شروط الانتخابات، بينما يمثل مسار "4+4" قناة فنية-سياسية لمعالجة النصوص الانتخابية. وبهذا المعنى، لا يوجد تعارض ضروري بين المسارين إذا وُضعت مخرجات كل منهما ضمن خارطة واحدة ذات تسلسل واضح.
لكن الخطر يكمن في تعدد المسارات من دون سلطة تنسيق حاسمة؛ فكلما تعددت اللجان والحوارات، زادت إمكانية استخدام أحد المسارات لتعطيل الآخر. وقد يتمسك طرف بمخرجات "4+4" بحجة أنها أكثر التصاقًا بالقوانين الانتخابية، بينما يتمسك طرف آخر بمخرجات الحوار المهيكل بحجة أنها أكثر شمولًا وتمثيلًا. ومن ثم، فإن نجاح البعثة الأممية في ليبيا لا يتوقف فقط على رعاية المسارات، بل على قدرتها على دمجها في إطار تنفيذي واحد يحدد: ما الذي يأتي أولًا؟ من الجهة المخولة بالاعتماد؟ ما آجال التنفيذ؟ وما عواقب التعطيل؟
إن أي مسار انتخابي في ليبيا يحتاج إلى ترتيب منطقي لا إلى تراكم مبادرات، ويمكن تصور هذا الترتيب في أربع حلقات مترابطة: حسم القاعدة الدستورية المؤقتة، وتعديل القوانين الانتخابية وفق تلك القاعدة، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة محددة الصلاحيات إذا تعذر إجراء الانتخابات في ظل الانقسام الحالي، وأخيرًا وضع خطة أمنية ومالية ولوجستية تضمن قدرة المفوضية على تنظيم الاستحقاق. أما عكس هذا الترتيب، أو تركه غامضًا، فقد يعيد إنتاج المأزق ذاته.
اللامركزية والمجتمع المدني كضمانات مساندة لا بدائل عن التسوية
تتضمن توصيات مسار الحوكمة دعوةً إلى تبني اللامركزية، وتمكين البلديات والمؤسسات على مستوى الأقاليم، وتعزيز دور المجتمع المدني، ودعم الأحزاب السياسية، وتسوية الملفات القانونية والمدنية، بما في ذلك أوضاع ذوي السجل المدني المؤقت. وتكتسب هذه العناصر أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مستوى السلطة المركزية إلى مستوى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
غير أن اللامركزية في السياق الليبي تحمل وجهين؛ فهي، من جهة، يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات، وتخفيف الضغط على المركز، وتمكين البلديات من إدارة شؤونها بصورة أكثر قربًا من المواطنين، لكنها، من جهة أخرى، قد تتحول—إذا لم تُضبط دستوريًا وماليًا—إلى مدخل لتكريس الانقسام الجهوي أو إنتاج سلطات محلية مرتبطة بمراكز قوة مسلحة أو قبلية أو اقتصادية. لذلك، فإن اللامركزية الناجحة ليست مجرد نقل صلاحيات، بل هي بناء منظومة رقابة ومساءلة وتوزيع عادل للموارد.
أما المجتمع المدني والإعلام، فتضعهما التوصيات في موقع الشريك الرقابي؛ وهذا مهم نظريًا، لكنه يحتاج إلى ضمانات لحماية حرية العمل المدني والصحفي، ومنع توظيفهما في الصراع السياسي. فالرقابة المجتمعية لا تكون فعالة إلا إذا توافرت لها حرية الوصول إلى المعلومات، وحماية قانونية، وشفافية في الإنفاق العام، وآليات معلنة لمتابعة أداء السلطة التنفيذية.
المسار الأقرب إلى حل الانسداد السياسي ليس بالضرورة الحوار المهيكل وحده ولا الحوار المصغر "4+4" وحده، بل المسار الذي ينجح في دمج المخرجات السياسية والدستورية والقانونية ضمن حزمة تنفيذية واحدة، ذات آجال واضحة، وضمانات ملزمة، وآلية عقاب للمعرقلين
فرص القبول السياسي ومحددات الفشل أو النجاح
تبدو فرصة قبول الأطراف السياسية بمقترح السلطة التنفيذية الجديدة محدودة، لكنها ليست معدومة؛ فهي محدودة لأن المقترح يمس مصالح سلطات قائمة، ويعيد فتح ملف المناصب السيادية والتنفيذية، ويفرض تعهدًا بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة، وهو شرط قد يحد من رغبة شخصيات نافذة في الانخراط فيه. كما أن أي حكومة موحدة ستعيد طرح سؤال السيطرة على الموارد والميزانية والمؤسسات الأمنية، وهي ملفات تشكل جوهر الصراع لا هامشه.
لكن فرصة القبول قد ترتفع إذا توافرت ثلاثة عوامل: العامل الأول هو وجود ضغط دولي موحد لا يسمح بتعدد الاعترافات أو ازدواجية التعامل مع السلطات؛ والعامل الثاني هو ربط الحكومة المقترحة بجدول انتخابي صارم ومعلن، بحيث لا تكون غاية في ذاتها؛ والعامل الثالث هو تضمين عقوبات سياسية وقانونية متدرجة ضد المعرقلين، تبدأ بالتنبيه الرسمي ولا تنتهي عند الإحالة إلى القضاء الوطني أو الجهات الدولية المختصة.
غير أن العقوبات وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بحوافز؛ لأن الأطراف الليبية تحتاج إلى ضمانات تتعلق بعدم الإقصاء، وأمن المشاركين، وقبول النتائج، وتوزيع الموارد، واستمرارية المؤسسات. لذلك، فإن التسوية الناجحة يجب أن تجمع بين الردع والاحتواء: ردع التعطيل المسلح أو المالي أو المؤسسي، واحتواء المخاوف السياسية المشروعة عبر قواعد مشاركة واضحة ومحددة.
مسار الحوكمة: محاولة لكسر منطق المراحل المؤقتة
تكشف توصيات مسار الحوكمة بالحوار المهيكل عن محاولة لإعادة بناء مدخل التسوية في ليبيا عبر الجمع بين سلطة تنفيذية موحدة، وإطار دستوري مؤقت، وضمانات سياسية وأمنية ومالية، ومسار انتخابي محدد زمنيًا. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التوصيات لا تكمن في مضمونها النظري فحسب، بل في قدرتها على تجاوز المعضلة التي أفشلت مبادرات سابقة: تحويل المؤقت إلى دائم، وتحويل التوافق إلى أداة تعطيل، وتحويل الانتخابات من هدف وطني إلى ورقة تفاوضية.
وعليه، فإن المسار الأقرب إلى حل الانسداد السياسي ليس بالضرورة الحوار المهيكل وحده ولا الحوار المصغر "4+4" وحده، بل المسار الذي ينجح في دمج المخرجات السياسية والدستورية والقانونية ضمن حزمة تنفيذية واحدة، ذات آجال واضحة، وضمانات ملزمة، وآلية عقاب للمعرقلين. فالحوار المهيكل يملك ميزة الشمول السياسي والمجتمعي، بينما يملك مسار "4+4" ميزة التركيز على القوانين الانتخابية؛ أما الفصل بينهما أو التنافس حول مرجعيتهما فقد يؤدي إلى إطالة الأزمة بدل حلها.
إن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة قد يكون ضرورة عملية إذا كان هدفه توحيد المؤسسات وتهيئة الانتخابات، لكنه يصبح خطرًا سياسيًا إذا تحول إلى إعادة إنتاج لمرحلة انتقالية أخرى. لذلك، فإن أي قبول بهذا المقترح ينبغي أن يكون مشروطًا بأربعة قيود: ولاية غير قابلة للتمديد، حظر الترشح على شاغلي السلطة، رقابة مالية وقضائية صارمة، وربط مباشر بين بقاء السلطة وبين إنجاز الاستحقاق الانتخابي. ومن دون هذه القيود، ستظل ليبيا تدور في الحلقة ذاتها: مبادرات جديدة، سلطات مؤقتة، آجال معلنة، ثم انسداد متجدد.
بهذا المعنى، فإن الاختبار الحقيقي لتوصيات مسار الحوكمة لا يتمثل في قدرتها على إنتاج حكومة جديدة، بل في قدرتها على إنهاء الحاجة إلى الحكومات الانتقالية المتعاقبة، وفتح الطريق أمام شرعية انتخابية ودستورية تنهي منطق التسويات المؤقتة وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات.