إسرائيل ولعبة تغيير الخرائط والحدود.. لبنان عاريًا بعد إسقاط هدنة 1949 من توقيع واشنطن
30 يونيو 2026
ليس عابرًا أن يغيب أي ذكر لاتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949 عن اتفاق الإطار الذي وُقّع برعاية أميركية، بل إن تجاوزها يشكّل أمرًا خطيرًا لما له من تداعيات من شأنها تعرية لبنان من أي مرجعية قانونية دولية. وتُعدّ المادة 12 من اتفاق الإطار تجاوزًا واضحًا لهذه الاتفاقية، التي تستند إلى القانون الدولي الذي يشكّل الضمانة لعدم الاعتداء.
تجاوز مقصود أم سقطة؟
أثار تجاوز الهدنة الكثير من التساؤلات القانونية، عمّا إذا كان الأمر سقطة قانونية للفريق المفاوض اللبناني أم تجاوزًا مقصودًا نزولًا عند رغبة الجانب الإسرائيلي، الذي يرفض الاستمرار تحت مظلّة الهدنة التي تفرض عليه الاعتراف بحدود لبنان عشية العام 1949.
الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط كان أول من أثار هذا الأمر، قائلًا: "الغريب في هذا الاتفاق الثلاثي بالشكل والأحادي في المضمون، التغيب الكامل لاتفاقية الهدنة". وفي كلام أوضح، يقول جنبلاط: "على سبيل التذكير، فإن اتفاق الهدنة أساس في العلاقات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، كما هو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وقد ذكره خطاب القسم وأكّد عليه البيان الوزاري، إلا أن كبار المفاوضين مع نخبة المستشارين في بعبدا وثلة الاختصاصيين في السراي ارتأوا إغفاله، إن لم نقل حذفه".
تحت رحمة الخطوط الإسرائيلية
يشير البروفيسور في القانون الدولي الدكتور كمال شكيب حمّاد، في حديث لـ"الترا صوت"، إلى أن "إغفال اتفاقية الهدنة لعام 1949 من اتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي يعكس تقاطعًا معقدًا بين إرث الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والحسابات السياسية والتحوّلات الجيوسياسية الراهنة، وهو ما يثير نقاشًا قانونيًا واستراتيجيًا واسعًا".
خسارة لبنان للمرجعية الدولية القانونية ستجعله عاجزًا عن مواجهة الأطماع الإسرائيلية التي تعبّر عنها عمليًا المناطق التي تفرضها إسرائيل كأمر واقع، والتي تشكّل تعبيرًا واضحًا عن المشاريع الإسرائيلية التي لا يخفيها المسؤولون الإسرائيليون في تصريحاتهم
يشرح حمّاد أن "اتفاقية الهدنة وُقّعت بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة بعد حرب 1948، ونصّت على وقف إطلاق النار، واحترام الحدود الدولية، وإنشاء لجنة هدنة مشتركة. لكنها لم تُعتبر معاهدة سلام، بل مجرد وقف مؤقت للأعمال العسكرية".
ويضيف: "نصّت المادة الخامسة منها بصراحة على أن خط الهدنة يتبع تمامًا الحدود الدولية المعترف بها بين لبنان وفلسطين الانتدابية وفق حدود 1923. ولو تم إدراج اتفاقية الهدنة في اتفاق الإطار، لكان سيشكّل اعترافًا إسرائيليًا متجددًا وغير قابل للتأويل بهذه الحدود، ما كان سيحمي لبنان من أي محاولات لفرض "خطوط زرقاء" أو مناطق صفراء أو تعديلات ميدانية قسرية كأمر واقع تحت عنوان "المناطق التجريبية" أو الأمنية".
"حدودنا الليطاني"
خسارة لبنان للمرجعية الدولية القانونية ستجعله عاجزًا عن مواجهة الأطماع الإسرائيلية التي تعبّر عنها عمليًا المناطق التي تفرضها إسرائيل كأمر واقع، والتي تشكّل تعبيرًا واضحًا عن المشاريع الإسرائيلية التي لا يخفيها المسؤولون الإسرائيليون في تصريحاتهم. كأن يقول وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن "نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بين إسرائيل ولبنان". وقد دعا علنًا إلى أن تمتد الحدود الإسرائيلية في عمق الجنوب اللبناني لتصل إلى نهر الليطاني، وتحويل المنطقة إلى شريط عازل كما حصل في قطاع غزة.
هنا بالضبط تكمن خطورة تجاهل اتفاق الإطار لاتفاقية الهدنة التي تضمن نهائية الحدود اللبنانية في مواجهة المخططات الإسرائيلية التي تعمل على إعادة رسم الخرائط في المنطقة من الجنوب اللبناني إلى الجنوب السوري.
ويلفت حمّاد إلى أن "اتفاقية الهدنة تخضع لإشراف مباشر من مجلس الأمن والأمم المتحدة عبر لجنة الهدنة المشتركة، وإضافتها إلى اتفاق الإطار كانت ستعزز من دور المرجعية الدولية المتعددة الأطراف، في مقابل اتفاق الإطار الحالي الذي يمنح الولايات المتحدة دورًا محوريًا وحصريًا كرئيس لـ"مجموعة التنسيق العسكري" والوسيط الأوحد، ما يقلّل من قيمة القانون الدولي ومرجعية الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن، لصالح التوازنات السياسية الثنائية".
علماً أنه يُشار دوريًا إلى اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 بشكل متكرر ومحوري في الصكوك والقرارات الدولية المتعلقة بلبنان، وتحديدًا الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بحيث تُعدّ اتفاقية الهدنة لعام 1949 في القانون الدولي مرجعية قانونية أساسية لترسيم الحدود البرية والاعتراف بسيادة لبنان.
قرارات تعترف بالهدنة
لماذا يُعدّ ما حصل في التوقيع سابقة؟ لأنه التفاهم الوحيد بين لبنان وإسرائيل الذي لا يرتكز إلى الإطار الذي أوجده اتفاق الهدنة لحماية لبنان بموجب القانون الدولي.
ويشير حمّاد إلى أبرز الصكوك والقرارات الدولية التي أشارت صراحة إلى اتفاقية الهدنة، وهي:
- قرار مجلس الأمن رقم 1701 عام 2006: يُعدّ هذا القرار الصك الدولي الأحدث والأهم الذي ينظم الوضع في جنوب لبنان، حيث نصّت ديباجته صراحة على تأكيد الاحترام التام لاتفاقية الهدنة العامة لعام 1949، والتمسك بها كأحد الأسس المعتمدة للوصول إلى حل طويل الأجل وبسط سيادة الدولة اللبنانية.
- قرار مجلس الأمن رقم 425 عام 1978: القرار الذي أُنشئت بموجبه قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، وتضمّن دعوة إسرائيل إلى الانسحاب الفوري من جميع الأراضي اللبنانية، واستندت آليات تنفيذ القرار والتحقق من الانسحاب لاحقاً، عند رسم الخط الأزرق عام 2000، إلى المطابقة مع الحدود الدولية المقرّة في اتفاقية هدنة 1949، ولا سيما المادة الخامسة منها.
قرارا مجلس الأمن رقم 450 و459 عام 1979: أصدر مجلس الأمن هذين القرارين لتمديد ولاية قوات "اليونيفيل" وتثبيت الاستقرار، وأكدا بعبارات قاطعة أن اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 بين لبنان وإسرائيل لا تزال قائمة ونافذة، ولا يجوز لأي طرف التحلل منها أحاديًا.
لماذا اتفاقية الهدنة مهمة؟
ولكن لماذا تُعدّ اتفاقية الهدنة بالغة الأهمية للبنان؟
يجيب حمّاد: "تكمن أهمية ورود اتفاقية الهدنة في هذه الصكوك الدولية في نقطتين أساسيتين:
• النقطة الأولى هي تثبيت الحدود، حيث تؤكد المادة الخامسة من الاتفاقية أن خط الهدنة يتبع تمامًا الحدود الدولية التاريخية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وبالتالي فإن إشادة القرارات الدولية بها تعني اعترافًا أمميًا مستمرًا بحدود لبنان الرسمية.
• النقطة الثانية هي استمرار الحالة القانونية، إذ يصرّ لبنان دائمًا في المحافل الدولية على ذكر هذه الاتفاقية لأنها تثبت قانونًا عدم انتهاء حالة الحرب بمعاهدة سلام، وتمنع فرض أي أمر واقع لوقف إطلاق النار خارج مظلة الأمم المتحدة".
ويضيف: "بالتالي، فإن استبعاد الهدنة نقل الملف من القانون الدولي ومظلة الأمم المتحدة التاريخية إلى الواقعية السياسية (Realpolitik) والترتيبات الأمنية المفصّلة برعاية واشنطن، وهو تحوّل يخدم الرؤية الإسرائيلية الساعية لتخطي إرث الهدنة لعام 1949، في حين يفقد لبنان مستندًا قانونيًا صلبًا لطالما تمسك به في أدبياته الدبلوماسية.
لكن هناك أسبابًا جوهرية قادت المفاوضين برعاية أميركية إلى استبعاد الإشارة إلى اتفاقية 1949، منها أن إسرائيل تعتبر أن اتفاقية الهدنة قد سقطت عمليًا وقانونيًا منذ حرب حزيران 1967، وتحديداً بعد إعلان رئيس وزرائها آنذاك ليفي أشكول إلغاء الهدنة مع الدول العربية. كما ترفض تل أبيب العودة إلى مظلة الهدنة، لأنها تسعى إلى صيغة أمنية جديدة تفرض ترتيبات مستحدثة، مثل نزع السلاح ومراقبة الحدود والترتيبات التجريبية، وليس العودة إلى قيود اتفاقية الهدنة التي تمنح مرجعية للأمم المتحدة".
ويتابع: "إن اتفاق الإطار صيغ ليكون وثيقة تمهّد لـ"سلام وأمن دائمين" وإقامة علاقات حسن جوار، بينما اتفاقية 1949، وخصوصًا مادتها الأولى، هي ترتيب مؤقت يهدف إلى تسهيل الانتقال من المهادنة الحالية إلى سلم دائم في فلسطين. بالتالي، فإن القفز نحو ترتيبات السلم الدائم يُعدّ تجاوزًا لمنطق الهدنة العسكرية المؤقتة".
ويختم حمّاد: "صُممت اتفاقية 1949 لضبط النزاع التقليدي بين جيشين نظاميين (الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي) تحت إشراف لجنة الهدنة المشتركة. أما اتفاق الإطار الحالي فيعالج معضلة السلاح غير الشرعي أو الجماعات المسلحة غير الحكومية، وفق توصيف مجلس الوزراء في 2 آذار/مارس 2026، وهو واقع ميداني لا تغطيه بنود الهدنة الكلاسيكية. ومن الناحية القانونية والاستراتيجية، كان لإدراج اتفاقية الهدنة أو البناء عليها قيمة قانونية وسياسية كبرى، لا سيما للمصلحة اللبنانية.
إبعاد "اليونيفيل"
لا ينفصل تغيير قواعد الانضباط في جنوب لبنان في النص القانوني عن إبعاد قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" عن جنوب لبنان، وهو ما قد يعني نسف الخط الأزرق أيضًا لصالح الخط الأصفر الذي فرضته إسرائيل وترفض الانسحاب منه.
فرغم توقيع لبنان على اتفاق الإطار، ما زالت إسرائيل تعلن استمرار العمل في المنطقة الأمنية، وأنها لن تنسحب منها في وقت قريب، وقد وجّه المستوى السياسي الجيش الإسرائيلي للاستعداد للبقاء فترة طويلة في لبنان.
هذا المسار، والدفع نحو ترتيبات ثنائية فقط بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، سيجعل الأرض عرضة لتحولات كبرى، نظراً لعدم قدرة لبنان على فرض شروطه على الجانب الإسرائيلي، خاصة أن فشل مقترح المناطق النموذجية قد يعني بقاء الاحتلال وتكريسه لسنوات طويلة والاستفراد بالجنوب.