إسرائيل ومنع الأذان.. حيَّ على الصّدام

إسرائيل ومنع الأذان.. حيَّ على الصّدام

العلم الفلسطيني معلق على قمة إحدى المآذن (Getty)

على مدار احتلالها للمكان والإنسان في فلسطين، لم تحمل الحكوماتُ الإسرائيلية المتعاقبة العالمَ على الحزن فقط، بما اقترفته من مجازر لم يسلم منها حتى الأطفال، بل حملته أيضًا على السخرية والضحك، وإن لم يعلن شطر كبير منه ذلك من باب التواطؤ، بجملة من القوانين والقرارات المثيرة للضحك فعلًا.

من ذلك أن بلدية القدس ومعها دائرة البيئة منعتا في وقت سابق الأذان في المدينة، والسبب أنه يفسد البيئة بالذبذبات الصوتية التي يصدرها.

بلدية القدس ومعها دائرة البيئة منعتا في وقت سابق الأذان في المدينة، والسبب أنه يفسد البيئة بالذبذبات الصوتية التي يصدرها

في السياق المضحك/المتعسف نفسه أعدّت الحكومة مشروع قانون يمنع الأذان في الجغرافيا التي تسيطر عليها، والسبب هذه المرّة أنه يشكّل ضوضاء مزعجة للمحيط، وتنوي إحالته على "الكنيست" للمصادقة عليه، وشبه المؤكّد أنه سيحظى بالتصويت الإيجابي عليه ليصبح ملزمًا.

أغلب الظنّ أن بداية الإلزام ستكون بداية لـصراع جديد بين الإسرائليين ومسلمي فلسطين، وربما مع مسيحييها أيضًا، لأن الأمر يتعلق بشعيرة دينية لها عمقها في المخيال الديني للشعب، وهو من أكثر المخيالات حساسية لدى الشعوب، يشبه التشويش عليه التشويش على عش الدبابير.

اقرأ/ي أيضًا: الشاباك للمرفوضين "أمنيًا".. تعالوا ننصحكم

يقول نتانياهو إنه سيدعم المصادقة على القانون ويحرّض الكنيست على ذلك، "وهذا لا يعني أنني ضد حرية التدين"، وهي الجملة التي تختزل سياسة التناقض التي قام عليها الكيان الصهيوني منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين.

لقد سمعت كثيرًا من العلمانيين في العالم الإسلامي وقرأت لهم، ما يدلّ على تشنّجهم من الأذان، ومطالبتهم بمنعه أو تعويضه بما يؤدّي الدور نفسه ولا يؤدّي إلى الضجيج نفسه، لكنّ الأمر يصبح مختلفًا تمامًا حين يأتي المنع عن طريق المحتلّ، لأن جرعة الاستفزاز تكون مكثفة، وسيطال نخبة من العلمانيين أنفسهم.

سمعت كثيرًا من علمانيين ما يدل على تشنجهم من الأذان، لكن الأمر يصبح مختلفًا حين يأتي المنع من المحتل، فجرعة الاستفزاز تكون مكثفة

لطالما تساءلت بيني وبيني: إن في الجامعات الإسرائيلية نخبة كبيرة من علماء الاجتماع، وقد لعبت أدوارًا حاسمة في التنظير للكيان في مختلف مراحله، فلماذا لا تقول كلمتها في مثل هذه القوانين التي تعلم أنها من فصيلة القوانين المثيرة للضمائر، بما قد تترتب عنها حرب دينية مؤهلة لأن تنسف إسرائيل؟ أم أن إسرائيل تبحث عن حرب من هذا النوع، في هذا الظرف بالذات تحقيقًا لأهداف علينا فك شيفراتها؟

لقد سارعت إسرائيل في خمسينيات القرن العشرين إلى التنسيق مع فرنسا في مسعى امتلاكها القنبلة النووية، لكنها لم تعتبر يومًا بالثمار السيئة التي جنتها من محاولتها طمسَ ملامح الهوية الجزائرية، خاصة الدينية منها، ما أدّى بالجزائريين إلى الثورة عليها وإخراجها من الباب الضيق.

ويبدو أن تشابه الاحتلالين الفرنسي والإسرائيلي في الظلم والغباء سيجعلهما شبيهين في المصير، ويظهر أن الشارع الفلسطيني أدرك هذه الحقيقة فراح يتيمّن برفع العلم الجزائري في انتفاضاته المختلفة، فهل يتوقف الأمر هذه المرة عند انتفاضة عابرة؟

اقرأ/ي أيضًا:
فلسطينيون يعودون لـ"البلاد".. "هون دارنا"!
مقاومة المرأة الفلسطينية في زمن الليبرالية الجديدة