ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

إسرائيل وأوروبا.. توتر دفاعي أم إعادة ضبط للعلاقة؟

17 ابريل 2026
ميلوني
علقت إيطاليا تعاونها العسكري مع إسرائيل (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

أعاد قرار رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الصادر في الرابع عشر من نيسان/ أبريل الجاري، بتعليق التعاون الدفاعي مع إسرائيل، على خلفية العدوان على لبنان وواقعة إطلاق النار قرب جنود إيطاليين، طرح جملة واسعة من التساؤلات بشأن دوافع هذه الخطوة وتوقيتها، لا سيما أنها جاءت في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الحقوقية والانتقادات الشعبية الموجهة إلى روما بسبب استمرار دعمها لتل أبيب رغم ما يُرتكب من جرائم وانتهاكات في أكثر من ساحة.

ولم تكن إيطاليا الدولة الوحيدة التي لجأت إلى هذا المسار في التعامل مع إسرائيل، وهو ما وسّع دائرة التكهنات بشأن دلالات هذا التحول النسبي في الموقف الأوروبي، وما إذا كان يعكس بداية مراجعة أوسع قد تنتهي إلى تقليص الغطاء الدفاعي والسياسي الذي وفرته أوروبا لإسرائيل طويلاً، أم أنه لا يتجاوز كونه محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة معها، بما يحفظ المصالح الأوروبية ويحول دون تعرضها لمزيد من المخاطر والارتدادات.

غزة كلمة السر

لا يمكن قراءة الموقف الإيطالي باعتباره رد فعل استثنائيًا فرضته فقط الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، إذ إن مؤشرات التململ كانت قد بدأت في الظهور منذ الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

فمنذ ذلك التاريخ أخذ المزاج الغربي يتحول تدريجيًا، ولو ببطء، نحو قدر أكبر من التعاطف مع الحقوق الفلسطينية، بالتوازي مع تراجع واضح في الانحياز التقليدي للرواية الإسرائيلية، ولا سيما بعد سيل الأدلة والتقارير التي كشفت حجم الوحشية الإسرائيلية بحق أطفال ونساء غزة، وهو ما وضع حكومات الغرب أمام مأزق أخلاقي متفاقم وحرج سياسي متزايد في مواجهة الرأي العام الأوروبي.

لم تكن إيطاليا الدولة الأوروبية الوحيدة التي لوّحت باتخاذ إجراءات دفاعية ضد إسرائيل، إذ سلكت عدة عواصم أوروبية مسارات متقاربة عكست اتساع رقعة التململ داخل القارة

ثم جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران لتعمّق منسوب الامتعاض داخل القارة الأوروبية، خاصة بعدما أسهمت هذه الحرب، التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أحد أبرز المحرضين عليها، في إرباك سوق الطاقة العالمي، ودفع أسعار الغاز إلى الارتفاع، وإحداث اضطرابات واضحة في سلاسل الإمداد، بما انعكس سلبًا على أوروبا على مستوى الحكومات والمجتمعات معًا.

ولم يلبث هذا الاحتقان أن ازداد حدة مع الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، ذلك التصعيد الذي وُصف إعلاميًا بأنه الأوسع والأقسى منذ ثمانينيات القرن الماضي، الأمر الذي فاقم موجة الغضب الأوروبي، خصوصًا في ظل طبيعة العلاقات الجيدة التي تربط عددًا من العواصم الأوروبية ببيروت، ومما زاد من تعقيد المشهد أن إسرائيل أبدت تجاهلًا للمناشدات الأوروبية المطالبة بوقف هذه الاعتداءات، بما عمّق التوتر بينها وبين عدد من عواصم القارة.

إيطاليا ليست الوحيدة

لم تكن إيطاليا الدولة الأوروبية الوحيدة التي لوّحت باتخاذ إجراءات دفاعية ضد إسرائيل، إذ سلكت عدة عواصم أوروبية مسارات متقاربة عكست اتساع رقعة التململ داخل القارة، ففي ألمانيا، التي تُعد ثاني أكبر مصدر للسلاح إلى إسرائيل، أُعلن في آب/أغسطس 2025 تعليق الموافقات على تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة، في خطوة حملت دلالات سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي المباشر.

وسبقتها بريطانيا إلى مسار مشابه، حين قررت في أيلول/سبتمبر 2024 تعليق 30 رخصة تصدير من أصل 350 رخصة موجهة إلى إسرائيل، بعد مراجعة قانونية خلصت إلى وجود خطر يتمثل في استخدام تلك الصادرات في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ورغم أن القضاء البريطاني ألغى القرار لاحقًا، فإن الخطوة تركت أثرًا ملموسًا، ولو نسبيًا، على طبيعة العلاقة بين الجانبين.

وفي هولندا، كانت الإشارات أكثر وضوحًا على المستوى القضائي، إذ أمرت محكمة الاستئناف في شباط 2024 بوقف تصدير أجزاء من مقاتلات F-35 إلى إسرائيل، استنادًا إلى مخاوف من توظيفها في انتهاكات للقانون الدولي خلال حرب غزة، ثم عادت المحكمة العليا الهولندية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 لتأمر الحكومة بمراجعة سياساتها المتعلقة بتصدير السلاح إلى إسرائيل، مع الإبقاء على حظر تصدير أجزاء F-35 قائمًا إلى حين انتهاء هذه المراجعة.

أما فرنسا، فقد انضمت بدورها إلى هذا الاتجاه، بعدما دعت باريس إلى وقف صادرات الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة ولبنان، كما منعت مشاركة شركات إسرائيلية في معرض الأسلحة "يوروساتوري 2024".

وفي 31 آذار/مارس 2026 ذهبت خطوة أبعد، حين رفضت السماح للطائرات الإسرائيلية بعبور أجوائها لنقل أسلحة أميركية إلى إسرائيل لاستخدامها في الحرب ضد إيران، في إجراء لوجستي ارتبط مباشرة بهذا النزاع، لكنه حمل في الوقت نفسه رسالة سياسية واضحة.

وبالنسبة إلى إسبانيا، فقد بدا موقفها أكثر تشددًا نسبيًا، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية المطالبة بوقف التعاون العسكري مع تل أبيب. واتخذت مدريد إجراءات لافتة تمثلت في حظر مرور السفن والطائرات التي تحمل أسلحة أو وقودًا عسكريًا إلى إسرائيل عبر موانئها ومجالها الجوي، وهو ما أثار انزعاجًا أميركيًا واضحًا، ودفع واشنطن إلى توجيه انتقادات حادة لهذا التوجه الأوروبي المتنامي.

تمايز أوروبي

اتسم الموقف الأوروبي من السياسات الإسرائيلية بقدر واضح من التباين، إذ لم تتحرك القارة ككتلة واحدة، رغم تصاعد الانتقادات الحقوقية والشعبية التي وُجهت إلى حكوماتها، فبينما ذهبت بعض العواصم إلى مراجعة جوانب من تعاونها العسكري مع تل أبيب أو تقييده، تمسكت دول أخرى بالإبقاء على هذه العلاقات كما هي، بل مضت بعض الأطراف إلى تعزيزها بصورة لافتة.

وتقف اليونان في مقدمة هذا المعسكر، إذ شرعت أثينا في محادثات لشراء 36 نظامًا صاروخيًا من طراز(PULS) ومنظومات دفاع جوي ضمن مشروع "درع أخيل"، في صفقة قُدرت بنحو 650 مليون يورو، قبل أن يوافق البرلمان اليوناني عليها في كانون الأول/ديسمبر 2025، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمرت المفاوضات بشأن برنامج دفاع جوي أوسع، تُقدر كلفته بنحو 3 مليارات يورو، بما يعكس تمسكًا يونانيًا واضحًا بتوسيع الشراكة الدفاعية مع إسرائيل.

وفي الاتجاه نفسه، تحركت قبرص بالتوازي مع اليونان، إذ وقعت الدولتان في الشهر ذاته خطة عمل لزيادة التدريبات البحرية والجوية المشتركة خلال عام 2026، فيما أكد مسؤولون قبرصيون استمرار شراء الأنظمة الإسرائيلية، ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية إذا ما أُخذ في الاعتبار أن نيقوسيا كانت قد تسلمت بالفعل في كانون الأول/ديسمبر 2024 منظومة (Barak MX) الإسرائيلية، لتكون بديلًا عن أنظمة روسية أقدم.

ولم يقتصر هذا النهج على هاتين الدولتين، بل امتد إلى دول أوروبية أخرى اختارت المضي في توثيق تعاونها الدفاعي مع تل أبيب، ففي أيلول/سبتمبر 2024 أعلنت فنلندا نيتها شراء منظومة الدفاع الجوي "مقلاع داود" من إسرائيل، فيما وقعت رومانيا عقدًا لشراء طائرات مسيّرة إسرائيلية، وأعلنت صربيا هي الأخرى، في نيسان/ أبريل الجاري، خطة للتصنيع المشترك لطائرات قتالية مسيّرة مع إسرائيل.

وبذلك يتضح أن المشهد الأوروبي لا تحكمه مقاربة موحدة تجاه إسرائيل، بقدر ما تعكسه شبكة من الحسابات المتباينة التي توازن بين الضغوط الأخلاقية والسياسية من جهة، والمصالح الأمنية والاستراتيجية من جهة أخرى.

إنهاء للتعاون الدفاعي أم ضبط للبوصلة؟

رغم القرارات والإجراءات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية، والتي قد يُفهم منها أنها تعكس توترًا متصاعدًا في التعاون الدفاعي بين أوروبا وإسرائيل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة الذهاب نحو قطيعة كاملة أو إنهاء لعلاقات ممتدة منذ عقود.

فهذه العلاقة لا تزال محكومة بشبكة كثيفة من المصالح المشتركة والاعتبارات الاستراتيجية التي تجعل أي انفصال شامل بين الطرفين أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستبعدًا، خاصة في ظل الانقسام الأوروبي الواضح إزاء كيفية التعاطي مع السلوك الإسرائيلي في الإقليم.

ويعزز هذا التقدير أن الدول نفسها التي اتخذت خطوات بدت صدامية نسبيًا تجاه إسرائيل، لا تزال في الوقت ذاته تحتفظ بشراكات عسكرية ودفاعية قائمة معها، بما يوحي بأن ما جرى لا يرقى إلى مستوى التحول الجذري، بقدر ما يعكس رسائل امتعاض موجهة إلى الحليف الإسرائيلي، أو محاولة لاحتواء الضغوط الداخلية وحفظ قدر من التوازن أمام رأي عام أوروبي بات أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر رفضًا لكلفتها الأخلاقية والسياسية.

ومن ثم، فإن الأرجح أن هذه القرارات تندرج في إطار محاولة أوروبية لإعادة ضبط بوصلة العلاقة مع إسرائيل وفق مقاربة براغماتية بالأساس، لا تستهدف فك الارتباط بقدر ما تسعى إلى إعادة تعريف حدوده.

وهي مقاربة تبدو منسجمة مع رغبة أوروبية آخذة في التبلور للحد من التبعية الكاملة للولايات المتحدة، وتوسيع هامش الاستقلال النسبي في إدارة المصالح والتحالفات، بما في ذلك عدم الانخراط التلقائي خلف الأجندة الإسرائيلية كلما تعارضت مع الأولويات الأوروبية الأوسع.

كلمات مفتاحية
سيبستيان دولوغو

ذكاء اصطناعي وأفاتارات مزيفة.. كيف استهدفت إسرائيل مرشحي حزب "فرنسا الأبية"؟

تحقيق يكشف عن حملة تضليل تقودها شركات إسرائيلية تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستهداف مرشحي اليسار في فرنسا

طائرات مقاتلة من طراز JF-17 تابعة لسلاح الجو الباكستاني

مقاتلات وآلاف الجنود.. تفاصيل القوة الباكستانية المنتشرة في السعودية خلال الحرب الإيرانية

باكستان تنشر آلاف الجنود ومقاتلات ومنظومات دفاع جوي في السعودية وسط توتر الحرب مع إيران.

انتشار فرق الطوارئ في منطقة قريبة من المركز الإسلامي في سان دييغو

هجوم دموي على أكبر مسجد في سان دييغو.. إليك ما حدث

هجوم على أكبر مسجد في سان دييغو يخلّف قتلى وسط تحقيقات أميركية بجريمة كراهية محتملة

إيبولا
علوم

طقوس غريبة أثناء الدفن.. "أخطاء قاتلة" تفجر كارثة إيبولا في الكونغو

كشفت التحقيقات عن سلسلة من الأخطاء ساهمت في تفاقم الكارثة، إليكم أبرزها

فلسطين
قول

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

ضد التحرش
مجتمع

هل يصبح الإقصاء الفني عقوبة موازية للقضاء؟

تنشط في السنوات الأخيرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، حركة تُعد الامتداد المحلي لحملة "أنا أيضًا" (Me Too) العالمية

مانيدو
أدب

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض