إسلام السوق.. إلحاد السوق

إسلام السوق.. إلحاد السوق

الجلسة الافتتاحية من مؤتمر العالمي للإفتاء (Getty)

رأى جورج طرابيشي، في كتابه "المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي" (1991)، أن هزيمة حزيران/يونيو 1967، أو كما يُعبِّر "الرَضَّة الحزيرانية"، مثَّلت موتًا للأب لدى الشعوب العربية، ومن ثمَّ راحت هذه الشعوب تبحث عن أبٍ آخر أكثر صلادة وقوَّة – من عبد الناصر والعروبة والوحدة و"وطني حبيبي الوطن الأكبر" – تمثَّل في الإسلام.

 منذ منتصف الثمانينيات، سيدخل التديين قطاعات لم تكن له من قبل، مثل الوسط الفني

وعلى كل ما قد يعتور هذه النظرة النفسانية أو تداعياتها (من حيث إن الإسلام كان يجري في عروق الأب المفقود أيضًا)، إلا أنها تُعدُّ مفتتحًا طريفًا للحديث عن سياسات التدين والتديين في عقود ما بعد الهزيمة. ولمضاعفة هذه الطرافة، أُورِد ما جاء على لسان صافيناز كاظم، التي أثَّر فيها حدث الهزيمة بقوة، في الفيلم التسجيلي القيّم "أربعة نساء من مصر" (1997): "نحن نقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله. الله هو الأكبر. أكبر منكم جميعًا. أكبر من أمريكا والنظام العالمي الجديد. الذي يسعى إلى تجريدنا من كل أثر لإنسانيتنا... العالم كله سيتعلم شريعة الله التي وجدت دائمًا. أين إمبراطورية الفرس وإمبراطورية الرومان؟ أين أفلاطون وسقراط. راحوا. الله هو الواحد والدايم. الأول والأخير".

في مصر السبعينيات، على سبيل المثال، توسَّع العمل الإسلامي على كافة الأصعدة السياسية والخيرية والاجتماعية والدعوية، إلا أن اغتيال الرئيس السادات في تشرين الأول/أكتوبر 1981، وما سبقه من اعتقالات أيلول/سبتمبر، أدَّى إلى تقويض العمل العام لا سيما الإسلامي منه. لكن منذ منتصف الثمانينيات، سيعود ذلك كله، وسيدخل التديين قطاعات لم تكن له من قبل، من قبيل الوسط الفني، كما سيأخذ مداه من الناحية المؤسساتية والشركاتية. 

وفي التسعينيات، عند صراع الدولة مع التشكيلات الإسلامية المسلحة، سيتم التضييق على العديد من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية، كما سيتم توظيف وتلميع أخرى. ومع مجيء الألفية الجديدة، ستأخذ ممارسات التديين بُعدًا إعلاميًا وإعلانيًا و"سوقيًا" هائلًا، وستستحيل إلى صناعة لها قوانينها وطرق عملها. وهو ما سيتمخَّض عن تعميم أنماط تديين تتميز بإعلائها لقيم السوق والرفاهية والنفور من الانخراط السياسي على ما أشار الباحث السويسري باتريك هايني في كتابه "إسلام السوق: الثورة المحافظة الأخرى" (2005).

حركة الإلحاد الجديد ليست أكثر من مجرد دفاع فكري عن الإمبراطورية وستار دخان يغطي ظلم الرأسمالية العالمية

على الجانب الآخر، مع مطلع الألفية الجديدة أيضًا، سيبرز "الإلحاد الجديد" برموزه أو نجومه المعروفين. وسيتبنَّى في أجندته كراهية الإسلام، و"الحرب على الإرهاب"، وغزو أفغانستان، في عام 2001، واحتلال العراق، في 2003، وتحريض الحكومة الأمريكية والحكومات الأوروبية على شن الحروب أكثر فأكثر، ودعم السياسات النيوليبرالية في العالم كله، وتأييد إسرائيل بكل تبجُّح. وكما يلخِّص الكاتب الكندي، لوك سافج، المسألة: "فخلف عقلانيتها السطحية، حركة الإلحاد الجديد ليست أكثر من مجرد دفاع فكري عن الإمبراطورية وستار دخان يغطي ظلم الرأسمالية العالمية.

إنها كونية ضيقة الأفق تكمن قوتها في قدرتها على أن تبدو تمردية ومعارضة ونزيهة في نفس الوقت الذي تمرر فيه انحيازات بذيئة وتروج لمشاريع إمبريالية وتلبس بديهيات تافهة بلباس نظرات عميقة" (جاكوبين: 12/2/2014). وهو الإلحاد الذي سبقته صحوة دينية مسيحية في الولايات المتحدة، والذي يأتي بعد عقود من أيار/مايو 1968، والثورة الجنسية، والإلحاد الوجودي.

لا يبدو أن الأب الجديد وما أسفر عنه وجوده من رِدة (إشارة إلى عنوان كتاب آخر لطرابيشي، هو: "من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة" 2000)، كان من القوة بحيث "يحمي بيضة الإسلام ويذود عن حياض الأمَّة"، الأمر الذي ينبغي أن يُخيِّب من آمال "صافي"، الإسلامية التي تحلم بإسلام مقاوم، ويُسعد طرابيشي، الليبرالي الذي يحلم بلوثر مسلم وفولتير عربي. وهنا تتجلى طرافة الأمر.. وبؤسه.