إشكالية خطاب ترامب ضد فنزويلا.. إعادة إنتاج النظام عبر تهديده

إشكالية خطاب ترامب ضد فنزويلا.. إعادة إنتاج النظام عبر تهديده

قد يساعد تدخل ترامب في فنزويلا النظام في البلاد (Getty)

وردت أنباء عدة خلال الفترة الماضية، عن نية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خوض تجربة تدخل عسكري في فنزويلا، وهو ما يقول مسؤولون داخل إدارته، وكذلك زعماء في أمريكا اللاتينية، إنه سيكون خطوة غير مدروسة، حيث إن التهديد الذي لا ينفك ترامب يعلن عنه لبعض الدول الاستبدادية في المنطقة، يساعد الأنظمة الاستبدادية نفسها على ترويج سردية تحميل واشنطن الأزمات الاقتصادية والحقوقية في البلاد. وفي هذا التقرير المترجم عن صحيفة واشنطن بوست، مجموعة من الأسباب التي يجب أن تمنع الرئيس الأمريكي من القيام بهذا التدخل.


في آب/ أغسطس من العام الماضي، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجةً من المخاوف حول حرب نووية عندما هدّد كوريا الشمالية بما أسماه "النار والغضب"، في وقتٍ كانت مجرد فكرة مصافحته لكيم جونغ أون تبدو وكأنها مزحة سيئة.

استفسر ترامب مرارًا خلال اجتماعٍ له في المكتب البيضاوي، عما إذا كان بوسع الولايات المتحدة غزو فنزويلا

لكن في نفس الشهر، أفادت تقارير بأن ترامب طرح أيضًا فكرة التدخل العسكري في بلدٍ أقرب إلى الولايات المتحدة، أي فنزويلا. ووفقًا لتقرير وكالة أسوشيتد برس، فقد استفسر ترامب مرارًا خلال اجتماعٍ له في المكتب البيضاوي، عما إذا كان بوسع الولايات المتحدة غزو تلك الدولة المضطربة في أمريكا الجنوبية.

وناقش الرئيس في وقتٍ لاحقٍ نفس المسألة مع الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس وغيره من القادة الإقليميين في مناسبات متعددة، وفقًا لنفس التقرير. وقالت وكالة أسوشيتد برس إن البيت الأبيض امتنع عن التعليق، لكن متحدثٌ باسم مجلس الأمن القومي صرح لوكالة الأنباء أن "كل الخيارات" تظل مطروحةً "للمساهمة في استعادة الديمقراطية في فنزويلا وتحقيق الاستقرار".

اقرأ/ي أيضًا: فنزويلا.. مخاوف من حرب أهلية بعد تمرد عسكري فاشل

وفيما يلي بعض الحجج التي يرجح أنها طُرحت من قبل طاقم الرئيس ترامب نفسه وزعماء أمريكا اللاتينية، لمنع الرئيس من اتخاذ خطوة من شأنها أن تسبب ردود فعلٍ إقليميةٍ ودوليةٍ هائلة.

مجرد مناقشة الأمر قد يخدم مصالح حكومة فنزويلا

على مدى أشهرٍ، تقلصت الاحتياطيات النقدية في فنزويلا، وهاجر العمال ذوو المهارات العالية إلى أماكن أخرى واستمر الانخفاض في الاستثمار الأجنبي، وتسببت موجة التضخم الجامح في فقدان العملة المحلية، بوليفار، لقيمتها تقريبًا.

وألقت الحكومة باللوم على العقوبات الأمريكية التي استهدفت الزعماء الفنزويليين وبعض التحويلات الأخرى، وحملتها سبب الانكماش الاقتصادي. وأصبح من الصعب بشكلٍ متزايدٍ تسديد ديون فنزويلا، نظرًا لتباطؤ وتيرة الصادرات أو المعاملات أو توقفها الكلي.

وقد اتضح أن لوم الولايات المتحدة وتحميلها المسؤولية على المشاكل التي تتخبط فيها فنزويلا، أضحى بمثابة استراتيجية فاشلة على نحو متزايد، لحكومة الرئيس نيكولاس مادورو.

لكن تهديد ترامب "بالخيار العسكري" في فنزويلا العام الماضي، كان كافيًا لتعزيز موقع حكومة مادورو وإطلاق العنان لموجات احتجاجٍ مناهضةٍ للولايات المتحدة في العاصمة كاراكاس، على الرغم من أخذ القليل من المراقبين الأمريكيين تهديد ترامب على محمل الجد، في غياب التفاصيل التي ظهرت الآن.

وفي رده على تقرير وكالة أسوشيتد برس، كرر مادورو يوم الأربعاء، انتقاداته السابقة للولايات المتحدة، وشن هجومًا على "النظرة الاستعلائية والإجرامية" لواشنطن. ويشبه هذا الرد العنيف من الرئيس الفنزويلي، دعم ترامب للجماعات الإيرانية المعارضة في وقتٍ سابق من هذا العام، والذي استخدمه النظام الإيراني بنفس الشكل، لتصوير المعارضين كجماعة مرتزقة مرتبطة بقوى أجنبية غير شعبية. (كشف استطلاع في وقتٍ لاحق أن 9 بالمئة فقط من الإيرانيين اعتقدوا أن دعم ترامب للمعارضة قد ساعد المتظاهرين المعارضين لنظام بلدهم).

لم تنحصر ردة الفعل على فنزويلا وحدها

ردًا على أفكار ترامب بشأن فنزويلا في آب/ أغسطس الماضي، ذكر مستشار الأمن القومي آنذاك، ماكماستر ومسؤولون آخرون، أن أي تدخلٍ أمريكيٍ قد ينجم عنه بكل سهولة، موجة عنيفة من ردود الأفعال تجتاح أمريكا اللاتينية برمتها. وعندما سَأل ترامب مباشرة عما إذا كانوا يؤيدون العمل العسكري، رفض عددٌ من زعماء أمريكا اللاتينية بكل صراحة الاقتراح على ما يبدو.

اتضح أن لوم الولايات المتحدة وتحميلها المسؤولية على المشاكل التي تتخبط فيها فنزويلا، أضحى بمثابة استراتيجية فاشلة للنظام

لقد عمّق بعض زعماء أمريكا اللاتينية علاقاتهم مع الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، على الرغم من عدم شعبية ترامب في المنطقة بين الناخبين. ومن شأن التدخل العسكري أن يدفع العديد من هؤلاء القادة على إعادة النظر في تعاونهم مع الولايات المتحدة وسط ضغوطٍ شعبية.

مخاطر "دبلوماسية مدافع الأسطول"

في فنزويلا نفسها، يمكن أن يسفر أي تغييرٍ للنظام عن طريق تدخلٍ أجنبي، بكل سهولةٍ، في ظهور نظامٍ، يكون على أقل تقدير مثله مثل حكومة مادورو، من حيث عدم الاستقرار، وتشكل العراق المثال الأكثر وضوحًا للتحديات التي تنشأ عقب إسقاط الأنظمة من قبل قوى أجنبية.

اقرأ/ي أيضًا: إفلاس وقلق سياسي واجتماعي.. فنزويلا على حافة الانهيار

في أمريكا اللاتينية، أدّت الانقلابات المدعومة من وكالة الاستخبارات الأمريكية أو التدخلات المباشرة في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية. فعلى سبيل المثال، أدت الإطاحة بالرئيس الغواتيمالي جاكوبو أوربنز في عام 1954، إلى حرب أهلية في غواتيمالا وسلسلة متعاقبة من الأنظمة الاستبدادية.

ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، فقد استشهد ترامب بعمليات غزو بنما وغرينادا في الثمانينات من القرن الماضي، كأمثلة للتدخلات العسكرية الناجحة في الخارج خلال محادثاته حول فنزويلا.

لكن، تجدر الإشارة إلى أن عدد سكان غرينادا لا يتجاوز 90 ألف نسمة، مقارنة بأكثر من 30 مليون فنزويلي، وعلى الرغم من اعتبار أن التدخل العسكري في بنما حقق نجاحًا عسكريًا فعليًا آنذاك، فقد رحب به العديد من السكان المحليين، بما يتناقض تمامًا مع الوضع في فنزويلا. وقال 20 في المئة فقط من الفنزويليين في الربيع الماضي، إنهم يشعرون بالثقة بأن الرئيس الأمريكي سوف يتخذ القرارات الصحيحة فيما يتعلق بالشؤون الخارجية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل ستصمد الديمقراطية أمام شعبوية ترامب؟

شوارع كاراكاس تشتعل.. خبز قليل قمع أكثر