إشكاليات علمية وأخلاقية حول الإجهاض

إشكاليات علمية وأخلاقية حول الإجهاض

يستمر الجدل حول ما إذا كان الجنين يشعر بالألم في رحم المرأة أم لا (Listland)

لا تزال مسألة شعور الجنين بالألم مثار جدل ونقاش في الهيئات الطبية والقانونية. والآراء متضاربة حول الموضوع. وهناك بحث دائم عن أدلة ثابتة حول هذه المسألة. ففي أي مرحلة يشعر الجنين بالألم؟ وإن كان هناك ألم يشعر به الجنين، ففي أي أسبوع من أسابيع الحمل؟ إضافة إلى إشكاليات فلسفية أخرى قد يجب التنبه لها قبل اتخاذ أي قرار فيما يخص الإجهاض.

لازالت الآراء العلمية والأخلاقية متضاربة حول مسألة شعور الجنين بالألم في رحم الأم، في خضم الجدل المثار حول قضية الإجهاض

هل يشعر الجنين بالألم في رحم المرأة؟

من أجل اتخاذ قرار حول أخلاقية الإجهاض، يجب أولًا الإجابة عن سؤال متى تبدأ الحياة عند الجنين؛ ففي تقرير للكلية الملكية لأطباء التوليد وأمراض النساء في بريطانيا، اعتمد على التصوير الصوتي، ثبت أن الخلايا العصبية في دماغ الجنين لا تتكون وتصبح مترابطة مع بعضها البعض قبل 18 أسبوعًا من الحمل، ومعنى ذلك أن الجنين لا يشعر بالألم قبل تلك الفترة.

اقرأ/ي أيضًا: الإجهاض في مصر.. حرمان من حق أصيل في تقرير المصير؟

ويقترح التقرير المعد للتوعية حول كل ما يخص مراحل الحمل، وتوصيات بشأن هذه المسائل وتطبيقاتها؛ أن الإجهاض للنساء ما قبل 18 أسبوعًا لا ينتج عنه معاناة للجنين، لأن المواد الكيمياوية المفرزة من رحم المرأة تُبقي الجنين في حالة غيبوبة لاواعية.

ويذكر التقرير أنه "من الواضح أن الترابط بين العامود الفقري والدماغ غير سليم وغير مكتمل خلال فترة 18 أسبوعًا. ويعتقد أغلب علماء الأعصاب أن جهاز التشريح العصبي أساسي في نقل الرسائل العصبية ومن ضمنها الألم، لذا يمكن الاستنتاج بأن الجنين لا يشعر بالألم طوال هذه المدة".

ويضيف التقرير أنه حتى بعد مرور هذه المدة، فمن الصعب تحديد ذلك، لأن نمو الأعصاب يترافق مع نمو الذاكرة وسلوكيات أخرى فيما بعد الولادة.

إذن فمقابل من يقول بأن الجنين يشعر بالألم في الأسابيع الأولى من الحمل، هناك من يقول إن الجنين يشعر بالألم بدءًا من الأسبوع 18 للحمل، أي تقريبًا في الشهر الخامس. وتظل المدة غير محددة بشكل قاطع، ولا زال الأمر قابلٌ للبحث والدراسة حول شعور الجنين بالألم في رحم المرأة.

ويرى معارضو الإجهاض أن هناك أطفال يولدون قبل الشهر التاسع، وخاصة في الشهر السابع، وهم مكتملو النمو. كما أن الجنين كما يعيش داخل الرحم كما يعيش خارجه، ويكون مكتمل النمو؛ لذا فهم يرون أن الألم جزء لا يتجزأ من حياة الطفل داخل الرحم.

ويدحض هؤلاء حجة القائلين بأن الجنين في حالة لاواعية، بأنه لا وجود لأدلة كافية تؤكد حجتهم، ويطرحون في المقابل أن الجنين لديه حالة من الوعي مختلفة نوعًا ما عن المولود الجديد. ويصفون التقارير الصادرة التي تؤيد حق الإجهاض في الشهور الأولى، بأنها ذات طابع سياسي في جوهرها.

ولدى هؤلاء أيضًا ما يدللون به على حجتهم، مثل سلوكيات الجنين وتفاعله مع الأصوات وتحركاته واستجاباته، وجهازه التنفسي ودقات قلبه، وغير ذلك مما يعتقدون أنه تأكيد على شعور الجنين بالألم إذا ما حدث الإجهاض، أو أنه بتعبير آخر كائن حي.

ويضيف هؤلاء بأن المسألة يجب أن تكون أخلاقية أكثر منها علمية، فحتى لو أثبت العلم صحة أي من المقولات، فيجب على الأخلاق اتخاذ الموقف الأنسب بحماية الأجنّة.

لكن من الثابت أن أي عملية للإجهاض يجب أن تراعي حصول ألم محتمل بالنسبة للجنين، ويجب الأخذ في الحسبان هذا الأمر حتى في ظل عدم وجود أدلة كافية حول طبيعة إحساس الأجنة، لذا فإنه يُقترح استخدام مخدر للألم في عمليات الإجهاض.

هل يعتبر الجنين في رحم المرأة إنسان حيّ؟

يقترح البعض قبل الخوض في النقاش تحديد ما المقصود بمصطلح "الحياة الإنسانية". المسألة مهمة لأنه في النقاشات الدائرة يجب تحديد المصطلحات والاتفاق بعدها على خوض النقاشات انطلاقًا من هذه التعريفات المحددة. 

ويمكن طرح السؤال بطريقة أخرى: متى تبدأ الحياة؟ إنه سؤال فلسفي محير يشغل اهتمام العلماء والباحثين والفلاسفة.

يرى البعض أن الجنين يتكون لديه شيفرة وراثية منذ لحظة وصول الحيوان المنوي للرحم، وبذلك يعتبر فردًا متميزًا، وكائنًا إنسانيًا محتمل في المستقبل إذا سارت مرحلة الحمل بشكل طبيعي.

من هنا فإنهم يرون أن الجنين لديه مستقبل كما سائر الكائنات البشرية، وتشريع الإجهاض هو حرمان الجنين من مستقبله وتشريع للقتل مما يخفف من نظرة المجتمع العدائية اتجاه القتل والقتلة ويجعل التسامح مع القتل أسهل.

يستمر الجدل بين من يرى أن الجنين إنسان حي منذ تلقيح الحيوان المنوي للبويضة، ومن يرى أنه مجرد خلايا بدون خصائص الحياة الإنسانية

في المقابل يرى آخرون أن الحياة الإنسانية تعني وجود خصائص متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر: القدرة على التفكير والتواصل والتخيل.

اقرأ/ي أيضًا: منها النقاب والإجهاض.. 7 قضايا اجتماعية شغلت الأمريكيين في 2018

والسؤال الأساسي هو: هل مجرد وجود شيفرة وراثية للجنين يعطيه الحق في الحياة؟ يعتقد المؤيدون للإجهاض أن هناك فرق شاسع بين وجود كائن محتمل وبين وجود كائن واقعي، ويجب التفريق فيما بين الوضعين لجهة إعطاء الحق في الحياة لكل منهما. وبالتالي فإن حقوق الكائن المحتمل تختلف عن حقوق الكائن الواقعي، وتصبح هذه الحقوق واقعية في اللحظة التي يصبح فيها الكائن البشري واقعًا وموجودًا.

ويضرب هؤلاء مثال: الطفل في عمر 10 سنوات هو مُقتَرِع محتمل حين يبلغ سن 18 سنة، لكنه ليس مقترع فعليًا ولا يعطى الحق في الاقتراع طالما أنه في العاشرة من عمره، أو لم يبلغ الـ18 بعد.

ويشير المؤيدين للإجهاض إلى أن الخلايا لا تملك الحق في الحياة لمجرد كونها خلايا، ويجب في المقابل الوصول لمرحلة من الحمل يكون عندها بالإمكان القول إن هذه الخلايا قد أصبحت كائنًا بشريًا يمتلك خصائص إنسانية.

ويطرح هؤلاء بعض الحالات كحجج لتشريع الإجهاض، مثل حالات الاغتصاب، والحمل عن طريق الخطأ حين تفشل وسائل منع الحمل ويكون الشركاء غير مهيئين لإنجاب طفل لأي سبب، أو اكتشاف تشوهات خلقية عند الجنين في حال ولادته، أو حين يشكل الطفل خطرًا يهدد حياة المرأة أو صحتها العقلية والنفسية.

هل للأب حق في قرار الإجهاض؟​

يتناول الحديث حول الإجهاض دومًا الجنين والأم، ويغفل مسألة مهمة وهي حق الأب في المشاركة بالقرار. فهل يحق للأب الاعتراض على قرار الأم بالتخلص من الجنين أو الاحتفاظ به؟ وكيف يمكن مقاربة هذه الاشكالية؟ وما هو الحكم الأخلاقي والقانوني في المسألة؟

في عام 2002 في الصين، وضعت المحاكم قانون يقضي بإعطاء الحق للرجل في قرار الإجهاض بشكل متساوٍ مع المرأة. وأثار مقاضاة زوج لزوجته في المحكمة جدلًا كبيرًا بسبب انتهاكها لحقه المعطى له في القانون.

بينما نجد أنه في الولايات المتحدة الأميركية، لا يستطيع الزوج أو الشريك الجنسي لا يستطيع منع المرأة من إجراء الإجهاض، كما أن القانون يعفي المرأة من إبلاغ الزوج عن قرارها ونيتها في إجراء الإجهاض، وبالتالي تمضي في اتخاذ قرارها دون الرجوع إليه.

وبين عامي 1987 و2001 حاول رجال في بريطانيا استصدار قانون يمنعون بموجبه المرأة من التفرد بقرار الإجهاض، لكنهم فشلوا في ذلك.

وجادل مفكرون في الغرب حول المسألة، بقولهم إن قرار المرأة الفردي في الإجهاض قد يؤذي الرجل معنويًا وعاطفيًا ويحرمه من حقه في الأبوة، ولذلك فهناك ثغرة أخلاقية في المسألة.

وتطرح المسألة كالآتي: إذا كان للأب مصلحة مشروعة أخلاقيًا في إنجاب طفل، وكانت الأم تضلل الأب وتجعله يعتقد بأنها ستعطيه طفلًا إذا قام بأمور معينة لغرض تكوين أسرة، وقام الأب بواجباته بهدف إنشاء أسرة، فمن الخطأ حينها أن تمنع الأم عمدًا الأب من الحصول على هذا الطفل.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك إمكانية وضع الطفل قيد المفاوضة مقابل تحقيق شروط محددة من قبل الأب لصالح الأم، حينها يصبح الطفل أداة استغلال وابتزاز للرجل.

في الجهة المقابلة، فإن المؤيدين لحق الأم المطلق في تقرير مصير الإجهاض، بسلطتها المطلقة على جسدها، وأن خلاف ذلك، أي مشاركة الأب، أو الرجل في قرار الإجهاض من عدمه دون موافقة المرأة، هو بمثابة انتهاك لحريتها على جسدها. فبرأيهم جسد المرأة هو الوعاء الحاضن مباشرة للجنين، والأبوة تأتي لاحقًا بعد الولادة، وحينها فقط يستحق الأب حقوقه.

يثار الجدل أيضًا حول ما إذا كان للرجل الذي هو الشريك الجنسي، حق في المشاركة بقرار الإجهاض بالموافقة أو الرفض

يذكر أنه في الحالة المعاكسة، إذا أرادت المرأة الاحتفاظ بالجنين ورفض الرجل ذلك، فإن قدرته العملية على تحقيق ذلك الرفض لا يمكن الأخذ بها. فمعظم الأنظمة القانونية حول العالم لا تسمح للأب أن يتهرب من مسؤولياته عن الطفل وإعالته حتى لو كان رافضًا للإنجاب في البداية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عمليات الإجهاض في لبنان.. "جريمة" يلجأ إليها الآلاف سنويًا!

قصص مغربيات اخترن الإجهاض!