إسلام أباد على خط الوساطة: هل تنجح الرباعية في منع توسع الحرب؟
31 مارس 2026
بينما يترقب العالم انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز في السادس من نيسان/أبريل المقبل، احتضنت العاصمة الباكستانية إسلام أباد جولة مفاوضات، بمشاركة وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية، إلى جانب وزير الخارجية الباكستاني، في محاولة جادة لإعادة صياغة مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة.
وتسعى باكستان خلال الفترة الأخيرة إلى تقديم نفسها بوصفها وسيطًا رئيسيًا بين طهران وواشنطن، بعدما اضطلعت بدور في نقل الرسائل بين الجانبين بشأن الحرب المشتعلة منذ أواخر شباط/فبراير الماضي، وهي الحرب التي تجاوزت تداعياتها نطاقها الجغرافي المباشر لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار بالغ الحساسية.
مؤشرات إيجابية
توحي المؤشرات الأولية الصادرة عن أجواء المفاوضات بأن المسار الدبلوماسي لا يزال يحتفظ بقدر من الزخم، رغم التحشيد العسكري غير المسبوق الذي يخيم على مسرح الأحداث، ففي واحدة من أكثر الإشارات دلالة، أكد وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو أن نافذة الحل السياسي لم تُغلق بعد، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تزال تتبادل الرسائل وتجري محادثات مع جهات إيرانية عبر وسطاء، مع تشديده في الوقت نفسه على أن الإدارة الأميركية ما زالت تفضّل المسار الدبلوماسي على خيار الحرب المفتوحة، وأن إدارة ترامب لا ترغب في الانخراط في حرب طويلة الأمد.
تسعى باكستان خلال الفترة الأخيرة إلى تقديم نفسها بوصفها وسيطًا رئيسيًا بين طهران وواشنطن، بعدما اضطلعت بدور في نقل الرسائل بين الجانبين بشأن الحرب المشتعلة منذ أواخر شباط/فبراير الماضي
وفي السياق ذاته، شدد الرئيس الأميركي على أن المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران، عبر مبعوثين باكستانيين، «تمضي في مسار جيد»، وفق ما نقلته صحيفة "فاينانشيال تايمز"، مضيفًا أن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار قد يتم "بوتيرة سريعة إلى حدٍّ ما".
وعلى الضفة الأخرى، تخيّم على هذه الجولة التفاوضية أجواء إيجابية حذرة، إذ وصف وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار المحادثات بأنها إيجابية، موضحًا أن المجتمعين ناقشوا السبل الممكنة لإنهاء الحرب بصورة عاجلة، والعمل على احتواء التصعيد قبل أن ينزلق إلى انفجار إقليمي واسع يصعب ضبط تداعياته.
وفي سياق هذه المؤشرات المشجعة، أعلن الوزير الباكستاني استعداد بلاده لاستضافة وتسهيل محادثات جادة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، في محاولة للدفع نحو تسوية شاملة ودائمة للصراع القائم، بما يعكس رغبة إقليمية متنامية في انتزاع زمام المبادرة السياسية، ونقل الأزمة من منطق القوة والنار إلى منطق التفاوض والتسويات.
بين التأكيد الأميركي والنفي الإيراني
منذ أن أعلن ترامب، في الثالث والعشرين من آذار/مارس الجاري، وجود مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، تتمسك طهران بخطابها النافي لوجود مثل هذه المحادثات، حيث سارع الإيرانيون إلى نفي أي تواصل مع الإدارة الأميركية، معتبرين أن تراجع واشنطن عن استهداف المنشآت الطاقوية الإيرانية لا يرتبط بوجود قناة تفاوضية، بقدر ما يعكس تأثرها بسلسلة التهديدات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني.
غير أن هذا السجال المتصاعد بين طهران وواشنطن بشأن حقيقة المسار الدبلوماسي القائم، لم يخلُ من مؤشرات معاكسة، إذ خرج الوسيط الباكستاني ليؤكد تسليمه إيران البنود الخمسة عشر التي قدمتها الولايات المتحدة لوقف الحرب، في خطوة توحي بأن قنوات الاتصال لم تكن مقطوعة على النحو الذي تحاول طهران إظهاره.
وبالتوازي مع ذلك، برزت تحركات تقودها إسلام أباد، بدعم من القاهرة وأنقرة، للدفع نحو ترتيب لقاء بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال الأيام القليلة المقبلة، في محاولة لنقل الاتصالات غير المباشرة من مرحلة تبادل الرسائل إلى مستوى أكثر تماسًا وفاعلية.
وفي المقابل، ينظر ترامب إلى النفي الإيراني المتكرر لوجود مفاوضات بوصفه انعكاسًا لاعتبارات داخلية أكثر من كونه دليلًا على غياب الاتصالات، فمن وجهة نظره، لا تخفي طهران رغبتها في إبرام اتفاق، لكنها تتحفظ على الإعلان عن ذلك صراحة، خشية ما قد يترتب على الإقرار العلني بهذا المسار من ردود فعل قاسية داخل دوائرها السياسية والأمنية.
دوافع الوساطة
لم يكن انخراط باكستان وتركيا ومصر، ثم انضمام السعودية لهم لاحقًا، في هذه الوساطة وليد الصدفة، بل جاء على الأرجح نتيجة تقاطع مصالح وحسابات دفعت هذه الدول، رغم اختلاف مواقعها، إلى التحرك في لحظة شديدة الحساسية.
وفي مقدمة هذه الدوافع، يبرز السعي إلى منع انزلاق المنطقة نحو انفجار إقليمي واسع وفوضى ممتدة لا تقتصر آثارها على أطراف الحرب، بل تمتد إلى الشرق الأوسط والعالم، عبر ما قد تخلّفه من اضطراب في الطاقة والاقتصاد وسلاسل الإمداد والغذاء، فضلًا عن اتساع دوائر التوتر السياسي والأمني.
وفي الوقت نفسه، تتحرك هذه الدول وفق مقاربة براغماتية واضحة، إذ إن التصعيد الجاري، وإغلاق مضيق هرمز، والتلويح بتهديد باب المندب، واستهداف منشآت الطاقة، كلها تطورات دفعتها إلى تجاوز البعد السياسي للوساطة نحو الدفاع المباشر عن أمنها الاقتصادي ومصالحها الحيوية.
ما الأوراق المتاحة؟
تمتلك الدول الأربع أوراقًا فعلية تؤهلها للقيام بهذه الوساطة، فباكستان تمتلك روابط جيوسياسية وثيقة مع إيران، وصلات قوية مع الخليج، وعلاقات متنامية مع الولايات المتحدة، بما يجعلها من أكثر العواصم قدرة على لعب دور الوسيط، لا سيما مع ترجيحات باحتضانها جولات تفاوض مباشرة مقبلة بين واشنطن وطهران.
الوضع كذلك مع مصر بما تمثله من ثقل عربي وشرعية مركزية، حيث تحتفظ بعلاقات معتبرة مع أطراف الصراع، سواء عبر قنواتها الممتدة مع الإدارة الأميركية وتل أبيب، أو من خلال مستوى مقبول من العلاقات مع طهران، إلى جانب مصلحة مباشرة في إنجاح هذا المسار في ظل الضغوط التي تتعرض لها قناة السويس وأمن البحر الأحمر، وما يفرضه ذلك من تحديات على الأمنين القومي والاقتصادي المصريين.
أما تركيا فلديها مساحة حركة واسعة بين المعسكرات المختلفة، بوصفها عضوًا في حلف "الناتو"، تتمتع بعلاقات مهمة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات عمل مع طهران، فضلًا عن خبرة متراكمة في إدارة التوازنات بين الخصوم.
وفي هذا الإطار، تبرز السعودية بوصفها طرفًا يسعى إلى ضبط إيقاع المشهد ومنع انفجاره، عبر ترجيح الخيار الدبلوماسي على الانزلاق نحو التصعيد، رغم ما تتعرض له من تهديدات وضغوط.
ومن ثم، فإن ما تملكه هذه الدول الأربع من مؤهلات يجعل دورها يتجاوز مجرد نقل الرسائل، نحو الإسهام في صياغة إطار سياسي أكثر فاعلية، قادر على منع الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وتوفير قدر من الضمانات والضغوط التي قد تجعل منها طرفًا ضامنًا لأي تفاهم محتمل بين طهران وواشنطن.
الورقة الأميركية وخطوط إيران الحمراء.. اختبار حساس
يجد الوسيط الرباعي نفسه أمام اختبار بالغ الحساسية، يتمثل في محاولة التوفيق بين الورقة الأميركية المؤلفة من 15 بندًا، والتي ترتكز على ثلاثة ملفات رئيسية هي: البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية الباليستية، ودور إيران الإقليمي، وبين حزمة الخطوط الحمراء التي وضعتها إيران ردًا على تلك الخطة.
وفي ظل هذا التباعد الواضح بين الموقفين، يحاول الوسيط الرباعي، الباكستاني المصري التركي السعودي، تضييق فجوة الخلاف بين الخطة الأميركية والشروط الإيرانية، في مهمة تبدو شديدة التعقيد، ليس فقط بسبب اتساع الهوة بين الطرفين، وإنما أيضًا لأنها تُدار تحت ضغط النار والتحشيد العسكري المتبادل، وفي ظل سباق محموم مع الوقت تحكمه مخاوف متزايدة من انفجار أوسع إذا لم يُنتج هذا المسار اتفاقًا عاجلًا يوقف الانحدار نحو المواجهة الشاملة.
ما التحديات؟
ثمة جملة معقدة من التحديات لا تزال تعترض أي مسار تفاوضي جاد يمكن أن يقود إلى تسوية تنهي هذه الحرب، غير أن التحدي الأبرز يتمثل في فجوة الثقة العميقة بين طهران وواشنطن، فالإيرانيون ينظرون بقدر كبير من الشك إلى حديث ترامب عن التفاوض، انطلاقًا من تجربة يرون أنهم تعرضوا خلالها للخداع مرتين، بعدما تزامنت العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية مع أجواء كان يُفترض أنها مفتوحة على التهدئة، ومن ثم، فإن الشك الإيراني لا يتعلق فقط بمضمون الطروحات الأميركية، بل يمتد إلى توقيتها وخلفياتها والغاية الحقيقية من طرحها بالتوازي مع استمرار التصعيد الميداني.
ويتعزز هذا الشك أكثر بفعل المناخ العام المحيط بالأزمة، والذي يبدو متناقضًا مع منطق التهدئة ذاته؛ فبينما تتحدث واشنطن عن فرص اتفاق قريب، يتواصل في المقابل التحشيد العسكري الأميركي بوتيرة غير مسبوقة، مع تعزيز الحضور البحري والعسكري في المنطقة، وتداول تقديرات بشأن خيارات ميدانية أكثر اتساعًا، من بينها تأمين مضيق هرمز بالقوة أو توسيع نطاق العمليات.
ومن المنظور الإيراني، تبدو هذه المعادلة أقرب إلى محاولة لفرض التفاوض تحت النار، وتوظيف الضغوط العسكرية والسياسية معًا لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات، لا إلى مسار تفاوضي متوازن يستند إلى الحد الأدنى من الثقة المتبادلة.
أما العقبة الأكثر جوهرية، فتتصل بطبيعة نقطة الانطلاق الأميركية نفسها؛ إذ تبدو واشنطن وكأنها تتعامل مع التفاوض باعتباره أداة لفرض استسلام استراتيجي على إيران، عبر تجريدها من أبرز أوراق قوتها، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وورقة مضيق هرمز.
وهي شروط ترى طهران أن القبول بها لا يفضي إلى تسوية، بل إلى استسلام كامل. لذلك، لا يبدو أن ما يجري حتى الآن قد ارتقى إلى مستوى عملية تفاوضية مكتملة الأركان، بقدر ما هو جس نبض متبادل تحت ضغط النار، تحكمه موازين الميدان بقدر ما توجهه القنوات الدبلوماسية.
وفي ظل هذا التداخل الحاد بين التصعيد والسياسة، تبدو مسؤولية الوسطاء والمجتمع الدولي شديدة الحساسية في استثمار ما تبقى من هامش زمني لاحتواء الموقف قبل انزلاقه إلى مسارات أشد خطورة يصعب بعدها ضبط الإيقاع أو استعادة السيطرة.










