إطلاق

إطلاق "معجم الدوحة التاريخي".. العربية تنتزع حضورها

خلال إطلاق معجم الدوحة التاريخي (عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

ألترا صوت - فريق التحرير

شهدت العاصمة القطرية الدوحة اليوم، 10 كانون الأوّل/ديسمبر، ضمن حفل أقيم في مبنى "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، إطلاق البوابة الإلكترونية لـ"معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، بحضور أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي رعى المشروع ودعمه، بالإضافة إلى عددٍ من الشخصيات السياسية والفكرية العربية والأجنبية. المشروع الذي بدأ العمل عليه قبل عدّة سنوات، والأول من نوعه عربيًا، يُطلق اليوم المرحلة الأولى من المعجم، والتي ترصد تاريخ مفردات اللغة العربية منذ بدايات استعمالها كتابة في النقوش القديمة وحتى القرن الثاني الهجري. ويُعتبر الحدث، كما يراه الكثيرون، حدثًا تاريخيًا لا يخصّ القائمين عليه فقط، وإنّما كلّ المتحدّثين بهذه اللغة، التي باتت تحتاج حاجة ماسة إلى معجم يحاكي الوسائل العصرية.

يُفصّل "معجم الدوحة التاريخي" تاريخ كلّ لفظ في اللغة العربية تفصيلًا كاملًا وواسعًا، أضف إلى ذلك سرد كلّ المراحل التي شهدت تشكّلها وتطوّرها

رؤية المشروع وهدفهُ كانتا واضحتين منذ الإعلان عن بدء العمل ببناء المعجم في الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو سنة 2013. وتمثّلتا في العمل لا على جمع دلالات المفردات ومراكمتها فقط، وإنّما في إزالة كلّ الحواجز التي تُصعِّب من عملية ترتيب المفردة العربية زمنيًا. بهذا المنطق وهذه الرؤية، يُتيح "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" للجميع الاطّلاع على سيرة كلّ مفردة وحكايتها في أزمنةٍ مختلفة ومتعدّدة مرّت بها، كالأزمنة التي كانت فيها متداولةً بكثرة، وتلك التي تغيّر أو غيّر فيها معناها إلى معنىً آخر، أو تطوّر بفعل تطوّر المجتمعات وما تعيشهُ من تحوّلاتٍ على كافّة الأصعدة. وأخيرًا، الأزمنة التي شهدت فُقدان هذه المفردة أو غيابها.

اقرأ/ي أيضًا: ركن الوراقين: معاجم الألفاظ

هكذا، يُفصّل المعجم تاريخ كلّ لفظ في اللغة العربية تفصيلًا كاملًا وواسعًا، أضف إلى ذلك سرد كلّ المراحل التي شهدت تشكّلها وتطوّرها. والاشتغال على أمرٍ كهذا تحديدًا هو ما يمنح هذا المشروع الحصّة الأكبر من الأهمّية. أضف إلى ذلك أنّهُ يسير وفق منهج وآلية عمل يحملان من الصرامة ما يكفي لإزاحة كلّ العقبات والصعوبات التي تواجههُ جانبًا. وقد تم تجاوز الطرق وقواعد العمل التقليدية في هذا المجال، والابتعاد عن عرض معاني المفردات بطريقةٍ شمولية تكتفي بوضع المفردة أو اللفظ، أي لفظٍ كان، كما نطقتها العرب يومًا بهدف حفظ اللفظ نفسه، والعمل على رصد تحوّلات كلّ لفظ بكلّ معانيه زمنيًا. وبناءً على كلّ ما سبق، تصير عملية جمع الألفاظ، ومن بعدها التوقّف عند المعاني، ورصد ما طرأ عليها، وتحوّلاتها بفعل الزمن وغيره؛ وسيلةً في متناول اليد لفهم الطريقة التي تطوّرت اللغة العربية من خلالها، أي لغة العرب، ما يسهّل أيضًا من عملية فهم تطوّر فكر كلّ من يتحدّث بهذه اللغة، وكيف تم استخدامها وتوظيفها من أجل التعبير، إن كان ذلك عن الأفكار أو العواطف أو غيره.

لا يكتفي "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" عند هذا الحد، إذ يقطع مسافاتٍ أبعد من ذلك، محاولًا في الوقت نفسه، ومن خلال عملية الجمع والرصد وغيرها، أن يقدّم ما يكفي من المعلومات عن ثقافة المجتمع العربيّ، بهدف فهمه بشكلٍ أكثر عمقًا ووضوحًا، إذا ما اعتبرنا أنّ اللغة، وكما يُقال، مرآة العقل. المعلومات التي يقدّمها المعجم تكمن في المفردة نفسها، كالمفردات الخاصّة بالأطعمة أو اللباس.. وغيرهما، والتي تشكّل صورة عن الثقافة العربية دون شكّ، ما يعني أنّ المعجم يشتغل على بناء ذاكرة للأمّة التي تعدّ اللغة هي خزّانها الذي لطالما حفظ كلّ الإسهامات التي قامت بها على كافة الأصعدة، محليًا وعالميًا.

لا يكتفي "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" عند حدود اللغة، بل يحاول أن يقدّم ما يكفي من المعلومات عن ثقافة المجتمع العربيّ

اقرأ/ي أيضًا: ركن الوراقين: معاجم المعاني

محمد الشيباني، الخبير اللغوي في المعجم، يقول في مقالةٍ له تحت عنوان "يحقّ للحلم أن يكون" (مجلّة الدوحة، العدد 134 – كانون الأول/ ديسمبر 2018): "ليس معجمنا التاريخي إلّا واحدًا من الوثائق التي ستساعد المتعاملين مع العربية على أن يفهموا التعدّد الملحوظ في مصادر أبنية لغتنا، ووفرة معانيها، وتنوّع لهجاتها، وتعدد مشارب أخذها من لغاتٍ جاورتها أو احتكّت بها على نحو ما. ولعلّ معجمنا أيضًا سيكون من الموارد التي ستنبّه إلى أنّ في لغتنا من أبواب العناية الجديرة بالنظر ما يتجاوز الشّأن التقني، بمعنى الاختصاص الضيق، الذي ينصرف إليه أرباب الصناعة اللغوية بمختلف فنونها".

 

ما يراهن عليه "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" والقائمون عليه، والعاملون فيه؛ هو أن يكون مشروعًا نهضويًا بالدرجة الأولى، يُحافظ على اللغة العربية، ويعمل على تطويرها وإطلاق إمكاناتها. بهذا يكون المعجم الذي شارك في بنائه ما يزيد عن ثلاثمئة أستاذ من أساتذة الجامعات والخبراء والعلماء من مختلف الدول العربية، مشروع أمّة كاملة، تتحدّث هذه اللغة، وتتّخذ منها هويةً وثقافة أيضًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة.. مداخلة في إشكاليات المصطلح العربي

اقتراب إطلاق البوابة الإلكترونية لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية